التّسامح الدّينيّ في المجتمعات العربيّة المعاصرة

تسيل الدماء من غير حساب في هذه الأرض التي “ما عادت مقدّسة” كما قال غبطة بطريرك المدينة المقدسة المنسنيور فؤاد بطرس الطّوال. ولا مجال للتساؤل عن “صمت” وسائل الإعلام ومعظم الدول حيال الدم العربيّ وكأننا بشر من الدرجة الثانية كما تكتب عنّا بعض المصادر الأعجميّة. ومهما كانت المصالح تبقى الحقيقة الأليمة وهي أنّ آلافًا فقدوا حياتهم لا لشيء إلاّ لأنهم فلسطينيون . ولا يهون على المرء دم غير العرب ايضًا ، إذ لسنا قومًا يسترخصون حياة الخصوم والغرباء. وحتى غريمنا أخ لنا في الإنسانية. وفعلاً حسب التعبير القرآني الذي يوسّع المفهوم التلمودي عن قيمة الحياة البشرية التي حصرتها المصادر الربابينيّة بالعبرانيين ، مَن قتل نفسًا بغير حقّ “فكأنّما قتل الناس جميعًا ” (المائدة 32)، بصرف النظر عن جنسيّة هذه النفس وديانتها. وكان السيّد المسيح قد أعطى في مَثَل السامري الرحيم مثالاً للرحمة والمحبّة والعطف والشفقة والمحبّة التي تتخطّى حدود القوميّة والديانة والأصل (لوقا 10 : 25 وتابع).

ولكن حتّى في ديار العرب ، ينهمر محيط الدماء بسبب تمييز بين دين ودين وطائفة وطائفة ، وكأنّنا قد نسينا أو مَحَوْنا تاريخًا من التسامح عريقًا.

العدل وقيمة حياة الإنسان وضرورة التسامح الديني والإنساني القصوى

التّسامح الدّيني في الوطن العربيّ المعاصر ضروريّ، بعد أن عصفت عليه في العقد الأخير والعقد السّابق له عواصف الفتنة – وهي “أشدّ من القتل” – والعنف والتّمييز المطالِبة باللون الواحد والطّيف الواحد حتّى داخل الدّين الواحد. ومثل امرىء القيس يرجو المرء أن “ينجلي اللّيل الطّويل” والأمل أن يكون الإصباح “منه أمثل”!

تفاصيل التّسامح العربيّ الدينيّ خصوصاً في الماضي القريب

لا فضل لنا نحن المسيحيّين العرب ، في القرون الحديثة ، في التّسامح بما أنّنا أمسَينا نفرًا قليلاً (لا “أقلّيّات” أو “جاليات” أجنبيّة فنحن في أوطاننا) ونحن ضعفاء ، ما خلا في لبنان حتّى الخمسينات من القرن الماضي تقريبًا. وتمّت فينا وتتمّ كلمات المزمور: “أمسوا قليلين أذلاّء ، لشديد وطأة العناء والشّقاء”. ولكن يظهر تسامحنا نحو المسلمين وسواهم من مواطنينا داخل مؤسساتنا، حيث السّواد الأعظم من الذين نخدمهم هم مسلمون : مثلاً “البعثة البابويّة للاّجئين الفلسطينيين” تخدم المسلمين بنسبة 99 بالمئة ، وفي مدارسنا في مدينة غزّة المنكوبة الجريح الشهيدة أكثر من تسعين بالمئة من الطلاّب والطالبات مسلمون. وكنائسنا في غزّة بورفيريوس وهاشم مفتوحة لكلّ المواطنين ومعظمهم مسلمون ، وقد قسا على هذا القطاع وهذه المدينة دهر غادر مروّع لا يفي معاناتهم وصف.

ومقابل نحو ثلاثين ألف مريض مسلم هنالك فقط خمسة آلاف مريض مسيحيّ تسعفهم مؤسسة “كاريتاس” الخيريّة في فلسطين (و”كاريتاس” كلمة لاتينية تعني “محبّة”) . ولا مشكلة عندنا أن يكون أحد الأطبّاء أو المعلّمين المسلمين مديرًا لأحد مستشفياتنا أو مراكزنا التنمويّة.

وكان التّسامح الدينيّ يعمّ فلسطين والاردنّ وما يزال ، بشكل عام ، مع تجاوزات واعتداءات ومظالم هنا وهناك. ولكن يعرف القاصي والداني ما ألمّ بمصر والعراق وسوريا – ليس فقط بمسيحيّيها بل بمسلميها أيضًا، وقد عانى خلق منهم كثير من الاضطهاد حتّى الدم، وأنواع من الإبادة، فاغتال المسلم المسلم قبل أن يغتال المسيحيّ. وليس للداعي إلمام بتشخيص الواقفين وراء هذه المآسي، والتطرّف العنيف الذي يعبّر عنه بكلمات مار صفرونيوس بطريرك المدينة المقدّسة – وما أشبه اليوم بالأمس : ” لماذا هذه الصلبان المكسّرة والكنائس المدمّرة وقتل البشر بسيف قاسِ” امتدّ على رقاب المسلمين والمسيحيين ، أي “الآخرين” المرفوضين حتّى القتل!

ومن الناحية الإسلاميّة العربيّة، يعرف المسيحيّون العرب أنهم يتمتّعون في معظم ديار العرب، بحريّة العبادة ولهم “بيَع وصوامع يُذكر فيها اسم الله كثيرا”.

وفي مجال التربية والتعليم يتمّ مع الأسف الشّديد إغفال السيّد المسيح نفسه وحوارييّه (تلاميذه)، والتاريخ المسيحي في القرون السبعة الأولى الميلاديّة من كتب التاريخ المدرسي والجامعيّ ، ما عدا لبنان سابقًا. وتمنع بعض الدول مواطنيها العرب المسيحيين من تدريس اللغة العربيّة والتاريخ ، مع أنّ وجود المسيحيين العرب سابق للقرن السابع الميلادي بل سابق للميلاد نفسه.

وبكلّ أسف يغادر المسيحي العربيّ وطنه حيث يشعر غالبًا بالغربة، ويعيش في الغرب حيث لا يشعر بالغربة ولا يرغب في العودة. ويبدو أنّ بعض الجهات الأجنبيّة تقصد هجرة المسيحيين العرب “لغرض في نفس يعقوب”. وكما قال اصحاب الغبطة بطاركة الموارنة والروم الكاثوليك الملكيّين والسريان الأرثوذكس : “لسنا بحاجة إلى غرب يحمينا ولا إلى دول غربية “تستقبلنا” – مثل فرنسا – كلاجئين بل نريد أن نعيش بكرامة في بلادنا ونستمرّ في بناء حضارتنا العريقة التي ترقى إلى آلاف السنين”.

أمّا إزالة المسيحيين العرب واقتلاعهم من أوطانهم فإنه يقضي ليس فقط على التسامح، بل على الجسر الطّبيعيّ بين العرب والغرب أي المسيحيين العرب.

خاتمة

في هذا السّياق يبدو فصل الدّين عن الدّولة من أمثل الحلول. وما اخترع الأعاجم هذا الفصل الذي به يتشدّقون كأنّهم اكتشفوا المرّيخ ، فقد أعلن عنه السيّد المسيح في القول السيّديّ المأثور :”أدّوا ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله”!

ما أحوجنا الى مؤتمرات تكون نقطة انطلاق لتثبيت الأوضاع الحميدة وتغيير المتردّية حيث الفرقة والنعرة والفتنة ، فننقل إلى “الفعل والحقّ” ما نقوله ونسمعه من حلو الكلام وعذبه. وأملنا كبير ، ونحن نتحاور “بوداعة ووقار” حسب توصية القدّيس بطرس – من زعمائنا الدينيين الدوليين مثل قداسة البابا وكبار رجال الدين المسلمين، ومن القائمين على الشؤون الدينية في أوطاننا، أن “يتعارفوا” إذ جعلهم الله “شعوبًا وقبائل” ومذاهب وأن تنمو بينهم المودّة، بما أنّنا معشر المسيحيين “أقرب الناس مودّة للذين آمنوا ، لأنّ فينا قسّيسين ورهبانًا، ونحن من القوم الذين لا يستكبرون” بعون الله!

ونختم بتوصية الإناء المختار رسول الأمم بولس :”فوق هذه كلّها ، إلبسوا المحبّة : إنّها رباط الكمال!”

Print Friendly, PDF & Email