وداع المطران هيلاريون كبوتشي بمراسم جنائزية رسمية وبحضور جماهيري كبير

ودعت طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان وفلسطين والعالم العربي بالامس، النائب البطريركي العام في القدس وفلسطين المطران هيلاريون كبوجي في جنازة رسمية حاشدة في كنيسة سيدة البشارة البطريركية بمدينة الربوة اللبنانية، برئاسة بطريرك انطاكيا والاسكندرية واورشليم للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، وعدد من مطارنة الطائفة والكهنة، في حضور ممثل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وزير العدل سليم جريصاتي، ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب ميشال موسى، ممثل الرئيس السوري بشار الاسد السفير السوري علي عبد الكريم علي، ممثل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” عزام الاحمد، الرئيس ميشال سليمان، ممثل الرئيس نجيب ميقاتي الوزير السابق نقولا نحاس، ممثل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المطران سمير مظلوم، بطريرك السريان الكاثوليك اغناطيوس الثالث يونان، السفير البابوي غبريالي كاتشا، سفيري فلسطين في لبنان اشرف دبور وفي روما مي كيلي، النائب اميل رحمة، رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي روجيه نسناس، الوزيرين السابقين بشارة مرهج والياس حنا، أعضاء من المجلس الاعلى للطائفة، ممثلين لقادة الاجهزة الامنية وشخصيات سياسية وحزبية وروحية، رئيس رابطة الروم الكاثوليك مارون ابو رجيلي، المنسق العام ل”تجمع اللجان والروابط الشعبية” معن بشور على رأس وفد، ووفد فلسطيني ضم عضو اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس د.رمزي خوري، ومدير عام اللجنة السيدة أميرة حنانيا، وعضو اللجنة ورئيس بلدية رام الله موسى حديد،بالإضافة الى العديد من الشخصيات السياسية والاجتماعية ومنهم: فاروق القدومي، سمير رفاعي، فتحي ابو عردات، انور عبد الهادي، فتحي الرادم، اعضاء “لجنة مبادرة كسر الحصار على غزة” هاني سليمان ونبيل حلاق وحسين شكر (ابو محمد)، رئيس “المنتدى القومي العربي” في الشمال فيصل درنيقة ونائبه يقظان القاوقجي، عضوي “ملتقى بيروت الاهلي” وجيه جمال واحمد يونس، مساعدة الامين العام ل”المؤتمر القومي العربي” رحاب مكحل ممثلة الامين العام الدكتور زياد حافظ، المدير التنفيذي ل”المؤتمر القومي – الاسلامي” الدكتور اسامة محيو ممثلا المنسق العام للمؤتمر خالد السفياني، وفد من الفصائل الفلسطينية وعائلة الراحل.

وبعد الصلاة، ألقى البطريرك لحام كلمة جاء فيها: “نجتمع معا في هذه الصلاة الجنائزية الخاشعة لكي نودع معًا فقيدنا الغالي المثلث الرحمة المطران إيلاريون كبوجي، النائب البطريركي العام ومطران القدس. إنه فقيد حلب الشهيدة المنتصرة. وهو فقيد الرهبانية الحلبية المباركة. وفقيد كنيسة بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك. وفقيد القدس عاصمة إيماننا. وفقيد فلسطين. وفقيد المقاومة والحرية والكرامة.
وهو أخي. وقد جاهدنا معا في فلسطين منذ عام 1974. فكان هو في سجن الشهامة والإباء والعزة، وأنا كنت أسير بهدي إيمانه وقوة معنوياته. وأكملت عمله في تزيين الكاتدرائية في القدس وإعادة تأهيل وتطوير الدار البطريركية بالقدس. كما كنت أتابع رسالته في المحاضرات شبه اليومية التي كنت من خلالها ألتقي بالحجاج من أقطار العالم. وأكلمهم عن شخصية المطران كبوجي ومعنى وأهمية وفرادة التزامه القضية الفلسطينية العالمية. وما قاساه ويقاسيه في سبيلها. وأحسب نفسي من خريجي مدرسة المطران كبوجي.

فقيدنا من مواليد حلب الشهباء 2/3/1922. وهو راهب من الرهبانية الباسيلية الحلبية. رسم كاهنا عام 1947 وكان رئيس الرهبانية الباسيلية الحلبية (في الأعوام 1962-1965). وبهذه الصفة شارك في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965). وهو المطران الأخير بين مطارنة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك الذين شاركوا في المجمع المذكور. رسم مطرانا عام 1965 عن يد المثلث الرحمة البطريرك مكسيموس الرابع الصائغ، وساعده في الرسامة الأسقفية المثلث الرحمة المطران جاورجيوس حكيم مطران حيفا والناصرة وسائر الجليل، لاحقا البطريرك مكسيموس الخامس. وقد عينه نائبا بطريركي عاما في القدس الشريف خلفًا للمثلث الرحمة المطران جبرائيل أبو سعدى عام 1965. وفي شهر آب 1974 اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي وسجن وحكم عليه بالسجن اثنتي عشرة سنة. قضى منها في السجون الإسرائيلية في زنزانة ضيقة منفردة ثلاث سنوات. وعلى أثر وساطة المثلث الرحمة البابا بولس السادس ورؤساء الكنائس في القدس خرج من السجن في 6 تشرين الثاني 1977 وكنت في استقباله في مطار روما. وعينه على الأثر المثلث الرحمة البطريرك مكسيموس الخامس زائرا رسوليا على الروم الكاثوليك في أوروبا الغربية حتى عام 1999. كما أنه بقي في وظيفته نائبا بطريركيا للقدس. وقد قررت أن يبقى نائبا بطريركيا للقدس مدى الحياة ولا يخضع لنظام الإستقالة المفروضة على المطارنة لدى بلوغهم السن الخامسة والسبعين. وقد طلبت من المثلث الرحمة غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم أن يؤخر رسامتي مطرانا سبع سنوات احتراما لأخي وصديقي المطران كبوجي.

وبعد نفيه من القدس، بقي في المنفى في روما. ولم يزر البلاد العربية إلا بعد انقضاء مدة محكوميته 12 سنة، عام 1986. وكانت أول زيارة له لسوريا حيث استقبل استقبال الأبطال.

أيها الأحباء، هذه هي نبذة من حياة فقيدنا الغالي:
المطران إيلاريون راهب حلبي. والراهب ينذر حياته كلها للرب من خلال نذوره الثلاثة. وفقيدنا كان نذره الآخر الوحيد الكبير فلسطين. فمنذ أن عين نائبًا بطريركيًا في القدس عام 1965، أصبح رمزاً للقضية الفلسطينية. ونذر حياته لخدمة الفلسطينيين في الوطن وفي أمكنة نزوحهم في البلاد العربية وفي العالم أجمع. وأصبحت قضية فلسطين قضيته. وقد أعلن في خطابه الشهير في مدرسة الروم الكاثوليك في بيت حننيا أن أرض فلسطين هي الأم لكل أبنائها. وقد ألهب هذا الإعلان مشاعر الفلسطينيين. وبدأت المناورات لأجل القبض عليه وسجنه، حيث تم ذلك أولاً صبيحة اليوم الثامن من آب 1974، ثم نهائيا يوم 19 آب 1974. ثم جرت محاكمته في القدس وحكم عليه بالسجن اثنتي عشرة سنة.

إن فقيدنا هو حقا بطل القضية الفلسطينية. وبقى يدافع عنها حتى آخر رمقٍ من حياته. وبقي يلقي المحاضرات متنقلاً في بلدانٍ كثيرةٍ عربيةٍ وأوروبيةٍ يحمل علم القضية وحقوق أبنائه الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، بكل جرأة واعتزازٍ وبفصاحته المشهورة بالعربية والفرنسية.

وكم كان يردد رغبته في العودة إلى فلسطين ليلتقي بأبنائه الفلسطينيين، ليكون قريبا إليهم ويشاركهم في آلامهم ومعاناتهم. وكم بذل من الجهود لأجل تأمين المساعدات على أنواعها لدعم المؤسسات الفلسطينية، ولا سيما الاجتماعية في القدس والضفة الغربية.
وأصبح رمزا للقضية الفلسطينية وعلما خفاقا لها. وقد حاولت إبان خدمتي في القدس، أن أرتب له زيارة للقدس حبيبته، ولكن من دون جدوى. وقد سمح للكثيرين من المناضلين أن يعودوا إلى القدس، ولكن ليس له، لأن عودته تعني الكثير الكثير محليا وعالميا.

إن نضال فقيدنا الغالي المطران إيلاريون وجهاده وتضحيات فخر لفلسطين ولسوريا وطنه وللبلاد العربية. وفخر لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك. ولا بد لنا ونحن نودع هذا المجاهد الكبير أن نذكر مطرانين سبقاه في الدفاع عن القضية الفلسطينية: المثلث الرحمة المطران غريغوريوس حجار (1901-1940) مطران عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل الذي استشهد في ظروف غامضة عند عودته من القدس إلى حيفا بعدما شارك في مؤتمرٍ لدعم القضية الفلسطينية؛ والمثلث الرحمة المطران جبرائيل أبو سعدى ابن بيت ساحور (قرب بيت لحم) النائب البطريركي العام في القدس (1946-1965). لا بل نقول إن الدفاع عن القضية الفلسطينية هو من تراث كنيسة الروم الكاثوليك. وقد تميز الكثير من أساقفتها بدعم القضية الفلسطينية والقضايا العربية عموما. لا بل إن الكنيسة الكاثوليكية ولا سيما بشخص البابوات هي الاكثر دعما وإخلاصا للقضية الفلسطينية، وأعتبر البابا فرنسيس أن العدالة للفلسطينيين مفتاح السلام (عمان – 24 أيار 2014). 

وكان فقيدنا الراهب الحلبي والمطران المناضل، رجل صلاة وروحانية راسخة. ودخل الزنزانة المنفردة يوم الأحد 26 كانون الثاني 1975. وفيها سرير وطاولة صغيرة عليها الإنجيل المقدس والكأس والصينية. وكان يحتفل بالقداس الإلهي يوميا ويقيم الصلوات الطقسية ويطالع في ما تيسر له من الكتب. ولا أزال احتفظ بالورقة حيث التوقيت اليومي الدقيق الذي ينظم بدقة ساعات نهوضه وصلواته وكل تفاصيل حياته. ومن هذه الزنزانة كان يتواصل مع رؤساء الدول العربية بطريقة بقيت خافية على مدير السجن!
زياراتي شبه الأسبوعية له في زنزانته كانت تدوم بين الساعتين والثلاث ساعات. وكانت جلساته دورات ودروسا في الروحانية الإنجيلية والوطنية والقومية والتقوى والصبر والتسليم لإرادة المخلص السيد المسيح، والثقة بالله. وكانت كلمته المأثورة: الله يمهل ولا يهمل. وكان هو يشجعنا ويشحننا بالمعنويات العالية. وكان زواره محليين وعالميين، رجال دين وسواهم، يخرجون منذهلين من قوة إيمانه وعزيمته. 

وخرج من سجنه بكامل ثيابه الأسقفية وقبل أرض فلسطين لآخر مرة قبل أن يستقل الطائرة إلى روما يوم السادس من تشرين الثاني 1977. وكان برفقته المثلث الرحمة المطران مكسيموس سلوم والسفير البابوي. وكنت قد سبقته مع غبطة المثلث الرحمة البطريرك مكسيموس الخامس حيث استقبلناه مع الجالية الفلسطينية في مطار روما. 

فقيدنا الغالي هو رجل إيمان وصلاة. وكما قال: إنه سوري المنشأ. فلسطيني الكفاح. عربي الهوية. المطران كبوجي كان سلاحه الصلاة والمعنويات العالية ويمثل الصدق والإخلاص للقضية الفلسطينية. إنه شخصية فلسطينية سورية عربية شاملة. نحتاج إلى كبوجي اليوم كما في الأمس. ونحتاج إلى أمثاله في الدفاع بصدق وإخلاص عن القضية الفلسطينية أم القضايا العربية، لا بل العالمية.

إننا نودع هذا الحبر الجليل مع صلواتنا المقدسة. وهي وصف لحياة وروحانية فقيدنا الغالي الجليل: “مجدْ أيها المخلص في ملكوت السماوات هذا الذي عاش على الأرض كما يليق برؤساء الكهنة بإيمان ورجاء ومحبة. وعبادة مستقيمة. وتجرد واتضاع وغيرة رسولية وسيرة نقية.”
وليكن ذكره مؤبدا، مع محبتي وبركتي، غريغوريوس الثالث بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك”.

برقية البابا
ثم تلا السفير كاتشا نص برقية التعزية من قداسة البابا فرنسيس والتي نقل فيها تعازي البابا الى البطريرك لحام وأبناء طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، سائلا الله ان “يكافئه ويتغمده في احضانه السماوية بنور وسلام”.

طوبجي
ثم كانت كلمة للرئيس العام للرهبانية الباسيلية الحلبية الارشمندريت نجيب طوبجي اعتبر فيها” ان كبوجي هو من اعظم الرجال الذين انجبتهم الانسانية في عصرنا، هو رجل ولكنه فذ بنفسه وقلبه الكبيرين وبأعماله وبعقله الثاقب ،بنشاطه الغريب وباقدامه وجرأته العجيبة”. 

ورأى “ان بموت كبوجي فقدت الكنيسة أبا رؤوفا وقائدا مقداما ومعلما حكيما، كيف لا وقد كان للحق نصيرا وللسلام رسولا وللعدالة والحرية علما وللكنيسة عزا وركنا ومفخرة بفضائله السامية وتفانيه العجيب واعماله الباهرة ومآثره الخالدة”.

واضاف: “كانت جرأته وشجاعته تدفعه الى رفع الصوت عاليا في وجه الاحتلال في سبيل صون القضية الفلسطينية وحماية ابناء فلسطين فكان يحامي عن الضعيف والمظلوم وينتصر للحق ويندد باطماع الاحتلال الغاشم ولم يكن له من وراء ذلك مطلب او مرأب سوى الدفاع عن حقوق الله والزود عن حرية الانسان وكرامته”. 

جريصاتي
والقى جريصاتي كلمة قال فيها: “كلفني فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون تمثيله اليوم في وداع سيادة المطران هيلاريون كبوجي، وطلب الي ان انقل الى غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لحام الكلي الطوبي التعزية الآتي نصها:
“تلقت ببالغ الاسى نبأ وفاة المثلث الرحمة المطران هيلاريون كبوجي مطران القدس في المنفى، وقد نذر عمرا ناهز القرن في النضال من اجل تحرير القدس من الاحتلال الذي اوقعها في ظلم ما عرفته شرائع ارض ولا قبلت به نواميس سماء.

عرفته سند عزم في زمن نحتاج الى رفعة الانتماء الى الحق، فزادتني شهادته للمقدسات استنارة بمثاله.

اليوم في غيابه، يبقى حاجة شرقنا وعالمنا العربي، الى الاخلاص لقيمهما في محيطهما والعالم، وهو اذ انتقل الى سكنى الاحرار في القدس السماوية، أشاطركم واباء كنيستكم وابناءها حزنكم، واتقدم منكم بأحر التعازي، سائلا القدير ان يسكنه فسيح جنانه جاعلا قلوب الجميع تفيض سلاما فيدركوا انه باق معنا”.

وسام رئيس الجمهورية
ثم وضع جريصاتي باسم الرئيس عون وسام الارز الوطني من رتبة كومندور على نعش الراحل، وقال: “تقديرا لنضال المطران كبوجي في سبيل الدفاع عن الحق الفلسطيني في الارض والهوية، منحه فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وسام الارز الوطني من رتبة كومندور وكلفني فشرفني ان اضعه اليوم على نعشه في يوم وداعه، سائلا له الرحمة وللكنيسة ورعاتها ولأبنائها وافراد عائلة المطران الراحل الصبر والعزاء”.

بعد ذلك، نقل الجثمان الى دير المخلص للرهبانية الباسيلية الحلبية في صربا حيث ووري في الثرى في مدافن الرهبان الحلبيين.

لحود ووفد “حزب الله” 
وقبل الصلاة، حضر الرئيس اميل لحود الى الربوة معزيا، وحضر ايضا وفد من من المجلس السياسي ل”حزب الله” ضم المسؤول عن العلاقات مع الأحزاب والقوى الوطنية محمود قماطي، المسؤول عن العلاقات المسيحية محمد الخنسا وسعيد نصر الدين بتقديم واجب العزاء باسم الأمين العام السيد حسن نصرالله وقيادة “حزب الله” والمقاومة.

Print Friendly, PDF & Email