مسيحيو الشرق: عروبة البطريرك صبّاح

من استقراء التاريخ يتبين أن المسيحية العربية والإسلام العربي هما بالتأكيد جناحا العروبة اللذان شكلا معاً حضارة واحدة هي الحضارة العربية. ولطالما كانت العروبة هي طريق التعايش بين الجميع، فلا انفصال ولا تصارع، سواء بالشكل أو المضمون، بل من دون حروب أهلية بسبب العقيدة والدين إلا بتحريض أجنبي من الخارج. وقد كان هذا الأمر جلياً في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين ساهم المسيحيون العرب، بفعالية، في مشروع اليقظة العربية وفي إعادة بعث اللغة العربية فكتبوا فيها وألّفوا، وأنشأوا الأحزاب السياسية والحركات القومية، وأسسوا الأندية والجمعيات والحركات الأدبية والثقافية والدينية.

واليوم، رغم كل ما يحاك من مؤامرات فإن المسيحيين ما زالوا جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية، مشاركون في الهموم مؤكدين صمودهم في نفس الخندق مع المسلمين. ومن أبرز التعبيرات موقفهم الرافض لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، وبخاصة تجاه ما يتعرض له القدس الشريف والمعالم الإسلامية التاريخية. وقد تجلى ذلك مؤخراً بتأكيد رؤساء الكنائس المسيحية بالقدس، خلال زيارة وفد منهم إلى المسجد الأقصى المبارك، «وقوف المسلمين والمسيحيين صفاً واحداً على ثرى فلسطين للدفاع عن الأقصى، الذي يتعرض لانتهاكات متكررة على أيدي المستوطنين الصهاينة، وكل المقدسات المسيحية والإسلامية، وضد تهويد المدينة المقدسة، وتهويد التاريخ والجغرافيا الفلسطينية»، مؤكدين في بيان لاحق على «مسيرة العيش المشترك القائم بين المسلمين والمسيحيين منذ العهدة العمرية إلى اليوم»، ومشددين على «أنهم في المدينة المقدسة لن يرحلوا عن أرضهم أو يتنازلوا عن مقدساتهم»، رغم محاولات تحييدهم وسلب وعيهم القومي والوطني.

وفي هذا السياق، تظهر شخصيات مسيحية لا يمكن تجاهل مواقفها السياسية، تترك بصمات مشرقة، سواء في مسألة القضية الفلسطينية بشكل عام، أو في المسألة المسيحية الإسلامية بشكل خاص. وعلى رأس هؤلاء يأتي الصديق العزيز «البطريرك ميشيل صباح»، حامل بطاقة اللاجئين الفلسطينيين، وصاحب مقولة: «اهدموا كنائسنا بدلا من بيوت أبناء شعبنا. اهدموا كنائسنا وسنجد أماكن نصلي فيها لأجلنا ولأجلكم. أما الناس فاتركوهم في بيوتهم»، وهي الرسالة التي كتبها حين كان بطريرك القدس اللاتين في عام 2001، مخاطباً الاحتلال، وتُرجمت لعشرات اللغات، ووصلت إلى مسامع العالم، في وقت (من عام 2001) كانت تستهدف فيه الكنائس أسوة بالمساجد، وذلك في سياق إحدى أعنف عمليات البطش والقمع الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، والتي وصلت أوجها بحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة، وحصار أكثر من 200 فلسطيني في كنيسة المهد في بيت لحم.

ورغم انتهاء خدمته على رأس البطريركية اللاتينية عام 2008، إلا أن البطريرك صباح لا يزال أحد أكثر الشخصيات المسيحية تأثيراً بمواقفه ونشاطه الوطني. فمثلا نجده يقول في مسألة هدف إسرائيل من محاولات تجنيد مسيحيي فلسطين 48 في جيشها، إن «إحدى وظائف الجيش الإسرائيلي تتمثل في صهر كافة مكونات المجتمع الإسرائيلي غير المتجانسة في بوتقة واحدة، صهيونية الهوية والفكر. ولهذا اندماج العربي في الجيش الإسرائيلي يعني سلبه وعيه القومي، وهذا ما يراد للمواطنين العرب في إسرائيل: أن يتخلوا عن عروبتهم ويندمجوا في مجتمع صهيوني بعيد عن قيمهم العربية والدينية، ويصبح العربي كائناً معزولا عن بيئته المباشرة وتقاليده وعن تاريخه وتراثه، ويصبح فرداً مستهلكاً في مجتمع استهلاكي، يبحث عن عيش سهل ولا قضية له فيه، لا قضية حاضرة ولا ماضياً يسترشد به، ولا مستقبل يفكر فيه بجدية. والجيش وسيلة مهمة ورئيسية لهذا التحوُّل والذوبان في شخصية الإنسان وهو لا يدري».

ويتابع «البطريرك صباح»، ببلاغة يجب تظهيرها والتعلم منها: «هناك ظروف اجتماعية واقتصادية ناتجة عن التمييز العنصري الصهيوني ضد العرب، وهي نفسها للجميع.. إن مواجهة الظروف الاجتماعية للعرب في إسرائيل هي مسؤولية القيادات السياسية والروحية لهم، نحن ككنائس مسيحية علينا مسؤولية، ونؤديها بأقصى ما نستطيع من خلال تعزيز صمود أبناء شعبنا، من مسلمين ومسيحيين، بما نوفره من خدمات اجتماعية، خاصة في التعليم والصحة والإسكان، ومن خلال تنمية روح التعايش والوحدة بين المسيحيين والمسلمين، وثقافة التمسك والصمود في الأرض، في مدارسنا المسيحية. المساجد والمسؤولون الروحيون الإسلاميون عليهم مسؤولية أيضاً، لكن مسؤوليتنا كقيادات روحية تبقى في حدود المجال الاجتماعي والتربوي. أما مسؤولية التوعية السياسية فتقع بالدرجة الأولى على الأحزاب العربية في إسرائيل، بجميع توجهاتها. فهي من عليها أن تنمي الوعي الوطني والسياسي لأبناء الشعب الفلسطيني في الداخل، وتنمية الوعي السياسي الصحيح لديهم. للأسف، الكثير من هذه الأحزاب لا تقوم بدورها، وتتحول إلى طوائف متناحرة، الأمر الذي يضعف المجتمع العربي ككل».

ما يشرح القلب في حديث البطريرك صباح تناوله المسألة الطائفية، حيث يقول: «الدين نهج حياة قائم على عبادة الله من جهة، وتكريم ومحبة كل خلق الله من جهة أخرى. الطائفة هي بالأحرى مجموعة بشرية منغلقة على ذاتها، تدافع عن مصالحها ومصالح أفرادها، والدفاع عن المصالح يصبح مخاصمة للآخر الذي يُرَى مثل عدوّ فعلي أو محتمل. ومن هنا عندما نقول (روح طائفية) نقول روح مخاصمة وتفتيت بين الناس». ثم يختم توصيفه التحليلي: «الطائفية هي رفض للآخر والانغلاق على الذات في وجه الآخر. الدين هو عامل محبة وتسامح، أما الطائفية فعامل فتنة وصراع».

ما يوحد المسلمين والمسيحيين جميعاً هو الانتماء للحضارة العربية، ثقافة وهوية وأصالة، فلغتنا لغة واحدة وأمتنا أمة واحدة. ولطالما كانت وحدة الشعب الوطنية ضرورة لتجاوز أي محنة. والوحدة ليست شعاراً نتغنى به بل هي مشروع وطني من الدرجة الأولى، فلا مجال لاستغلال الدين لأهداف لا دينية، وإنما العمل على إرساء ثقافة التسامح والمحبة والأخوة ما بين الناس. وبقدر ما يعتز المرء ويتمسك بهويته الدينية، عليه أن يفاخر بحضارته وبقوميته العربية.

نشر بتاريخ: 11/11/2013

Print Friendly, PDF & Email