الفاتيكان ضمير الإنسانية: خصوصًا في القضية الفلسطينية

يقدر المرء لموقع “أبونا” وللكاتب إميل أمين نشر مقال له عنالفاتيكان والقضيّة الفلسطينيّة “سيرة ومسيرة” في حين كاد  العالم، بما فيه العربيّ (!) ينسى فلسطين، والأنظار والقلوب موّجهة إلى سورية والعراق واليمن وليبيا… ويحيّي المرء الأردنّ الحبيب الّذي يستقبل اللاجئين من كلّ هذه البلاد وسواها، على قلّة موارده وعسر أحواله!

الموقف الفاتيكانيّ المشرّف من القضيّة الفلسطينيّة ومن زهرة المدائن

أفلح الأستاذ إميل أمين –بأمانة كبيرة- في أن يبيّن بطولة الكرسيّ الرّسوليّ واستقامته العقائديّة وثبوت أخلاقيّاته رافضًا الهيمنة اليهوديّة على فلسطين عامّة والقدس بشكل خصوصيّ، لسببَين وجيهَين على الأقلّ: عدم اعتراف اليهود بيسوع مسيحًا، ورفض فكرة تشريد الشّعب الفلسطينيّ المسكين. وكان هذا الرّفض لدى قداسة البابا بيوس العاشر نبويًّا، بما أنّ سنة 1948 في القرن التّالي كانت ستشهد تشريد ثلاثة أرباع الشّعب الفلسطينيّ وحلول يهود محلّهم.

يا ليت مئات الآلاف من المسيحيّين “الإيفاجليكال” أو حتّى الّذين يسمّون أنفسهم بلا حياء “المسيحيين الصّهاينة” يستمعون إلى رسالة الكنيسة الكاثوليكيّة وشقيقتها الأرثوذكسيّة (رسالة ينقلها الأخ إميل) وهي في الواقع نقل أمين لما ورد نصًّا وروحًا على لسان السيّد المسيح والرّسولَين بطرس وبولس وهي أننا نحن المسيحيّين “الشّعب المختار” لا نسل “الكرّامين القتلة” الذين اغتالوا “الابن” أي المسيح وألقوا به خارج المدينة، ونحن  الذين قبلوا يسوع مسيحًا نحن “إسرائيل الله” بخلاف “إسرائيل الجسد” الذين يدعوهم أهل القدس المسيحيون القدماء لا “يهودًا” بل “جُحودًا”. وتؤكّد الكنيسة الكاثوليكيّة وشقيقتها الأرثوذكسيّة الطّابع المُطلَق للوصايا العشر: “لا تقتل، لا تسرق، لا تزنِ، لا تشته مقتنى غيرك”، وكلّ هذه الموبقات تتمّ في الاحتلال.

من فظائع التأييد “الإنجيليّ” للصّهيونيّة

قامت البطريركيّة اللاتينيّة المقدسيّة، في فلسطين والأردنّ، وخصوصًا في عهد البطريرك النّاصريّ أو النّصراويّ اللاجىء ميشيل اسعد صبّاح، بتبيان أخطاء الصهيونيّة المدّعية “المسيحيّة” في تفسيرها السياسي العنصري التوسعيّ للكتب المقدسة و”تجييرها” لنبوّات من العهد القديم عن آشور وبابل وفلستيا إلى عراق اليوم وغزّة اليوم… ومن الفظائع واللامعقول في الشّرح “الإنجيليّ” ولا سيّما الأمريكيّ للكتب المقدّسة، ومنها سِفر الرّؤيا، تأكيد روّاده أنّ اليهود، نعم اليهود حتّى غير المؤمنين بيسوع مسيحًا، سوف يكونون هم، نعم هم، جيشه في معركة هرمجدون الأخيرة! وكيف يحاربون تحت لواء الذي لا يعترفون به؟ ليست هذه المرّة الأولى ولا الأخيرة التي يؤدّي فيها عمى البصائر إلى تجاوز العقل السّليم والفكر القويم!

لسان حال الموقف الفاتيكانيّ: “أسوأ ما كان يمكن أن يحدث للقدس استيلاء اليهود عليها!”

“دخيل الله”: لا يتّهمنّ أحد الفاتيكان ب “اللاساميّة”. والكلمة غير صحيحة وغير أخلاقيّة: تقصد المعاداة لليهود وفقط لليهود، وكان يجب أن تكون “المعاداة للصّهيونيّة” وليس العداء لليهود كدين ولا كعِرق (إذا ثبت أيّ من الأمرَين). المسألة بسيطة جدًّا: اليهود في نظر الفاتيكان؟ أسعدهم الله وأبعدهم عن موطن المسيح وعن عاصمة المسيحيّة القدس! فالمدينة المقدسة هي هي عاصمة المسيحيّة، هي العاصمة، بالمطلق وبأل التّعريف التي لا تتحمّل إنكارًا: القدس العاصمة والصّليب العرش والقبر الفارغ القصر! وما روما وإنطاكية والقسطنطينيّة والإسكندرية إلاّ “عواصم” إداريّة جزئيّة غير شاملة ولا كاملة.

في القدس تفجّر الحقد اليهوديّ على يسوع النّاصريّ في حين حاول الوثنيّ بونطيوس بيلاطوس أن يُنقذ المبشّر السّاذج البريء! في القدس بدأ حقد دائم على يسوع وأتباعه. ومع أنّ “بروتوكولات حكماء صهيون” كتاب مزيّف غير صحيح النّسب إلى اليهود، إذ أنّ  كاتبه ماتيو كولوفسكي (سنة 1909)، غير أنّه حقيقيّ بمعنى صدق أقواله، خصوصًا رقم 17، حيث يضع اليهود نُصب أعينهم تدمير المسيحيّة وبالذات الفاتيكان.

ولئلاّ يبقى كلامنا في الهواء أو في الماضي، يذكر الدّاعي شهادة حيّة من المناضل الفلسطينيّ حنّا إميل صافية، شقيق الدكتور الدبلوماسي الفلسطينيّ المقدسيّ المميّز الألمعيّ عفيف صافية، في إعلان سيّدة يهوديّة فرنسيّة له التقاها في جنيف. قالت له: ” أنت فلسطينيّ مسيحيّ؟ يا سيّد، إنّ فيك عيبَين ونقصَين: كفلسطينيّ أنت عدوّنا المؤقّت، وكمسيحيّ أنت عدوّنا الأبديّ”. أمّا ما فعله اليهود وما يفعلون، منذ سنة 30 ميلاديّة إلى أيّامنا، لتدمير المسيحيّة والتّشنيع بها، على شتّى المستويات، فلا يقع تحت حصر، ومعظم الناس لا يعلمون!

ويُنسَب إلى رئيسة وزراء العبرانيين “الرّجوليّة” جولدا مئير أنّها أمسكت في حاضرة الفاتيكان بصليب قداسة البابا الرّاحل محبّ العدالة والشّعب الفلسطينيّ وقالت بكراهيّة: “هذا (وقصدها الصّليب) عذّبنا، نحن معشر اليهود، مدّة عشرين قرنًا من الزّمان”.

ووقوع القدس بين أيدي اليهود نكبة ونكسة وكارثة للعرب أي لما يقارب ثلاثمئة مليون ونصف الّذين سيُحرَمون، خصوصًا المسيحيّين منهم، زيارة مقدّساتهم،  فالقدس وبيت لحم بعد النّاصرة أوّل مقدّسات المسيحيّة، ناهيكم عن الحقّ الوطنيّ التّاريخيّ للعرب في فلسطين.

إصرار الفاتيكان على عدم الاعتراف بإسرئيل

منذ أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، توالت الضّغوط الغربيّة وكثرت التّهديدات والمقاطعات على كرسي بطرس في روما للاعتراف بإسرائيل وتأييدها ومدحها. وما خضع الفاتيكان، على صغره الجغرافيّ، لولايات متّحدة كانت عرّابة “الدّولة اليهوديّة” ولا لبريطانيا الإنكليكانيّة أمّ تلك “الدّولة”. وبقي الفاتيكان، في الغرب، “الدّولة المعزولة” التي ما اعترفت بالكيان العبري السياسيّ، أيضًا لأنّه أتى مبنًّا على احتلال عسكريّ. ونكرّر للمرّة المليون أنّ الفاتيكان ما برّأ اليهود قَطّ من دم المسيح!

أمّا عدم اعتراف الفاتيكان بالكيان العبريّ فأساسه أيضًا في العهد الجديد الذي لا يُقرّ بأوروشالم أو “يبوس” ك “مدينة داود”، وذلك لأنّ داود الملك احتلّها احتلالاً عسكريًّا نحو سنة ألف قبل الميلاد. بل “مدينة داود” هي بيت لحم، وهي مدينته شرعًا لأنها مسقط رأسه، وستصبح مسقط رأس سليله المسيح الملك!

قداسة البابا بولس السّادس: حجّ إلى الدّيار المقدسة بما فيها الاردن سنة 1964

كانت تلك الأيّام السّعيدة والحياة الرّغيدة حين كانت القدس الشّرقيّة وسائر فلسطين الجنوبيّة الشّرقيّة وقطاع غزّة لا تحت احتلال يهوديّ بل في سيادة عربيّة أصيلة: بين المملكة الاردنيّة الهاشميّة ومصر الشّقيقتَين. وما أجمل استقبال جلالة المغفور له الملك الحسين الأوّل بن طلال لقداسة الحبر الأعظم في حدث تاريخيّ فريد كان الأوّل من نوعه! وعندما انتقل قداسته إلى الجانب الغربيّ، وطول كل رحلته، لم يلفظ كلمة “إسرائيل”. وخاطب قداسته المسؤول الإسرائيليّ بهذه الكلمات: “إلى السيّد… تل أبيب”، وقداسته لا يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل!

سفارة الفاتيكان لدى السّلطة الوطنيّة والدّولة الفلسطينيّة هي في القدس!

أمّا سفارة الفاتيكان لدى الكيان العبريّ فهي بقرب تل أبيب. والّلبيب من الإشارة يفهم.

وفي داخل الفاتيكان السفارة الفلسطينيّة منذ يوم السبت الرابع عشر من كانون الثاني يناير الماضي!

وإذا قال أحد: إنّ الفاتيكان “اعترف” بإسرائيل، فهذا الكلام غير دقيق: تقبّل الفاتيكان علاقات دبلوماسيّة مع الكيان العبريّ، لا تأييدًا منه للاحتلال العسكريّ الذي حولّ  750000 فلسطينيّ إلى لاجئين سنة 1948 وما لا يقلّ عن 450000 إلى نازحين سنة 1967، ناهيكم عن القتلى والجرحى في انتفاضتين والاعتداءات على قطاع غزّة… بل أراد الفاتيكان أن يحافظ على شعبه ولا سيّما المسيحيّ وعلى أولى  مقدّساته التي من ناحية عمليّة تحت الهيمنة اليهوديّة.

خاتمة

يرزح الشّعب الفلسطينيّ تحت أطول احتلال، ليس فقط منذ سنة 1967 بل منذ 1948، وكان بإمكان اليهود، لعميق نفوذهم السياسيّ والماليّ، أن يحصلوا على قسم من فلسطين، بالسّلم لا بالحرب. ولكنّ المبدأ التلمودي المدّمر المهلك باق مع الأسف ولسان حاله القول المغلوط السفسطائيّ الكاذب: “نريد أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض”. وما زال المخطّط ينفي يوميًّا الفلسطينيّين، بل للتأكّد من قهرهم، ها إنّ دولاً أخرى في المنطقة تمّ تدميرها أو أوشك على ذلك، حسب ترتيب أعلنه ديفيد بن غوريون قبل نحو سبعين سنة: “أوّلاً العراق ثم مصر ثم سورية… وسنقهرهم لا يحذقنا بل بسبب ضعفهم وانقسامهم!”

جمعنا الله مواطنين تحت الخيمة العربيّة بمودّة بغير انقسامات ولا حروب أهليّة، وعندها سنسير نحو القدس: قد لا نفلح عسكريًّا بحقّ القوّة، ولكن بالتأكيد “بقوّة الحقّ”!

Print Friendly, PDF & Email