دير مار الياس (الكوكب)

دير مار الياس المعروف بدير الكوكب، وهناك اسماء مختلفة للدير او للموقع منها : خربة الشيخ ابراهيم او خربة المعلم ابراهيم او خربة دير عاصور Asur او بالتعبير الارامي دير الكوكب dyr Kwkb او كما عُرف بدير مار الياس Mar Elias او دير مار إليا Elia.

كتب Guerin انه مشى من خربة تبنة او تمنة باتجاه عابود مشياً على الاقدام وكانت الساعة عندما بدء 11,50 صباحاً متوجهاً الى الشمال والشمال الغربي، واستمر بالمشي مخترقاً الوديان والجبال في نفس الاتجاه الى ان وصل الى منطقة اثرية مزروعة بشجر التين، حيث كان وصوله اليها الساعة 1,15 ظهراً وتبين من البحث والتدقيق انها خربة الشيخ ابراهيم او دير مار الياس المعروف بالكوكب، وقد استغرقت مدة السير من تبنة الى هذه الخربة حوالي ساعة وخمس وعشرون دقيقة 

لقد كان موضوع هذا الدير محط بحث وتدقيق الكثيرين، وذلك لمعرفتهم عنه من خلال المصادر التاريخية، وخصوصاً من خلال تلك المخطوطات القديمة للانجيل والتي عرفت بالمخطوطات السريانية الفلسطينية او الاورشليمية، والتي قام بكتابتها الراهب الياس العابودي ابن قرية عابود، وعندما كان يأتي الباحثون الاوروبيون الى القرية للسؤال عن موقع هذا الدير لا يجدون جواباً، اما انهم لم يفهموا على السكان، او ان السكان لم يفهموا قصد هؤلاء الباحثين الاجانب، علماً بأن الذين كانوا يأتون للسؤال كانوا اما كهنة او عن طريق الكهنة،الى ان جاء الاب الفرد عطية Don Alfredo راعي كنيسة اللاتين في عابود في الخمسينات، ولكونه عربي، ولتمتعه بعلاقات قوية مع سكان القرية المسلمين قبل المسيحيين، فقد تمكن من القيام بالبحث والتدقيق وقد عثر على الدير سنة 1959م، حيث قام بسؤال بعض الشيوخ في القرية، عن موقع اثري يقع على بعد 1.5 كم الى الجنوب الشرقي من القرية، باسم دير الكوكب او دير مار الياس، فكان الجواب انهم لم يسمعوا بمثل هذا الدير ولكن الموقع الذي يقول عنه يوجد به خربة تدعى خربة الشيخ ابراهيم، وقد دله اهل القرية الى الموقع والذي يبعد حوالي كيلو ونصف عن القرية قبل الدخول اليها عند المفترق الذي يؤدي الى قرية دير ابو مشعل  القريبة من عابود، وعند البحث في الموقع الذي يشغل مربعاُ يقدر طول ضلعهُ بحوالي 70م في انحدار الى الشمال والمليء اليوم باشجار الزيتون التي تملاء المنطقة عاد الاب الفرد عطية الى تقارير البحث التي كتبها Guerin وغيره مثل الباحث Noldeke فتبين ان الباحثين يذكرون ان دير الكوكب موجود اليوم في موقع معروف بين السكان باسم خربة الشيخ ابراهيم، وهكذا تبين انه الدير الذي كان يبحث عنه . 

اذاً من خلال سير الباحث Guerin من منطقة تمنه او تبنه باتجاه الشمال الغربي ليصل الى عابود وكان هذا في القرن الماضي ما بين سنة 1863-1870م ومن خلال البحث الذي قام به الاب الفرد عطيه في الخمسينات من هذا القرن، أي بعد ما يقرب من قرن من الزمان بين رحلة الباحث Guerin واكتشاف الاب الفرد عطيه للموقع، وغيره من الباحثين، فقد تم بعد كل هذا تحديد مكان الدير الذي يقع على بعد كيلو ونصف الى الشرق من عابود على مفترق الطريق المؤدي الى قرية دير ابو مشعل Dair Abu-Mashalوالتي اطلق عليها الصليبيون اسم Beifort.

هناك الكثير من الاحجار المتناثرة في المنطقة، اذ ان المنطقة عبارة عن سفح جبل، حيث يسهل تدحرج الحجارة من على السفح مع مرور الزمن، وهناك بعض اجزاء من الجدران هنا وهناك، وبعض اساسات الجدران في اماكن متعددة اخرى، وقد اكتشف الباحثMilik اثناء حفريات قام بها في المنطقة في الستينات من هذا القرن، عن اساسات برج طوله 10م وعرضه 7م وارتفاعه مترين، ويؤدي اليه ممر مبلط يبدء من البرج ويستمر الى اساسات كنيسة قديمة، وجدران منتشرة هنا وهناك على الطراز البيزنطي وطراز لاحق، كما ووجد في المنطقة ارضيات فسيفسائية، ولكن بسبب انتشار حجارة البناء في منطقة واسعة نسبياً تقدر بمربع طول ضلعه حوالي 70م، فهذا يؤكد ان الدير لم يكن صغيراً، وهناك من يقول ان بعض حجارة الدير قد نقلت واستخدمت في بناء كنيسة العذراء مريم المعروفة بالعابودية في القرية .

لقد اعتبر معظم الباحثين هذا الدير من ضمن اديرة وكنائس القرية نظراً لقربة الشديد من عابود ولاهميتة الكبيرة في المنطقة، ولان مؤسس هذا الدير هو الراهب الياس الذي هو من القرية موضوع البحث، اضافة الى ذكرة في المصادر التاريخية، وتحديداً فأن رهبانه عندما كتبوا او نسخوا الانجيل وكتب اخرى فأنهم وضعوا اسم بلدتهم في نهاية المخطوطة، واكدوا انتمائهم اليها .

قام الراهب الياس بتأسيس دير مار الياس او ما يسمى بدير الكوكب فيما بعد سنة 1030م تقريباً، وذلك بعد عودتة من انطاكيا اهم المدن المسيحية القديمة، اذ حصل هناك على اذن بأن يقوم بنسخ الكتاب المقدس وهذا الاذن لا يعطى الا لمن كان يجتاز فترة من التدريب والاختبار، وان يكون في محل ثقة كبيرة، لهذا فقد قضى اكثر من عشرين سنة في دير بمنطقة الدوق Duke بالجبل الاسود وترهبن على يدي الراهب موسى، وقد ذكر في نهاية كتابتة لمخطوطة آرامية للانجيل “انا الاب الياس الكاهن، بعد ان تم تكليفي من الاب موسى، اعلن انني قد قمت بنسخ الاناجيل وكتب الاحتفالات بالقيامة وكتب الخدمات الدينية الستة التي كانت مستخدمة في الكنيسة المقدسة، وكتب اخرى معينة كنت قد احضرتها معي من انطاكيا -بعض هذه الكتب كانت باللغة العربية- حتى توضع في دير مار الياس المعروف بالكوكب الذي كنت قد اسسته وبنيته بيدي ” ويقول الراهب الياس ايضاً في نهاية مخطوطة اخرى ” انا الاب الياس الكاهن كنت مسؤولاً عن انشاء دير مار الياس الذي عرف بدير الكوكب والذي كان مليء باشجار الزيتون والخروب وغيرها، والذي كان فيه مجموعة من الرهبان، هؤلاء جميعاً وانا من عابود ” وقد كان الدير نشيطاً ومؤثراً في المنطقة لقرون عدة حيث كان اهل القرية يرسلون ابنائهم الى الدير ويشجعونهم على الالتحاق بالرهبنة، وتذكر لنا سجلات الحجاج الذين كانوا يتوافدون على فلسطين، انهم كانوا يزورون الاديرة والرهبان ويجالسونهم ويتبادلون الحوار معهم، واستمر هذا في الفترة ما قبل الحروب الصليبية، حيث ان هؤلاء الحجاج يؤكدون على ازدهار الرهبنة وبقاء الاديرة مزدهرة وتستقبل الزوار لغاية تلك الفترة وكما ذكرت سابقاً فمن ضمن من زار فلسطين من الحجاج كان الحاج الفرنسي Arculf وغيره، وذلك سنة 670 ومكث فيها 9 اشهر، وكان هذا بعد الفتح الاسلامي بحوالي 30 سنة حيث نرى من كل هذا اهمية الاديرة في موضوع الحج المسيحي الى الاراضي المقدسة وخصوصاً دور هذه الاديرة فيما قبل الحروب الصليبية، وتعد اليوم كتابات مذكرات الحجاج مرجعاً مهماً من المراجع التي تتحدث عن فلسطين في حقبات زمنية مختلفة .

هناك ذكر لرهبان آخرين كانوا في الدير، حيث نجد توقيع لراهب من رهبان الدير في نهاية مخطوطة للانجيل قد كتبت سنة 1104م، وهذا التوقيع باسم الراهب مفرج بن ابو الخير العابودي، وهو عبودي الاصل وقد ترهبن في دير القديسه كاترين في صحراء سيناء وقد قام بنسخ الانجيل هناك ، اما في القرن الثالث عشر فقد ورد اسم راهب آخر من عابود في نهاية مخطوطة آرامية للانجيل كتبت في القاهره، وترجمت الى اللغه العربيه فيما بعد وقد وقع الكاتب باسم الشماس سرور بن الشماس عبد المسيح بن جورج بن سعيد بن خويك العابودي اما اهمية هذه المخطوطة فهي قد توضح لنا استمرارية السكن في الدير لغاية القرن الثالث عشر.

وهناك رواية شفوية متناقلة بين الناس تقول ان الدير تعرض لحادث اعتداء ادى الى ذبح جميع الرهبان في الوادي المجاور والذي يسمى ” وادي الخنق ” حيث يقول البعض ان رؤوس الرهبان كانت ترى على جوانب الطريق، وتقول الرواية ان احد سكان القرية جاء الى المنطقة بعد المذبحة ووجد ان الدير قد تهدم تماماً وقد وجد رأس احد الرهبان على الطريق فوضعه فوق صخرة عالية على جانب الطريق، ولهذا فقد دُعيت المنطقة باسم رأس قسيس نسبة الى هذا الرأس الذي وضع على الصخرة حيث دُعيت المنطقة باسم راس قسيس .

 وصف الباحثين : لم يجد الاب الفرد عطيه عندما زار الموقع اول مرة الا ما تبقى من بعض الجدران والاسوار القديمة، ذات الطراز البيزنطي والعصور اللاحقة، والمترامية بين اشجار الزيتون، ثم قام فيما بعد بالكشف عنه الاب Milik الذي، قام بحفريات اثرية غير موثقة في المنطقة حيث انه كان يهدف من الحفرية، ان يتاكد من ان الموقع هو بالفعل موقع دير مار الياس، وقد كشف عن ارضيات فسيفسائية مدمرة، واهم ما تم الكشف عنه هو اساسات لبرج ابعاده 7م-10م وله باب من الجهة الجنوبية، ويصل ارتفاع ما تبقى منه اليوم الى المترين، اما حجارة البناء فيصل ارتفاعها ما بين 51.68سم – 42سم  ثم الكشف عن ممر يؤدي الى باب مبلط بحجارة كبيرة مثل عتبات الابوبوهذا الممر يؤدي من الناحية الاخرى الى الكنيسة التي قام الراهب الياس ببنائها بمساعدة سكان القرية وهي ذات طراز بيزنطي متأخر، ومتأثر بالطراز الاسلامي في البناء وخاصة الارضية الفسيفسائية الموجودة فيها، الا ان مشروع الحفرية التي قام بها الباحث Milik لم يكتمل اذ لم تكن حفرية بالمفهوم الذي نعرفه اليوم.

 الوصف الحالي : بعد زيارات متعددة للموقع وما حوله من مواقع مثل خربة سرور التي تقع على راس الجبل المقابل للجبل الذي يقف عليه دير مار الياس من الجهة الشرقية   ووادي الخنق الذي يقع ما بين الجبل الذي تقع عليه خربة سرور والجبل الذي يقع عليه الدير، اذاً حول الدير يوجد هذه الثلاثة اماكن المعروفة للسكان، ويقع الدير بينها جميعاً، ايضاً فان موقع الدير ياتي بعد تفرع الطريق الرئيسي المؤدي الى القرية الى قسمين، الى اليمين ويؤدي الى قرية عابود والى اليسار المؤدي الى قرية دير ابو مشعل  وعلى بعد اقل من 50م على يسار الطريق المؤدية الى قرية دير ابو مشعل توجد هناك اثار دير مار الياس .

المنطقة اليوم مليئة باشجار الزيتون، وهذا ما كانت عليه المنطقة قديماً عند تاسيس الدير حيث يذكر هذا الراهب الياس العابودي في نهاية مخطوطة قام بكتابتها، وعند التجول في المنطقة وعلى محاذاة الشارع الرئيسي نجد اشارات مختلفة من ان المكان عبارة عن موقع اثري، اذ تمتلىء الارض بقطع الفخار المختلفة الاستخدام والعصور مع ان الغالبية العظمى منها هو فخار مخطط عرضياً ذو طابع بيزنطي صرف، كما ويوجد الكثير من مكعبات الفسيفساء، اما المنطقة المحاذية للشارع الرئيسي فهي مليئة بمخلفات مناشير الحجر التي تنتشر في القرى الشمالية الغربية من رام الله، وهذه المخلفات تجعل الارض بيضاء وكان كمية كبيرة من الشيد قد القي بها وتغطي هذه الكمية الكبيرة مساحة ليست قليلة من الارض التي تعتبر من اراضي الدير المذكور، ولكن عند التجوال في المنطقة وعلى سفح الجبل وبعد النزول قليلاً من القمة الى السفح من الجهة الشرقية، يظهر للعيان مجموعة من الاحجار التي من الواضح انها كانت احجار بناء، وان هناك اجزاء من جدران هنا وهناك  وحجارة الجدران تشير الى انها متقنة الصنع والبناء  وعلى بعضها زخارف بسيطة كنت قد رايت مثلها في دير القديسة برباره في قرية عابود، وتتلخص هذه الزخارف بوجود بروزات حجرية في وسط حجارة البناء تبرز بنسب متفاوتة، وبعضها ياخذ الشكل المربع او المستطيل وبعضها الاخر ياخذ الشكل الدائري، ولها اطار في الحجر نفسة بحيث يجعل من الحجر اكثر جمالاً  والجدار الاكثر وضوحاً في المنطقة يقع في المنطقة الشمالية من ارض الدير وهو ذو ارتفاع 1,60م وعرضه (شرق-غرب) يصل الى 2,50م وهو مكون من اربع مداميك من الحجارة المتقنة البناء، اما من الجهة الغربية منه فيشكل زاوية لبناء، والظاهر من هذا الجدار 14 حجر بناء بينهم 7 اشكال زخرفية بموجب النمط الذي اورته سابقاً  .

نتائج حفريات الأب ملك :

قد كشف الباحث Millik عن الكنيسة الرئيسة التي كانت في الدير، اضافة الى برج متوسط الحجم، وممر يصل الكنيسة بالبرج، فبحثت كثيراً في الموقع اليوم علني اجد شيئاً مما ذكر، ولكن كل ما هو موجود اليوم هو اجزاء من جدران وبعض حجارة البناء المتناثرة هنا وهناك والكثير من قطع الفخار ومكعبات الفسيفساء، ولكن من الممكن ان اجزاء الجدران الموجودة في المنطقة هي اجزاء من بناء الدير، ويشير الباحث Millik ايضاً الى ان الموقع لم يدرس دراسة علمية، ابداً وهو بحاجة ماسة الى البحث والدراسة الموجهة، اذ ان اقامة مشروع حفرية اثرية في الموقع بات امراً غاية في الاهمية، فقد وجدت في اكثر من مكان في الموقع حفر لسارقي الاثار وهم يحاولون البحث عن امور قد يكسبون منها اموالاً، لهذا فحفرية في المنطقة قد تقطع الطريق على هؤلاء، وفي الوقت نفسه تضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بتاريخ هذا الموقع المهم .

Print Friendly, PDF & Email