البابا فرنسيس: زيارتي إلى الأراضي المقدسة كانت نعمة كبيرة أردت أن أحمل كلمة رجاء ولكني تلقيتها بدوري أيضًا

الفاتيكان – وكالات – أجرى البابا فرنسيس صباح اليوم الأربعاء مقابلته العامة المعتادة مع وفود الحجاج والمؤمنين في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان. تمحورت كلمة الحبر الأعظم حول رحلة الحج التي قام بها إلى الأرض المقدسة وقال:
 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، صباح الخير!

في الأيام الماضية، كما تعلمون، قمت بزيارة حج إلى الأراضي المقدسة. وكانت الزيارة نعمة كبيرة للكنيسة، وأشكر الله عليها. لقد قادني في تلك الأراضي المباركة، التي شهدت الحضور التاريخي ليسوع والتي تمت فيها الأحداث الأساسية للدين اليهودي، المسيحي والإسلامي. أود أن أجدد عرفاني العميق لصاحب الغبطة البطريرك فؤاد طوال، إلى أساقفة الطقوس المختلفة، الكهنة، الفرنسيسكان حراس الأراضي المقدسة. هؤلاء الفرنسيسكان هم صالحون! عملهم جميل جدًا، العمل الذي يقومون به شخصيًا! يذهب فكري إيضًا إلى السلطات الأردنية، الإسرائيلية والفلسطينية، التي استقبلتني بكثير من اللباقة، وأقول أيضًا بروح صداقة، كما وأشكر جميع الذين أسهموا في إنجاح الزيارة.

1.    الهدف الأول من هذا الحج كان الاحتفال بالذكرى الخمسين للقاء التاريخي الذي تم بين البابا بولس السادس والبطريرك أثناغوراس. كانت تلك المرة الأولى التي يزور بها خليفة روما الأراضي المقدسة: وقد افتتح بولس السادس بذلك الشكل، خلال المجمع الفاتيكاني الثاني، الزيارات البابوية خارج الأراضي الإيطالية في العصر الحديث. تلك البادرة النبوية التي قام بها أسقف روما وبطريرك القسطنطينية وضعت حجر زاوية في مسيرة صعبة ولكن واعدة نحو وحدة جميع المسيحيين، التي قامت منذ ذلك الحين بخطوات ملموسة هامة.

لذا فإن لقائي بصاحب القداسة برثلماوس، الأخ الحبيب في المسيح، قد مثلت لحظة الزيارة الأسمى. فقد صلينا معًا عند قبر يسوع، وكان معنا بطريرك القدس للروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث، وبطريرك الأرمن الرسوليين نورهان، إلى جانب رؤساء أساقفة وأساقفة العديد من الكنائس والجماعات، والسلطات المدنية ولفيف من المؤمنين. في ذلك المكان تردد صدى إعلان القيامة، وقد شعرنا بمرارة وألم الانقسامات التي ما زالت موجودة بين تلاميذ المسيح؛ وهذا الأمر مؤلم حقًا، يوجع القلب. ما زالنا منقسمين؛ في ذلك المكان الذي تردد فيها إعلان القيامة، حيث وهب يسوع حياته، ما زالنا منقسمين. ولكن فوق كل شيء، كان ذلك الاحتفال غنيًا بروح تبادل أخوي، بالاحترام والعطف، وشعرنا بقوة بصوت الراعي الصالح القائم من الموت الذي يريد أن يجعل من كل خرافه قطيعًا واحدًا؛ لقد شعرنا برغبة أن نبلسم الجراح التي ما زالت مفتوحة وأن نتابع بثبات المسيرة نحو الوحدة الكاملة. مرة أخرى، مثلما فعل البابوات السابقون، طلبت الغفران لأجل كل ما فعلناه لزيادة هذا الانقسام، وأطلب إلى الروح القدس أن يعيننا لكي نضمد الجراح التي سببناها إلى الإخوة. كلنا إخوة في المسيح وبيني وبين البطريرك برثلماوس هناك صداقة وأخوة وقد تشاركنا إرادة المسير معًا، وأن نقوم منذ اليوم بكل ما يمكننا القيام به: الصلاة معًا، العمل معًا من أجل قطيع الله، البحث عن السلام، حماية الخليقة، والكثير من الأمور التي نتشارك بها. ويجب علينا السير قدمًا كإخوة.

2.    إن الهدف الثاني من الزيارة كان تشجيع تلك المنطقة على المضي قدمًا في المسيرة نحو السلام، الذي هو في الوقت عينه هبة من الله والتزام من البشر. لقد قمت بذلك في الأردن، في فلسطين وفي إسرائيل. وقمت بذلك دومًا كحاج، باسم الله وباسم الإنسان، حاملاً في قلبي رحمة كبيرة نحو الإخوة في تلك الأراضي الذين يعيشون منذ زمن في ظل الحرب وهم مستحقون أن يختبروا أخيرًا أيامًا من السلام!

ولهذا حضضت المؤمنين المسيحيين أن يسمحوا للرب أن “يمسحهم” بقلب منفتح وطيّع للروح القدس، لكي يكونوا قادرين أكثر على بوادر تواضع، أخوّة ومصالحة. فالروح يمكننا من اعتماد هذه المواقف في الحياة اليومية نحو أشخاص من ثقافات وأديان مختلفة، ونضحي بهذا الشكل “حرفييّ” السلام. فالسلام يُبنى يدويًا! ليس هناك مصانع للسلام، لا! السلام يصاغ كل يوم، يدويًا، وبقلب منفتح لأنه يأتي كهبة من الله. لهذا حثثت المؤمنين المسيحيين لكي يسمحوا للرب أن “يمسحهم”.

في الأردن شكرت السلطات والشعب لالتزامهم في قبول عدد كبير من اللاجئين الآن من الأرض التي تنكدها الحرب، وهو التزام إنساني يستحق أن ينال الدعم المستمر من قِبل الجماعة الدولية. وقد تأثرت كثيرًا بسخاء الشعب الأردني في استقباله للاجئين. الكثيرون منهم يهربون من الحرب. فليبارك الرب هذا الشعب المضياف، فليباركه بوفرة!

ونحن، يجب علينا أن نصلي إلى الرب لكي يبارك هذه الضيافة ويجب أن نطلب إلى كل المؤسسات العالمية مساعدة هذا الشعب في عمل الضيافة الذي يقوم به. خلال زيارة الحج، حتى في مناطق أخرى، قمت بتشجيع السلطات على الاستمرار في جهد تخفيف حدة التوتر في المنطقة الشرق أوسطية، خصوصًا في سوريا الجريحة، والاستمرار أيضًا في البحث عن حل عادل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. لهذا دعوت الرئيس الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني، وكلاهما رجلا سلام وصانعا سلام، للمجيء إلى الفاتيكان والصلاة سوية معي من أجل السلام.

وأرجوكم ألا تتركوننا وحدنا: أنتم أيضًا صلوا، صلوا كثيرًا لكي يهبنا الرب السلام، لكي يهبنا السلام في تلك الأرض المباركة! أعتمد على صلاتكم. تشجعوا، صلوا في هذا الوقت، صلوا كثيرًا من أجل السلام.

3.    هذا الحج إلى الأراضي المقدسة كان بالنسبة لي مناسبة لتثبيت الجماعة المسيحية بالإيمان. فهذه الجماعة تتألم كثيرًا. أود أن أعبّر عن عرفان الكنيسة بأسرها لحضور المسيحيين في تلك المنطقة وفي كل الشرق الأوسط. إن إخوتنا هؤلاء هو شهود شجعان للرجاء وللمحبة، هم “ملح ونور” تلك الأرض. من خلال حياتهم وصلاتهم ومن خلال نشاطهم التربوي والاستشفائي الحميد، يعمل المسيحيون لأجل المصالحة والغفران، مسهمين بتعزيز الخير العام في المجتمع.

من خلال هذا الحج الذي كان نعمة حقة من الرب، أردت أن أحمل كلمة رجاء، ولكني تلقيتها بدوري أيضًا! لقد تلقيتها من إخوة وأخوات “يرجون ضد كل رجاء” (روم 4، 18)، من خلال الكثير من الآلام، مثل آلام من هرب من أرضه بسبب الصراعات؛ منثل ألم من يتعرض، في مختلف مناطق العالم، للتمييز والاحتقار بسبب إيمانه بالمسيح. فلنستمر بالوقوف إلى جانبهم! فلنصل من أجلهم ومن أجل السلام في الأراضي المقدسة وفي الشرق الأوسط بأسره. فلتدعم صلاة الكنيسة بأسرها وحدة المسيحيين الكاملة، لكي يؤمن العالم بحب الله الذي جاء في المسيح ليسكن في وسطنا.

أدعوكم جميعًا الآن للصلاة معًا، للصلاة معًا إلى العذراء، ملكة السلام، ملكة وحدة المسيحيين، أم جميع المسحيين: فلتهبنا هي السلام، إلى العالم بأسره، ولترافقنا في سبيل الوحدة. [السلام عليكِ يا مريم].

Print Friendly, PDF & Email