كلمة المدبر الرسولي في قداس سبت النور بكنيسة القيامة بالقدس

فيما يلي النص الكامل للعظة التي ألقاها المدبر الرسولي للبطريركية اللاتينية، المطران بييرباتيستا بيتسابالا، خلال ترؤسه صباح اليوم السبت، القداس الإلهي الاحتفالي بمناسبة سبت النور، وذلك من أمام القبر المقدس بكنيسة القيامة في القدس:

بلغنا الاحتفال الكبير في السنة الليتورجية. بلغنا الليلة الكبرى. صلاتنا سهرةٌ ليلةَ العيد. ونحن هنا ما زلنا في الساعات الأولى من صباح يوم السبت. في هذا اليوم، يحتفل العالم كلّه بهذه الليتورجيا، واحتفاله انتظار وصمت. في الواقع، في هذا النهار كلّه لا تقام الاحتفالات. العالم كلّه اليوم، كأنّه يقف، في صمت كبير واندهاش، حارسًا على قبر المسيح  وسرّ موته، لا بالحرس الذين ذكرهم الإنجيل كما سمعنا قبل قليل. فنحن غير خائفين ولا مرتعبون (٢٨: ٤) لأنَّنا نعرف في قلبنا ماذا ينتظرنا. كلّ الكنيسة تنتظر، وهي أكيدة أنّ يوم مجد القيامة آتٍ. انتظارنا مطمَئِنّ ومليء بالرجاء.

في القدس، أزلنا لحظة الانتظار والصمت. كأنّنا نعدو مسرعين، بفارغ الصبر، لنلاقي فورًا فرح القائم من بين الأموات. كلّ الأسبوع المقدّس كان تحرّكات متسرّعة، كأنّه ركض من مكان إلى آخر. من جبل الزيتون إلى المدينة المقدّسة. من مكان العشاء الأخير إلى الجسمانيّة. ومن الجسمانيّة إلى الجلجلة ثم القبر. والليتورجيا في المدينة المقدّسة تجعلنا نركض في كلّ المدينة، مثل التلاميذ والنساء عند القبر، كأنّنا نريد أن نبيّن بعناد انتماءنا إلى هذه الحجارة المقدّسة. وصلواتنا منظَّمة بحسب نظام وآليّات قديمة ومعقّدة، يجب أن تُنسَّق مع سائر الكنائس التي تحتفل بالأحداث نفسها في الأماكن نفسها، وأيضًا مع الجماعات غير المسيحيّة في القدس، فهي أيضًا هنا لتصلي في “بيت الصلاة” لكلّ الشعوب، كما يقول النبيّ أشعيا (٥٦: ٧). ولنبرِّرَ ركضنا وفارغ صبرنا ولو جزئيًّا، نقول إنّ الأمور لا يمكن أن تكون إلّا هكذا.

وكما قبل ألفي سنة، لا يمكن أن يحتفل العالم بالفصح ما لم يُحتفَل به أوَّلًا في القدس. المسيح يقوم من بين الأموات في العالم، وفي الكنائس، وفي بيوت الناس، بعد أن تعطي القدس الإشارة وتقول إنّ القبر هنا فارغ.

لنَرَ معنى احتفالنا. بماذا نحتفل اليوم في هذه السهرة الصباحية؟

نحتفل بأربعة أنواع فصح، أربعة أمور تدلّ على “العبور”. نحتفل بذكرى الخروج من مصر، ومن عبوديَّتنا، ومرور الربّ بين شعبه علامةً على تحريره. ونحتفل بالعشاء الفصحيّ الذي به يذكر الشعب اليهوديّ حتى اليوم هذا الحدث الخلاصيّ: “تَكُونُ أحقَاؤُكُم مَشدُودَةً، وَنِعَالُكُم فِي أَرجُلِكُم وَعِصِيُّكُم فِي أَيدِيكُم. تَأكُلُونَهُ عَلَى عَجَلٍ، فَإِنَّهُ فِصحٌ لِلرَّبّ” (خروج ١٢: ١١). ونحتفل بفصح المسيح وانتقاله من هذا العالم إلى أبيه (يوحنا ١٣: ١). وأخيرا، نحتفل بفصح الكنيسة في سرّ الإفخارستيا.  كلمة الله التي أصغينا إليها، بالإضافة إلى العلامات والرموز التي رأيناها والتي سنراها في هذا الاحتفال، تضعنا أمام تاريخ الخلاص: النار والنور، الماء والخبز، والتأمُّل في عمل الله فينا، منذ الخلق حتى قيامة المسيح، وحتى زمن الكنيسة (في قراءة الرسالة إلى أهل روما).

النار علامة لحضور الله: النار في العلَّيقة المحترقة حيث كلَّم الله موسى (خروج ٣: ٤). وعمود النار الذي رافق الشعب في البرّيّة (خروج ١٣: ٢١)، والشعلة المضاءة دائمًا في هيكل القدس، والتي أصبحت الآن نور المسيح القائم، حضورًا أبدِيًّا لله بيننا. هو الله معنا للأبد.

الماء الذي رفرف عليه الروح القدس (تكوين ١: ٢)، وبالطوفان غمر عالم الخطيئة، أصبح رمز الغسل، والتطهير، وحبّ الله الذي يريد أن ينسى عدم أمانتنا ويجعلنا خليقة جديدة: “وَأَرُشُّ عَلَيكُم مَاءً طَاهِرًا فَتَطهُرُونَ مِن كُلّ نَجَاسَتِكُم، وَأُطَهِّرُكُم مِن كُلِّ خَطَايَاكُم…وَأُعطِيكُم قَلبًا جَدِيدًا” (حزقيال ٣٦: ٢٥). 

الماء والنار هما أيضًا علامة الروح الذي أرسله الآب والابن القائم من بين الأموات، ونزل أوّلًا على الرسل، وبالعماد يسكن الآن فينا ويجعلنا حضورًا حيًّا للمسيح في العالم.

بعد قليل في ليتورجيا العماد، بعلامة الماء الذي نُرَشُّ به، وبنور الشمعة الفصحيّة، تنتهي عزلتنا وتلغى الخطيئة فينا. هاتان العلامتان متَّحدتَيْن تدلّان على أنّنا خليقة جديدة وحضور جديد لله في العالم.

وفي الخبز الذي نكسره نحتفل بالعهد الأبديّ، بالمعاهدة الأبديّة، بذبيحة فدائنا، وذكرى موت الربّ وقيامته. ما هذه النعم؟ هي أعظم من أن تُروَى فقط. فنحتفل بها بالترنيم، وبالنشيد الفصحيّ العجيب (Exultet)، المعبّر عن الفرح والاندهاش أمام عجائب الله التي صنعها في تاريخنا.

هذه الليتورجيا التي نحتفل بها تروي كلَّ هذا. ليست فقط رواية لاهوتية وليتورجية للتاريخ. بل هي حدث يخاطبنا اليوم أيضًا؟ ماذا يقول لنا؟ لنقرأ من جديد هذا التاريخ، كما نقرأه في كلّ سنة، متسائلين: ماذا يقول لنا اليوم؟ ماذا يقول لي؟

كان يجب أن نبدأ صلاتنا مع عتمة الليل، – وهي الآن عتمة نتخيَّلها فقط. إنّه لأمر معبّر أن نبدأ من العتمة، من عتمة قلبنا، من عتمة مأساة حياتنا، من عتمة أسئلتنا الصائبة، التي لا نعرف ولا نقدر أن نجيب علها وحدنا: ما معنى الموت؟ لماذا يوجد الشرّ؟ أيُّ أمل حقيقيّ لحياتنا؟ من يقدر أن يخلِّصنا؟ ماذا يعني أن نكون مَفدِيِّين؟

إنّ كلمة النبيّ حزقيال، التي سمعناها مرارًا في صلوات زمن الصوم، يمكن أن تلخِّص كلّ هذه الأسئلة وكلّ هذه العتمة: “إنَّ مَعَاصِيَنَا وَخَطَايَانَا عَلَيْنَا، وَنَحنُ بِهَا نَتَعَفَّنُ. فَكَيفَ نَحيَا؟“

كيف يمكن أن نحيا؟

السهرة الفصحيّة هي قبل كلّ شيء مكان الأسئلة الصحيحة. هي اللحظة التي نجرؤ فيها على طرح الأسئلة عن الحياة. كذلك في كتاب الطقوس اليهوديّة، كان وقت للأسئلة، حيث الأصغر سِنًّا في البيت كان يسأل بكلّ بساطة: لماذا هذا العيد؟ لماذا؟…

ويجب ألا نخدع أنفسنا، الجواب لا نعرفه مسبقًا. لا يوجد جواب واحد مرّة واحدة وللأبد. نحتاج إلى جواب يمَسُّ الحياة، يُفهِمنا فهمًا صحيحًا كيف أنّ هذا الحدث الذي نحتفل به له علاقة بحياتنا. لهذا نحن هنا.

في الإصغاء الطويل إلى كلمة الله التي استمعنا إليها الآن، لم نجد جوابًا سريعًا جاهزًا، مُعَدًّا من قبل. بل استمعنا إلى رواية تاريخ بدأ منذ زمن طويل، تاريخ معقَّد، مرَّ بمراحل عديدة، وفيه أحداث متنوّعة جدًّا. ماذا يربط بين هذه الأحداث؟  وماذا يجعل منها خطّة واحدة عظيمة؟

هذه الأحداث يربط بينها خيط موحِّد، أعني هذه الأحداث إن هي إلّا قصة الله مع الناس. استمعنا إلى رواية الخلق (في القراءة الأولى)، لـمَّا بدأ كلّ شيء، حيث الله، لأنّه يحبّ، فتح طريقًا في المكان وفي الزمان، وألقى فيها كلماته، فخُلِق كلُّ شيء.

هناك طريق واحدة لنقدر أن ندخل في هذا التاريخ وهي الطاعة والثقة الكاملة (القراءة الثانية). وإن دخلنا من هذا الباب، كلُّ ما يمكن أن نفقده سنجد بدله مئة ضعف. الحبّ ينظر إلى فوق، إلى أسمى عُلُوّ.

طريق الحبّ يمرّ بالمستحيل (القراءة الثالثة): أمر واحد لا يقبله الله من شعبه، أن يستقرَّ في العبوديّة. ولهذا ينزل ويصبح رفيقًا له في مسيرته، وإذّاك كلّ مستحيلٍ يصبح طريقًا.

كلّ قصة حبّ تعرف زمن الأزمات: إسرائيل يقع أكثر من مرة بسبب خيانته (القراءة الرابعة) ولكن الله لا يتعب، ولا يتركه للأبد. عندما نكون نحن بعيدين، ينادينا هو بأجمل مواقف الحبّ: “وَإِن ابتَعَدَتْ الجِبَالُ وَتَزَعزَعَتْ التِّلَالُ، فَإِنَّ رَأفَتِي لَن تَبتَعِدَ عَنكَ، وَعَهدُ سَلَامِي لَن يَتَزَعزَعَ، يَقُولُ الرَّبُّ رَاحِمُكَ” (أشعيا ٥٤: ١٠).

طريق الحبّ تعرف طرقًا مختلفة، طرقًا لا نتوقَّعها. أفكار الله ليست أفكارنا (القراءة الخامسة). هو يذهب بعيدًا، ويدعو حتى الغريب والمختلف والبعيد. حبُّه للجميع.

ثم، الحبّ يسرُّه أن يشارك في الذوق والرغبات: لهذا يعطي الله شريعته لإسرائيل، يفتح كنوزه، حتى يعرف إسرائيل ماذا يوجد في قلب الله (القراءة السادسة).

ولكن في الأخير، لا يكتفي الله بأن يعطينا الشريعة. فيبشِّر النبيّ بأيّام سيعطينا الله فيها كلّ شيء، سيعطينا روحه (القراءة السابعة).

إلى هنا طريق الحبّ، فيها الرغبة الشديدة إلى الله.

إلى هذا الحدّ يبلِّغنا العهد القديم، أن نعرف أنّنا بحاجة إلى الروح لنقدر أن نعيش في شركة مع الله. وأمّا أن نعيش وحدنا فهو أمرٌ مستحيل.

استمعنا إلى هذا التاريخ الطويل. ولم نجد بعد الأجوبة على اسئلتنا. فهمنا أنّ الله لا يترك أحدًا وأنّه يظلُّ أمينا، وهو يفتح دائمًا طرقًا جديدة. ولكنّ هذا كلّه لا يكفي، إن بقي الإنسان عاجزًا عن أن يستقبل ويتذوَّق هذه الهبة العظيمة.

كيف يمكننا أن نعيش؟

هذه القصّة وهذا التاريخ، يبدو وكأنّه يتوقَف في السرّ نفسه الذي احتفلنا به، في هذه الأيّام الماضية. ففي مواجهة تقدمة حبّ جديدة ونهائيّة من قبل الله، قال الإنسان لله مرّة أخرى: لا، وصلب الابن الحبيب، الوارث. كان يمكن أن تكون هذه المأساة آخر التاريخ حيث الظلام يبدو شاملًا. ومع ذلك السهرة الفصحيّة تجعلنا نرى مبادرة من الله لا نتوقّعها.

تكملة القصة هي الإفخارستيا التي نحتفل بها الآن.                             

لماذا؟

لأنّه، في الإفخارستيا، تعطى لنا حياة القائم من بين الأموات. نحن نتغذّى بحياة جديدة، تجاوزت الموت من قبل، ومن ثم لا خوف من الموت بعد الآن. حياة لا تخاف أن تموت بعد، ولا تخاف أن تحبّ، وتعرف أن تستقبل هبة الحبّ من غير خوف، لا تخاف أن تفقد ذاتها.

دخل الربّ في الموت، دخل في رفضنا إذ قلنا له: لا، دخل في خطيئتنا. ولكنّه دخل مليئًا بالحبّ، ولهذا لم يبقَ سجينًا في الموت بل خرج منه حيًّا. وليس هذا كلّ شيء. الحياة الجديدة ليست حياته فقط. بل، أعطيت لنا بصورة كاملة، في الروح، بالإيمان والمعمودية، فيها متنا ومعه قمنا.

لهذا، في قرون الكنيسة الأولى، كانوا يحتفلون بالعمادات فقط في أثناء السهرة الفصحيّة. ولهذا نحن نحتفل في هذه الليلة بذكرى معموديتنا. لأنّ الحدث الرئيسي في حياتنا هو المرور الذي أدخلنا، بالإيمان وحده، في حياة الله نفسها، والذي يسمح لنا أن نحتفل بالإفخارستيا التي مُنِحَت لنا من قبل وإليها نسير، حتى تصير فينا حياة فائضة. الإفخارستيا هي هذا العبور الدائم نحو حياة جديدة، حياة الله فينا. هي فصح دائم.

إذًا الجواب الوحيد الممكن على كلّ أسئلتنا لا يمكن أن يكون إلّا حياة جديدة، تستوعب كلّ الشرّ، كلّ الألم، كلّ الخطيئة، ثمّ تستمرّ في الحياة، وتُغمَرُ في حياة المسيح، التي هي حياة شركة كاملة شاملة. فاضت فينا حياة المسيح  وغمرت كلّ شيء، ففقد الموت قوته، ولا يمكنه بعد الآن أن يبعدنا عن الله: نقدر أن نستمرّ في الحياة بحياته.

وبهذا يتحقَّق الوعد الذي بشَّرنا به النبي حزقيال، في القراءة السابعة في هذه الليلة: “وَأُعطِيكُم قَلبًا جَدِيدًا، وَأَجعَلُ فِي أَحشَائِكُم رُوحًا جَدِيدًا، وَأَنزِعُ مِن لَحمِكُم قَلبَ الحَجَر وَأُعطِيكُم قَلبًا مِن لَحم. وَأَجعَلُ رُوحِي فِي أَحشَائِكُم….” (حزقيال ٣٦: ٢٦–٢٧).

كلّ هذا تمَّ في المسيح. كلّ هذا أصبحنا قادرين أن نعيشه ونحتفل به.

ليمنحنا الله أن نحتفل به في حياتنا.

المسيح قام، حقًّا قام. هللويا.

Print Friendly, PDF & Email