هل هي نهاية المسيحية في الشرق الأوسط؟

من الواضح أن لداعش لقب آخر في المسيحية، فالمسيحيون يلقبون داعش بـ “هيرودس اليوم”، وهو الطاغية في المسيحية الذي قتل كل مواليد بيت لحم حينما علم بمولد المسيح فيها، لذا تبدو داعش للمسيحيين كحركة إرهابية تعيد أفعال طواغيت الماضي ضدهم في الحاضر، فقتل داعش لأعداد أكبر من المسلمين لا ينفي التهمة عن خطابها التحريضي للأقليات غير المسلمة ومنها المسيحين في العراق والشام وكذلك الإيزيديين، مما جعلهم تحت تهديد تفريغ الشرق الأوسط من المسيحين في القريب العاجل.

اضطر مسيحيو العراق والشام إلى الهجرة إلى تركيا أو الدول الأوروبية بعد أن تم الاستيلاء على ممتلكاتهم من أراضٍ أو بيوت تحولت فيما بعد كثكنات لتنظيم الدولة، كانت الكثافة السكانية لمسيحي العراق تبلغ 1.5 مليون منذ عشر سنوات، الآن وفي نهاية 2015 وصل عددهم إلى 500.000 عراقي مسيحي فقط، كما كان العدد في سوريا يبلغ 1.1 مليون مسيحي، ووصل العدد بعد أربع سنوات من الحرب في سوريا إلى 600.000 مسيحي قد هاجر البلاد أو تمّ قتله في الحرب.

لبنان، أكبر الدول العربية كثافة للمسيحين، كانت الملجأ الأول قبل أوروبا لمسيحي العراق وسوريا، من بعدها تأتي الأردن وتركيا، ليكونوا مع نظائرهم المسلمين في مخيمات اللاجئين الهاربين من اضطهاد وتهديد داعش لهم أيضًا.

هل تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين مخطط إستراتيجي بعد حدود سايكس بيكو وقيام دولة إسرائيل؟ فأرقام اللاجئين العرب من المسيحين خير دليل على الشكوك التي تحوم على مظاهر تهجريهم، إذ إن الجالية الفلسطينية وحدها في أمريكا اللاتينية يبلغ عددها 80.000 لاجئ مسيحي، فالأمر في مجمله لا يقتصر على خطر داعش الإرهابي ضد الأقليات الدينية، فالأمر بدأ في فلسطين حيث إن عدد السائحين المسيحين في بيت لحم مهد المسيح أكثر من مسيحي بيت لحم أنفسهم، ومن قبله لعبة الاقتصاد على أيدي الأنظمة الطاغية والديكتاتورية، على يد بشار الأسد في سوريا وأنور السادات في مصر، حيث تم تأميم العديد من المؤسسات الاقتصادية وحكرها على المسلمين، بالإضافة إلى التضييق الاقتصادي عليهم والذي أدى إلى هجرة العديد من رجال الأعمال منهم إلى أمريكا وأوروبا لاستئناف أعمالهم في مجال أكثر حرية دينية تحت لافتة اللجوء الاقتصادي أو الاضطهاد الديني.

هجرة المسيحين من الشرق الأوسط تعتبر مؤلمة للإرث المسيحي بأكمله، حتى لبنان التي كانت تتمتع بأكبر نسبة للمسيحين في الشرق الأوسط والتي وصلت إلى 78% منذ قرن، قد وصلت نسبة المسيحين فيها الآن إلى 34%، وهي أكثر الدول المستقبلة للاجئين المسيحين من العراق وسوريا، كما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي في عهد صدام حسين مرورًا بتنظيم داعش ، هرب الكثير من المسيحين ليشكلوا نسبة 40% من اللاجئين العراقيين في أنحاء العالم.

على عكس ما حدث مع اليهود، فلا توجد وجهة اتجه إليها المسيحيون بعد أحداث العنف والحروب الأهلية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى هبوط معدل المواليد بينهم حتى وصل مؤخرًا إلى 4% ومن المتوقع هبوطه أكثر إلى 3% بحلول 2050، بالإضافة إلى أن عدم تمثيلهم في المناصب الحكومية أو المؤسسات العسكرية كما يحدث في مصر والسودان أدى إلى عدم شعورهم بالانتماء داخل جغرافيا الشرق الأوسط.

رغم كل المؤشرات السلبية التي تهاجم مسيحي الشرق الأوسط إلا أن المفاجأة تأتي في إسرائيل، حيث إنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يزداد فيها معدل المسيحين، باعتبارها آمنة لهم ولحريتهم الدينية، حيث يبلغ عدد المسيحين في إسرائيل 160.000 مسيحي، يعيشون في انقسام ما بين القومية العربية والهوية الفلسطينية بحسب الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أقرته منظمة التحرير الفلسطينية، وبين الجنسية الإسرائيلية والحرية الدينية، خاصة في تل أبيب، حيث يُسمح للمسيحين ببناء كنائس لهم هناك، بالإضافة إلى ملكيتهم للعديد من الأراضي المقدسة في القدس.

يعيش 60% من مسيحي فلسطين داخل الأراضي الإسرائيلية مقارنة بنظائرهم العرب في الضفة الغربية وغزة، إلا أنه على الرغم من التمتع بالحرية الدينية في ظل إسرائيل، إلا أن مسيحي إسرائيل يعانون من التفرقة في دفع الضرائب وارتفاع ثمن الإيجار عليهم أكثر من غيرهم من الإسرائيلين، بالإضافة إلى عدم السماح لهم بتولي المناصب العسكرية في الجيش الإسرائيلي.

هناك مجموعة أخرى كبيرة نسبيًا تتمتع بموقفها الحيادي، فلا هي ضمن الفرقة القومية التي تنادي بقوميتها العربية وهويتها الفلسطينية، ولا هي من الفرقة المطالبة بالاندماج مع المجتمع الإسرائيلي، تفضّل عدم التدخل في الأمور السياسية لكي لا تُتّهم باطلاً بالخيانة للقضية الفلسطينية أو لمجتمعها المسيحي، أو أنها فقط تريد الابتعاد عن السياسة لتتفرغ لأمورها العائلية فقط، وهناك جماعة أخرى قليلة تفضل انتظار الوطن السماوي وعدم الدخول في صراعات أرضية، مؤمنين أن العدالة لن تتوفر قبل مجئ المسيح، لا من اليهود الحاكمين ولا من المسلمين إذا حكموا.

يغادر المسيحيون الذين يشعرون بالتهديد الشرق الأوسط بأعداد كبيرة، وبجميع الأحوال فإن الزيادة الطبيعية لديهم أقل من المسلمين، وظاهرة الهجرة السلبية تُقلّص من أعدادهم في المنطقة أكثر وأكثر، هناك من يشبه تدفق المسيحيين الحالي بتدفق نحو 900.000 يهودي من الدول العربية، والذين فرت غالبيتهم العظمى من أماكن عيشهم بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، وذلك لشعورهم بالتهديد وانعدام الحماية من السلطات، فهل الأمر يتكرر مع المسيحين في تلاشيهم من الشرق الأوسط؟

 

Print Friendly, PDF & Email