المسيحيون ملح الأرض العربية

إنهم ملح أرضنا العربية، سبقونا اليها قروناً، فعمّروها وسكنوها، وبعثوا في دياجيرها أنوار الهداية والتقوى، والخصب والعطاء، ولحقنا بهم بعد ستة قرون فاستقبلونا، وعشنا معاً على هذه الأرض التي أضحت، بفضل تلاقينا، مختبراً ناجحاً للتعايش بين الديانتين السماويتين: المسيحية والاسلام.

وبعد عشرين قرناً من وجود المسيحية في أرض العرب، واربعة عشر قرناً من وصولنا، نحن المسلمين، اليها، غدرت الصهيونية، ربيبة اليهودية وحاضنتها، بالأرض وأهلها، فانتزعت جزءاً غالياً منها، فلسطين، لتقيم على أرضها المقدسة دولة عنصرية معادية لأهلها الأصليين، مسيحيين ومسلمين، بعد أن طردتهم منها وشردتهم، وسمّت تلك الأرض المغتصبة اسماً هجيناً هو “اسرائيل”.

ووقفنا معاً، مسيحيين ومسلمين، نقاتل الكيان الهجين والمعتدي والمغتصب، يداً بيد، وقلباً على قلب، ودماً يمتزج بدم.

كان ذلك منذ ستة عقود فقط، منذ عام 1948 وحتى عام 2008، حين وصل “جورج دبليو بوش” المندوب السامي الأميركي على بلدان الشرق الأوسط (التسمية الأميركية لأرض العرب) الى “فلسطين المغتصبة” (أو اسرائيل)، ليعلنها “دولة يهودية”، ولم يلبث ان بدأ اليهود ينفذون أمر “الرئيس الأميركي الأعلى” فبدأت أحداث عكا ويافا واللد والرملة: قتلٌ للعرب وتهجير وتدمير لبيوتهم ومنعهم من قطاف محاصيلهم، بقصد اكراههم على الهجرة، تنفيذاً للقرار السامي الأميركي: إسرائيل دولة يهودية.

وفجأة، طلعت علينا أخبار تهجير آلاف العائلات المسيحية من الموصل بالعراق ….

كان العراق، حتى اجتاحه المحتل الأميركي عام 2003، أقوى الأقطار العربية وأشدّها عداءً لاسرائيل، وكان ذا جيش عصري وقوي ومتقدم، وقادر على المواجهة، وطامح لأن يصل الى “التخصيب النووي” بحيث يساوي العدو الاسرائيلي في امتلاكه للسلاح النووي. وقد شكل الوئام بين أهله (المسيحيين والمسلمين خصوصاً) وحدة لا تقبل الإنفصام.

ورغم أن التحقيق في العدوان على نيويورك وواشنطن، في أيلول عام 2001، أكد انه لم يكن بين المعتدين عراقي واحد، فقد كان القرار الأميركي – الصهيوني أن يستهلّ “جورج دبليو بوش” عدوانه على العالم الإسلامي “المعتدي” بضرب العراق وتدميره، مما يؤكد أنه كان للصهيونية دورٌ فاعلٌ في اتخاذ هذا القرار، لما للعراق من تأثير في موازين القوى بين العرب واسرائيل…

وتأتي أحداث الموصل، حيث يجري تهجير العائلات المسيحية من المدينة، واقتلاعها من بيوتها وأملاكها ومن بين أهلها، ومن وطنها الذي عاشت فيه على مرّ السنين، من دون أن يجد المراقب أي مبررٍ أو أي مسوّغ شرعي لهذه الأحداث.

ويتساءل المرء مباشرة: لماذا الموصل؟ ولماذا يقوم بهذا العمل المسلمون ؟ وأية لعنة أصابت أهل هذه الأرض العربية، من تهجيرِ لمن تبقى من العرب، مسلمين ومسيحيين، في “فلسطين المغتصبة”، وفي الوقت نفسه: تهجيرٌ للمسيحيين من أهل الموصل (على أيدي أهلهم المسلمين) وتحت غطاءٍ واضح هو الاحتلال الأميركي؟

ثم هل يكتفي “راعي المخطط” بما جري في الموصل؟ أم أننا سنرى أنفسنا أمام سيناريو يشبه، تماماً، ما جرى في “فلسطين المغتصبة”، حيث بدأ في عكا، وانتقل الى باقي المدن الفلسطينية، برعاية اسرائيلية حتماً، الى أن تخلو “فلسطين المغتصبة” من أهلها الأصليين من العرب، مسلمين ومسيحيين؟

بدأت في الموصل، وربما تنتقل الى باقي مدن العراق (ولنقل العراق فقط، كمرحلة أولى) الى أن يخلو العراق من أهله من العرب المسيحيين. وبعدها: كيف الأحوال في مصر؟ وسوريا؟ حيث يجري اعتداءٌ على كنائس في مصر وفي احدى القرى المسيحية في سوريا؟ أو ليس هو المخطط الأميركي نفسه الذي بشّر به “جورج دبليو بوش” حلفاءه الاسرائيليين يوم زارهم في القدس وأعلن اسرائيل “دولة يهودية”؟

إنه عصر التغيرات الكبرى في هذا الشرق العربي البائس، وبإرادة أميركية صهيونية مشتركة، فالعرب، اليوم، أمام مخطط “تآمري” رهيب يستهدف كيانهم ومجتمعهم وحضارتهم، وهو:

1 – تصفية العرب، مسيحيين ومسلمين، من الكيان الصهيوني، وطردهم خارجه، بعد أن يحلّ محلهم، في فلسطين، يهود من مختلف الأعراق والأجناس، بحيث يشكل هؤلاء العرب المطرودون من “فلسطين المغتصبة” هجرة ثالثة للفلسطينيين من أرضهم وديارهم (الهجرة الأولى عام 1948، والثانية عام 1967)، وتشكل هذه الهجرة “قنبلة ديموغرافية” تعجز الكيانات العربية المحيطة باسرائيل (وهي لبنان وسوريا والاردن) عن تحملها، فتنفجر مهددة الكراسي والعروش العربية.

2 – ربما يجترح العقل الأميركي – الصهيوني المتآمر “مؤامرة مستحدثة” قائمة على تهجير المسيحيين من كامل العراق (كما هجّروا من فلسطين) حيث يحل الفلسطينيون (المسلمون) محل المسيحيين في العراق، وإن لزم الأمر، في باقي الأقطار العربية. ألم يقدّم الأميركيون للرئيس اللبناني سليمان فرنجية، مطلع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976، اقتراحاً “استثنائياً” بأن ينقل اسطولهم البحري، المرابط دائماً في مياه البحر المتوسط، مسيحيي لبنان الى الغرب، كلاجئين، ثم مستوطنين، حماية لهم، حتى اذا نجح هذا المشروع، استعيدت أحداث لبنان في سائر بلدان المشرق العربي، مما يحقق للغرب طموحه القديم بإقامة دويلات دينية صافية (يهودية، ثم إسلامية) في الشرق؟

3 – وأما الجائزة التي ينالها العدو الصهيوني لقاء تنفيذ هذه المؤامرة، فهي: إلغاء حق العودة للفلسطينيين باعتبار أنهم يعودون الى احضان أمتهم، بينما تظل “فلسطين المغتصبة” دولة يهودية خالصة، وموطناً خاصاً باليهود، تماماً كما أرادها “جورج دبليو بوش”.

والسؤال: هل أن الرئيس الأميركي الحالي “باراك أوباما” ورث عن سلفه “بوش” المخطط نفسه، والقناعات نفسها؟ ألا فليحذر العرب جميعاً، شعوباً وقادة، خطر حصول “نكبة جديدة” بدأت بوادرها في فلسطين والعراق، ثم في مصر حالياً، وربما في بعض سوريا، وهي بداية لمخطط أميركي – صهيوني خطير ومدمّر.

وليعلم العرب جميعاً، شعوباً وقادة، أن المسيحيين هم أهل هذه الأرض من قبلنا بقرون، وانهم يشكلون قناديل نورٍ لأمتنا، فحذار التفريط بهم، بل شدّوا على وجودهم بشغاف قلوبكم، وبكل ما تحملون من حب لأمتكم، على اختلاف كياناتكم ومذاهبكم. إنهم ملح أرضنا العربية، فاذا ذهب الملح، ستصبح حياة العرب علقماً.

والسؤال الملحّ اليوم: أين جامعة الدول العربية من كل ما يدبّر لهذه الأمة؟ ومن كل ما يجري وما سيجري؟

Print Friendly, PDF & Email