فلسطين والقضاء الجنائي الدولي

كثر الحديث مؤخراً عن ضرورة اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين عما اقترفوه من جرائم في غزة. وأصبح الكثير من رجال السياسة يتحدثون عن هذه المحكمة وضرورة التوقيع على “نظام روما” لتتمكن فلسطين من ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، حتى وصل الأمر إلى التشنج في الطرح ومحاولة استغلال الموضوع لتسجيل مواقف سياسية بعيدة كل البعد عن مكونات القضاء الجنائي الدولي، حتى أن البعض بدأ يفسر ميثاق روما دون أن يقرأه أو يعرف كيف تعمل المحكمة الجنائية الدولية. وضمن اتساع رقعة الحديث عن هذا الموضوع، أخذ رجل الشارع العادي يردد ما يقوله رجال السياسة في مزايداتهم، دون علم أو دراية بما تعنيه قضية اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولتوضيح الأمور علينا أن نسأل أولاً، هل سنتمكن من ملاحقة إسرائيل قضائياً بمجرد أن نوقع على “نظام روما” الذي يؤسس لعمل المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل سنتمكن من ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين بمجرد تقديم شكوى إلى هذه المحكمة؟ وبالأساس ما هي هذه المحكمة؟ وما هي صلاحياتها ومتى يمكن أن تتدخل لملاحقة مجرمي الحرب ومقترفي الجرائم الدولية؟

ولنبدأ علينا أن نقول بأن الحديث عن قرب اللجوء إلى هذه المحكمة وبأن فلسطين تقدمت بشكوى هو مجرد حديث سياسي لا يمت بصلة لواقع عمل هذه المحكمة؛ فالمحكمة ليست هيئة دولية تتلقى الشكاوي، إذ أن هذه مهمة الأمم المتحدة بمؤسساتها المختلفة. المحكمة تقيم دعاوي قضائية ضمن صلاحياتها المحدودة بهذا الخصوص، وليس شكاوى كما روج البعض بأن فلسطين قدمت شكوى ثم سحبتها، ثم قام بعض المسؤولين الفلسطينيين بتكذيب خبر سحب الشكوى، وكأن الشكوى قدمت من الأصل!!!

ولتوضيح الأمور علينا أن نفهم بأن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة مختصة بالقضاء الجنائي الدولي كقضاء تكميلي للقضاء الوطني؛ أي أن المحكمة تتدخل لملاحقة مقترفي الجرائم الدوليين فقط عندما لا يقوم القضاء الوطني بمهمته لملاحقة هؤلاء المجرمين، وهذا يكون في ثلاث حالات محددة في أحكام المادة (17) من نظام روما:

أولاً، عندما تنهار مؤسسات الدولة ولا يعود القضاء الوطني قادراً على القيام بدوره الطبيعي، كما يحدث اليوم في الصومال مثلاً، أو كما حصل في رواندا ويوغسلافيا السابقة، حيث تشكلت لكل منهما محكمة جنائية دولية خاصة بهما قبل قيام المحكمة الجنائية الدولية التي تاسست بناءً على “نظام روما”.

ثانيا، عندما لا تتمكن الدولة من ملاحقة هؤلاء المجرمين لأن نظامها القضائي لا يشمل تجريم مثل هذه القضايا، فتطلب المساعدة الدولية لتكميل قضائها بخبرات وحتى أحكام قانونية تستند إلى القضاء الجنائي الدولي، وهذا حصل في كل من تيمور الشرقية وسيراليون وكمبوديا، حيث طلبت هذه الدول من الأمم المتحدة مساعدتها لتحقيق العدل، فتشكلت محاكم “وطنية مدولة”، أي أن الأساس هو وجود محاكم وطنية تم دعمها ببعض الخبراء وحتى المال دولياً لتقوم بواجبها.

وثالثاً، عندما تتخاذل الدولة أو تماطل بملاحقة المجرمين من مواطنيها والذين اقترفوا جرائم دولية؛ عندها تتدخل المحكمة الجنائية الدولية بشكل مباشر لملاحقة هؤلاء المجرمين ومحاسبتهم ومعاقبتهم. وأشهر الحالات في هذا المجال هي الحالة السودانية، حيث طلبت المحكمة من الحكومة السودانية محاسبة مقترفي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في دارفور، فجاء الرد السوداني خجولاً جداً بمحاكمة 13 حالة على جرائم بسيطة مثل السرقة، فحددت المحكمة الجنائية الدولية اشخاصاً بعينهم وطلبت محاكمتهم، ولكن الحكومة السودانية رفضت، فاعتبرت المحكمة بأن السلطة السودانية متواطئة في اقتراف هذه الجرائم، فوضعت قائمة باسماء الأشخاص المطلوبين لللمحكمة، وعلى رأسهم عمر البشير رئيس الدولة السودانية.

وهنا نأتي إلى السؤال التالي: ما هي صلاحية المحكمة؟ ومن يتم المثول أمامها. المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة جنائية كباقي المحاكم الجنائية، اي أنها تلاحق مقترفي الجرائم من الأفراد الطبيعيين، حيث أن القضاء الجنائي الدولي غير مختص بمحاكمة الدول كشخصيات اعتبارية، وهو قد يقوم بذلك ضمن عمله في ملاحقة الأشخاص الطبيعيين، وذلك لفرض تعويضات من الدولة التي قام أفرادها باقتراف جرائم دولية، وتكون التعويضات لصالح الضحايا. وهنا يأتي المبدأ الأساسي لعمل المحكمة، إذ أنها تلاحق مقترفي الجرائم الدولية بالأساس، مع صلاحيتها بملاحقة الدول فقط لغرض فرض التعويضات، إذ لا يمكن ملاحقة الدولة جنائياً وفرض العقويات الجنائية عليها، كسجنها مثلاً، لأن الدولية شخصية اعتبارية وليست شخصاً طبيعياً، وبالتالي فإن من تتم ملاحقتهم هم الأشخاص الطبيعيين الذين اقترفوا الجرائم ويمكن ملاحقتهم ومحاسبتهم وفرض العقوبات عليهم، ومنها السجن في سجن المحكمة في لاهاي.

والمبدأ الثاني في القضاء الجنائي الدولي أن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، أي أن هذه الجرائم يمكن ملاحقة مقترفيها طالما هم على قيد الحياة، دون إمكانية سقوط الدعاوى ضدهم مع مرور الزمن بحجة التقادم، كما يحصل عادة في الجرائم التي تنظر فيها المحاكم الوطنية؛ وهذا الأمر وارد في اتفاقية دولية هي “اتفاقية عدم تقادم الحرب والجرائم ضد الإنسانية” لسنة 1968، والتي دخلت حيز النفاذ سنة 1970. ورغم أن هذه الاتفاقية أقرت بالأساس لملاحقة مجرمي الحرب في الحرب العالمية الثانية، والذين اقترفوا جرائم ضد اليهود أساساً، إلا أن إسرائيل لم تصادق عليها حتى الآن. وفي سنة 1973 تم إقرار “مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”، والتي تفرض على الدول تسليم المجرمين المطلوبين بغض النظر عن مكانتهم السياسية، حيث لا يتمتع أحد بالحصانة أمام القضاء الجنائي الدولي، من رئيس الدولة إلى أصغر جندي.

والمبدأ الثالث لعمل القضاء الدولي هو أن هذا القضاء يعمل باستمرار حتى لا يفلت أي مجرم من العقاب، أي أن القضاء الجنائي الدولي يعمل لملاحقة المسؤولين عن اقتراف الجرائم الدولية مهما كان وضعهم، بدون أن يسمح للمجرمين من الإفلات من العقاب بأي عذر أو حجة. وهنا علينا التركيز على أن هذا المبدأ يقوم على ركنين، أولهما أن القضاء الجنائي الدولي ينظر بالقضايا التي تعتبر الانتهاكات فيها جسيمة، إذ أن المحكمة لا وقت لديها ولا أمكانيات للنظر في كل القضايا ضد كل الأشخاص الذين اقترفوا جرائم دولية، وبالتالي يتم التركيز فقط على الاقترافات الجسيمة، مع ترك أمر الاقترافات الصغيرة لأمر المحاكم الوطنية. أما الركن الثاني فهو أن لا أحد يفلت من الملاحقة أو العقاب، أي أن الذين تتم ملاحقتهم جنائياً هم طيف واسع من الأشخاص، بدأَ من مقترفي الجرائم بشكل فعلي، إلى الذين أصدروا الأوامر للتنفيذ، إلى الذين وافقوا على اقتراف هذه الجرائم في المستوى السياسي، إلى الذين عرفوا بأمر هذه الجرائم على المستوى السياسي وسكتوا عنها.

ولا يمكن التعذر بأن العمل جاء لتنفيذ أوامر، أو بأن السكوت جاء لأنه لم يكن من الممكن فعل شيئ. ولذا يلاحق القضاء الجنائي الدولي كبار المسؤولين السياسيين بالأساس، بالإضافة إلى كبار المسؤولين العسكريين، لأن هؤلاء أصدروا التعليمات والأوامر ووافقوا على اقتراف الجرائم أو سكتوا عن اقترافها.

والجرائم الدولية التي من صلاحية المحكمة النظر فيها حالياً هي ثلاثة أنواع من الجرائم: جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، رغم أن صلاحية المحكمة أن تنظر في جرائم العدوان أيضاً، ولكن لم يتم الاتفاق بعد على أركان هذه الجرائم بشكل واضح، مما لا يسمح بعد بأن تنظر المحكمة بهذا النوع من الجرائم. ولإثبات أية جريمة يجب توفر أركان مادية وأركان معنوية. والأركان المادية تشمل ما يمكن رؤيته ولمسه من وقائع على اقتراف الجريمة، ومنها وجود الضحايا البشريين، والدمار والقصف لمراكز الإيواء وغيرها. أما الأركان المعنوية فتختلف من نوع إلى آخر. وتعتبر جريمة الإبادة الجماعية (أو جريمة إبادة الجنس) أفظع الجرائم، ويتطلب إثبات اقترافها توفر ثلاث أركان معنوية هي: أولاً وجود منهجية منظمة من قبل الدولة أو الجماعة لاقتراف هذه الجرائم، ثانيا اقتراف الجرائم تطبيقاً لهذه المنهجية المنظمة، وثالثاُ علم الشخص الذي يقترف الجرائم بأنه يقوم بذلك لتنفيذ هذه المنهجية. ولأن أثبات الأركان المعنوية الثلاث يعتبر أمراً صعباً، فإن اتجاه القضاء الجنائي الدولي يفضل النظر بالنوعين الآخرين من الجرائم، حيث يتطلب إثبات الجرائم ضد الإنسانية وجود ركنين معنويين، هما المنهجية والتنفيذ طبقاً لهذه المنهجية، أما جرائم الحرب فهي بحاجة إثبات ركن واحد هو التنفيذ بعلم اقتراف جريمة حرب، أي القصد الجرمي لمقترفها بالأساس، ولذا تعتبر جرائم الحرب أدنى مستوى من الجرائم ضد الإنسانية، وتكون أحكامها في القضاء الجنائي الدولي أدنى من أحكام الجرائم ضد الإنسانية.

ميثاق روما

وعند الحديث عن ضرورة الانضمام إلى “نظام روما” وهل يمكننا بواسطته أن نلاحق مجرمي الحرب اسرائيليين، نسأل وما هي الحالات التي يمكن للمحكمة النظر فيها بقضايا من صلاحياتها؟ علينا في البداية أن نوضح بأن المحكمة لا تنظر إلا في القضايا التي اقترفت فيها الجرائم بعد دخول نظام روما حيز النفاذ، أي بعد سنة 2002. كما أنها لا تنظر بطلبات الدول للنظر في قضايا، إلا بتلك التي حصلت بعد انضمام الدولة لنظام روما. أي أننا لو قمنا بالانضمام لنظام روما اليوم، فإننا لا يمكن أن نقدم طلباً للنظر في دعوى أمام المحكمة إلا للجرائم التي تقترف بعد انضمامنا للنظام، وذلك طبقاً لأحكام المادة (11) من النظام. والانضمام لأية اتفاقية دولية يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد التوقيع عليها، إذ أن الانضمام يحتاج إلى ثلاث خطوات، أولاً التوقيع على الاتفاقية، ثانيا التصديق عليها طبقاً لأنظمة التصديق المعمولة في تلك الدولة، وثالثاً الإيداع لدى جهة الاختصاص، وهذا يحتاج إلى وقت ما بين التصديق بعد التوقيع، ثم الإيداع لدى سكرتاريا المحكمة.

النظر في الدعاوى

أما بخصوص قبول النظر في أية دعوى فإن المحكمة طبقاً لأحكام المادة (13) من نظام روما تنظر بالقضايا في ثلاث حالات:

أولاً، إذا طلبت منها دولة عضو النظر بقضية ضد أفراد من دولة أخرى.

ثانيا، إذا إحيلت لها القضية من مجلس الأمن.

ثالثاً، إذا ما توفر للمدعي العام الدولي ما يمكًنه من رفع دعوى، وبناء على التحقيقات التي يقوم بها هو.

وفي البدء علينا التنويه بأن نظام روما هو اتفاقية دولية ملزمة لكل الدولة التي انضمت إليها. والاتفاقيات الدولية بشكل عام لا تنطبق على الدول التي لم تنضم إليها، واسرائيل من الدول لم تنضم لنظام روما، فبعد أن كانت قد وقعت على الاتفاقية بشكل مبدئي وعلى مضض سنة 1998، إلا أنها سحبت توقيعها ولم تصادق عليها بعد أن أعلنت الولايات المتحدة سحب توقيعها سنة 2002. ولهذا يمكن لإسرائيل أن تدعي بأن نظام روما لا ينطبق عليها، حيث أن أحكام المادة (12) من النظام يلفها الغموض حول ملاحقة أفراد من دول ليست عضواً في النظام.

وعلى المدعي العام الدولي أن يحدد بقرار من المحكمة بأن من صلاحياته النظر في قضية تخص جرائم اقترفها أفراد من دولة ليست عضواً في نظام روما. وهنا نرى أن التقدم بطلب من فلسطين لتحريك دعوى ضد إسرائيليين هو أمر عسير ويكتنفه الغموض والتعقيد.

وفي الحالة الثانية لقبول الدعوى، أي بطلب من مجلس الأمن، فإن الأمر مستحيل كما نعلم، نظراً للحماية التي تتمتع بها إسرائيل تحت مظلة الفيتو الأمريكي. ولكن يمكن تجنب هذا الأمر بأن نتقدم إلى الجمعية العامة بطلب لتحويل القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد فشل مجلس الأمن باتخاذ قرار بخصوصها، وذلك تحت مبدأ “الاتحاد من أجل السلام”، وهو المبدأ الذي اقر بطلب الولايات المتحدة سنة 1950، ليمكّن الجمعية العامة من اتخاذ قرارات ملزمة عندما يفشل مجلس الأمن في فعل ذلك، من أجل تحقيق السلم في العالم.

وقد احتاجت الولايات المتحدة آنذاك لمثل هذا القرار لتتمكن من التدخل في كوريا باسم الأمم المتحدة بعد أن فشل مجلس الأمن في اتخاذ أي قرار يمنع تمدد كوريا الشمالية على حساب الجنوب. وهذا القرار يعني أن باستطاعة الفلسطينيين التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة إذا لم تتمكن من اتخاذ قرار في مجلس الأمن من أجل تحويل الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكن الأمر معقد أيضاً ويحتاج إلى جهود دبلوماسية واسعة، بما فيها دمج كامل من قبل الدول العربية والمجموعة الإسلامية ومجموعة دول عدم الانحياز، فهل نستطيع الاعتماد على الدعم العربي في هذا المجال، أم أننا سنواجه الخذلان كما حصل أثناء العدوان على غزة؟؟

الحالة الثالثة

والحل الأمثل بالنسبة لنا هو اللجوء إلى الحالة الثالثة، أي أن يحرك المدعي العام الدعوى بناء على تحقيقاته الخاصة، وما علينا إلا أن نزوده بالمعلومات، بالإضافة إلى تقرير مجلس حقوق الإنسان حول التحقيق فيما اقترفته إسرائيل من جرائم، وهو تقرير سيكون ملزماً للمدعي العام الدولي للنظر فيه والاعتماد عليه لتحريك دعاوى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ضد المسؤولين الإسرائيليين، بدون أن نتمكن من ملاحقة الجنود الذين اقترفوا هذه الجرائم بشكل مباشر، لأن إسرائيل لن تصرح عن أسمائهم.

وإذا أردنا كفلسطينيين أو نتوجه للقضاء الجنائي الدولي، علينا أن نكون جاهزين بالوثائق التي تثبت اقتراف أي من الجرائم الدولية الواردة في “نظام روما”، وهذا يشمل الصور وشهادات الشهود وأسماء وأعداد الشهداء، وجراح الجرحى، وتحديد الخسائر المادية، وتحديد حجم الدمار وماذا طال من مواقع مدنية، وخصوصاً المستشفيات ودور العبادة والمدارس ومراكز الإيواء التابعة للأمم المتحدة، كما يجب توفر المعلومات الدقيقة عن كل عملية قصف قام بها العدو ونتائجها القاتلة والمدمرة على السكان المدنيين في غزة؛ وكل هذا يتطلب وقتاً للإعداد الجيد. ومن ناحية أخرى علينا جمع البينات عن تكرار الأعمال على نطاق واسع لإثبات وجود منهجية للقتل للسكان وتدمير ممنهج لوسائل حياتهم، كالمساكن وأماكن العمل والمدارس والمصانع والمستشفيات وأماكن لهو الطفال، وخاصة بعدما استهدف العدو الأطفال أكثر من مرة وهم يلهون على الشاطئ أو في المنتزهات.

ومع تأكيدنا بأن القانون الدولي الإنساني الممثل باتفاقيات جنيف وغيرها من الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص تحرم ضرب المدنيين أو مساكنهم مهما كانت الأعذار، فإننا يجب أن نركز على ما ورد في هذه الاتفاقيات من ضرورة عدم التعرض “للأشخاص المحميين”، وهذا يشمل الطواقم الطبية وطواقم الإنقاذ ورجال الدين. كما يجب التركيز على ما ورد في الاتفاقيات الدولية من تحريم استهداف “الأعيان المحمية” والتي تشمل المستشفيات ودور العبادة والمدارس وكل ما يعتبر من الأعيان الثقافية المحمية، والتي لها اتفاقية خاصة لحمايتها. وفي هذا المجال، علينا أن نجمع البنات والإثباتات لكل الجرائم التي اقترفتها إسرائيل بما ينطبق على الأركان المعنوية للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وهنا يمكن أن نؤكد بأن البينات الموجودة على الأرض تؤكد قيام إسرائيل باقتراف جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فقد أقدمت إسرائيل عن سابق إصرار بقصف الأهداف المدنية وصّرح مسؤولوها بأنهم لن يتوقفوا عن ذلك بحجة أن أفراد المنظمات الفلسطينية يختبئون بهذه المواقع أو أنهم يطلقون النار منها، بدون أن تثبت إسرائيل ذلك، وهذا ما هو المطلوب لإثبات الأركان المعنوية للجرائم ضد الإنسانية. أما الركن المعنوي لجرائم الحرب فيكفي تكرار الواقعة لإثبات تعمد إصابة المدنيين بغرض إلحاق الضرر بهم.

جرائم متنوعة

وتتعدد الجرائم التي اقترفها القادة والجنود الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، وهي تتنوع ما بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولذا علينا تصنيف المعلومات حول هذه الجرائم طبقاً لمتطلبات القانون الدولي، ولكل عملية استهداف للمدنيين أو أماكن حياتهم. وفيما يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية فقد اقترفت إسرائيل الجرائم التالية طبقاً لأحكام المادة (7) من نظام روما:

١- القتل العمد (المادة 7/أ): وهو قتل الأفراد بشكل مقصود، رغم أنهم مدنيون ولم يشاركوا بالقتال. وهنا نذكر عمليات استهداف المركبات المتحركة بصواريخ من الطائرات بدون طيار، أو استهداف المدنيين، وخاصة الأطفال أثناء وجودهم في ساحات مكشوفة وإمكانية التعرف علهم كونهم مدنيين لا يمارسون أي نوع من الأعمال الحربية.

٢- الإبادة (Extermination) (المادة 7/ب): وهي تختلف عن الإبادة الجماعية(Genocide)، فهي هنا تعني استهداف مجموعة معينة من السكان بقصد القضاء عليهم بغرض ترهيب الآخرين؛ وهذا واضح جداً من خلال قصف الأحياء السكنية وتدمير البيوت على من فيها، مع علم العدو بأن هذه المساكن فيها مدنيين، ولا أدل من ذلك أن العدو طلب منهم مغادرة، ثم قام بقصف هذه البيوت والسكان ما يزالون فيها، مما أدى إلى مجازر جماعية بينهم.

٣- الإبعاد القسري للسكان (المادة 7/د): أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية والطلب من السكان بمغادرة منازلهم إلى عملية تزوح جماعية من كافة المناطق الحدودية إلى المدارس والساحات. ويعتبر هذا من الجرائم المقرة في نظام روما، حيث اصبح التهجير القسري من الجرائم ضد الإنسانية طبقاً لنظام روما.

٤- الاضطهاد (المادة 7/ح): أدت أفعال العدو إلى حرمان السكان في غزة حرماناً شديداً، حيث حرم السكان من أبسط مقومات الحياة، ومنها الماء والطعام والمسكن الآمن. وقد تعمدت إسرائيل اضطهاد السكان في غزة في محاولة لترويعهم وترهيبهم لكي يثوروا ضد الفصائل المقاومة، ولكن هذا لم يحدث، وكل ما حصل هو معاناة السكان نتيجة ضرب محطة الكهرباء وعدم القدرة على توفير المياه الصالحة للشرب ونقص المواد الغذائية وتدمير المساكن.

أما بخصوص جرائم الحرب، فهي عديدة أيضاً، وأحكامها موجودة في اتفاقيات جنيف وكذلك في أحكام المادة (8) من نظام روما. ويمكن حصر هذه الجرائم بشكل أولي بما يلي:

١- القتل العمد (المادة 8/أ/1): وهو واضح من عمليات قتل المدنيين بشكل منظم ومتكرر، من خلال قصف المساكن على رؤوس من فيها، مما أدى إلى مقتل عائلات بكاملها، أو استهداف الأطفال على الشاطئ أو أثناء لعبهم في الساحات، أو من خلال استهداف المدنيين في الأسواق.

٢- تعمد إحداث أضرار صحية وجسدية جسيمة (المادة 8/أ/3): وذلك من خلال قصف المساكن والمستشفيات ومراكز الإيواء ومحطة الكهرباء ومصادر المياه وفرض الحصار لمنع وصول الإمدادات الغذائية والطبية، وكل ذلك بشكل متكرر رغم التأكيد بأنهم يصيبون أهدافاً مدنية.

٣- إلحاق تدمير واسع في الممتلكات بدون ضرورة عسكرية (المادة 8/أ/4): وهو ما شاهدناه في العديد من المخيمات والمدن الحدودية، كما حصل في خزاعة والشجاعية وجباليا ورفح وبيت حانون وبيت لاهيا، وغيرها من الأحياء والمواقع السكنية.

٤- تعمد توجيه ضربات ضد السكان المدنيين والمواقع المدنية (المادة 8/ب/1+2): وهو واضح وضوح الشمس في كل الأحياء التي قصفها العدو، مما أدى إلى دمار شامل فيها.

٥- استهداف الموظفين والمنشآت والمركبات التي تقوم بمهمات إنسانية (المادة 8/ب/3): وهي متعددة ومتكررة، من خلال قصف سيارات الإسعاف واستهداف المسعفين ورجال الدفاع المدني، وكذلك استهداف المستشفيات والمدارس، وخاصة المدارس التابعة للأمم المتحدة، باعتبارها مواقع محايدة في النزاعات لا يجوز المساس بها.

٦- تعمد إصابة المدنيين عن سابق إصرار (المادة 8/ب/4): وذلك من خلال تكرار عمليات قصف المنازل مع علم العدو بأنه يقصف مواقع مدنية، بدليل أنه طلب من السكان المغادرة، ولكنه لم يمنحهم الوقت الكافي للخروج.

٧- مهاجمة وقصف المواقع المدنية التي لا صفة عسكرية لها (المادة 8/ب/ 5): وهو من الأمور الواضحة جداً في العمليات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت الأحياء والمخيمات والمدن والبلدات، بدون أن تكون أي من هذه المواقع أهدافاً عسكرية واضحة.

8- تعمد استهداف “الأعيان المحمية” دولياً: (المادة 8/ب/9): ومنها دور العبادة والدارس والأعيان الثقافية الأخرى والمستشفيات ومراكز الإسعاف. وهذا واضح أيضاً وموثق بكثرة بما استهدفه العدو من هذه الأعيان.

هذا بعض من العديد من الجرائم التي يمكن ملاحقة العدو فيها، والطلب من المحكمة الجنائية الدولية التحقيق فيها وملاحقة مقترفيها ومحاسبتهم ومعاقبتهم. وهذا ممكن إذا توفرت النية للاستمرار بالملاحقة حتى تتحقق العدالة للضحايا الفلسطينيين. وهذا يتطلب الصبر والعمل الدؤوب لجمع المعلومات وتوثيق الجرائم وتقديم الملفات للمحكمة الجنائية الدولية، بدون ارتجال أو تخبط، لأن الارتجال يفقدنا قضيتنا، أما التخطيط والعمل المتزن فيحقق مطالبنا بجلب كل المجرمين الإسرائيليين إلى المحكمة الجنائية الدولية، ابتداءً من رئيس الوزراء وحتى وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الجيش الذين شاركوا في مهمات قصف غزة وإحداث ما أحدثوه من قتل ودمار فيها. علينا العمل بصبر وثبات، بدون مزايدات واستغلال للمواقف لتحقيق موقف سياسية مؤقتة، لأن هذا لن يفيد العمل الفلسطيني في ملاحقة المجرمين الإسرائيليين وجلبهم للمثول أمام المحكمة، ومحاسبتهم ومعاقبتهم على ما اقترفوه من جرائم. وحتى نحقق هذا على السطة الفلسطينية أن تبدأ الخطوة الأولى بتشكيل هيئة متابعة وطنية، من الخبراء لتوثيق الجرائم الإسرائيلية وتصنيفها وتحليلها وتوضيبها في ملفات لتقديمها للتحقيق الدولي عند البدء فيه؛ وهذا يتطلب توافقاً وطنياً على المضي بهذا الأمر وعلى تشكيل مثل هذه الهيئة.

Print Friendly, PDF & Email