التعليم الديني والتّصرف الأخلاقي

يجري في هذه الايام مؤتمر دولي في لبنان حول التعليم المسيحيّ. ويأتي المؤتمر في إطار وعي المسؤولين من بطاركة وأساقفة وكهنة وعلمانيين ملتزمين للتحديات الحاضرة وليس أقلّها شأنًا الإلحاد واللامبالاة في الشؤون الدينية والاستهتار بالعقيدة والاستخفاف بعقول المؤمنين وتشويه الدين بشكل عام والكنيسة بشكل خصوصيّ. وكان قداسة البابا بندكتوس السادس عشر، مرارًا وتكرارًا، قد فضح “دكتاتوريّة أو طغيان النسبيّة” والمادّيّة الاستهلاكيّة والوثنيّة الجديدة التي تتجاهل الخالق، وبذريعة حبّها للإنسان تنكر وجود الله أو تقلل من شأنه تعالى.

ولعلّ هذا المؤتمر مناسبة لمخاطبة العالم الإسلاميّ أيضًا كي يدرس من حهته، عند قومه، ظاهرة اللامبالاة عند نفر من الناس. ولا يخوض هذا المقال حديثًا في ظواهر أخرى من التّديّن –أو من التّستّر بالدّين– يجيب عليها كلّها باختصار الحديث: “الدين المعاملة”. وفي ذلك اتفاق مع ما ورد في كلام السيد المسيح الذي صدّق التوراة التي كانت بين يديه: “أحبب الرب إلهك بكلّ قلبك … وأحبب قريبك حبّك لنفسك : هذه هي خلاصة الشريعة والأنبياء”.

ليس الدين من نتاج “اللاشعور الفردي والجماعيّ”

في حين يهمل خلق كثير الأدب الديني والكتب الروحانيّة – بحيث تتكدس في مطبعاتنا ومكتباتنا وقد كستها الغبار – ينهمكون في قراءة كتب ومقالات يجدونها أحيانًا على ناصية الطّريق ألّفها كتّاب “عقلانيّون” يحكمون على الديانة بأنها من نسج خيال البشر المريض وكأننا بهم يعيدون موّال:”الدين أفيون الشعوب” أي مخدّرها. وهنا يظهر “الخلل” او “النقص” لا في الديانة نفسها التي هي ويجب أن تكون “عبادة عقلية منطقيّة” (رومية 12 : 1) بل أحيانًا في طريقة تعليمنا لها خصوصًا في المدارس. وكما لحظ المحامي الأمريكي الكاليفرونيّ كارل كيتينغ منذ عقود: “نخاطب العاطفة لا العقل، أو أكثر من مخاطبتنا للعقل. فيأتي قوم –بحسن نيّة أو بخلاف ذلك– ويعترضون على إيماننا، فيسقط لأنه مبني على رمل العاطفة لا على صخر العقل”.

وما كان اللاهوت الكاثوليكي غبيًّا عندما كان، لكلّ عقيدة، يقدّم الدعم الثلاثي أو العماد أو العامود المثلث: “من الكتاب المقدس ومن العقل ومن التقليد”. وعندما أراد معلّمون جدد أن يتخلّوا عن هذا السند الثلاثي مكتفين بالعواطف والتشابيه والأمثلة والخطابات الناريّة – انهارت العقيدة عند تلاميذهم، “إلاّ من رحم الله” بنعمة من عنده تعالى لا بفضلهم!.

وفي هذا السياق العقلاني الإيمانيّ أتى منذ القرن الماضي كتاب “النور البهي” خصوصًا في جزئه الأول -الدرس الثاني “براهين وجود الله”- ليزيد عند الضعفاء والمتشككين نورًا من العقل بسيطًا هو أشبه بنجمة صغيرة مع شمس الوحي والإلهام في الكتاب المقدّس وقمر التقليد الشريف. ويرى المرء بارتياح هذه الأفكار والأساليب النيّرة في منهاج التوجيهي الفلسطيني وهو مسكونيّ بدعم من السلطة الوطنيّة مشكور.

وفي فلسطين بقيت الجهود مستمرّة من غير انقطاع منذ أعيد تأسيس البطريركية اللاتينية بحيث ما خلا زمان ما اهتمّ فيه البطريرك شخصيا وإدارة المدارس بالتعليم المسيحيّ ولجنةة التّربية الدّينيّة. وأثمر هذا الجهد كتيّبات مشوّقة تجمع بين عمق العقيدة والإتقان في التقديم ووسائل الإيضاح. وزخرت الجامعات الكاثوليكية والارثوذكسية بالديار المقدسة وسائر المشرق بكليات اللاهوت والدراسات الدينية لتأهيل المربّين الدينيين.

من أين يأتي هذا اللاوعيّ الغيبيّ الدّينيّ الافتراضيّ؟

نجيب باخنصار من هذا المنبر الأغرّ معشر المشككين في الديانة ككلّ، الذين حكموا عليها بأنها سلسلة اساطير اخترعتها مخيلة البشر نتجت عن “لاشعور غيبيّ فرديّ وجماعيّ”! غريب بل محال أن يطفو على السطح “لاشعور” لا أساس له ولا مبرّر. كيف يأتي من لا شيء؟ وكيف يعمر قلوب الناس –مهما كان قوم منهم أشرارًا– كيف يعمر قلوبهم من غير استثناء في كل شعوب الأرض وكل زمان ومكان “الحس الأخلاقيّ” بتأييد الخير ونبذ الشّرّ والتانيب عليه، مع أنّ النفس البشرية “أمّارة بالسوء” تفضّل ألف مرّة أن تزيل كل شريعة وتخلع كل نير وتمحو كلّ وصيّة؟ وكيف يحلّ الإلحاد معضلة الحياة ولغز الموت، خصوصًا أنّ الإنسان يكره أن يموت ويرفض الفكرة جملة وتفصيلاً؟.

يقرأ المرء في سيرة “ديدرو” صاحب الموسوعة الفرنسي “الملحد” أنه فوجىء يومًا في منزله وهو يلقّن ابنته التعليم المسيحيّ. وعندما سئل عن تصرّفه أجاب: “أمام الناس أحارب الكنيسة وأشكك في الدّيانة، ولكن لي ولأسرتي، لا أفضل من التعليم الديني (المسيحي هنا) لتهذيب الأخلاق وإدراك سرّ الحياة والموت وبناء أسرة سعيدة ومجتمع سليم وعالم عظيم!”.

Print Friendly, PDF & Email