كنيسة المهد

 

منذ القرن الثاني الميلادي على الأقل، اعتقد الناس بأن المكان الذي تقع عليه كنيسة المهد حالياً هو مكان مولد يسوع المسيح. ويعتقد بأن المغارة التي بنيت عليها الكنيسة هو المكان الذي وُلد في داخله يسوع المسيح، وبهذا يُمثل إيجاد كنيسة المهد بدايات الديانة المسيحية والمكان الأكثر قدسية في المسيحية. وتعتبر أول موقع تاريخي في فلسطين يتم إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي في الأمم المتحدة، كما أنها مدرجة قائمة التراث العالمي المهددة بالخطر.

وتم البدء بإنشاء الكنيسة الأولى “كنيسة قسطنطين”، بناء على طلب القديسة هيلانة وبرعاية ابنها الامبراطور قسطنطين الأول عام 326م. لكنها دمرت على يد السامريين عام 529م. أما الكنيسة الحالية فبناها الامبراطور جوستنيان في منتصف القرن السادس الميلادي لتحل محل الكنيسة الأولى. ورغم كل التغييرات التي حصلت لاحقاً لا زالت كنيسة المهد التي تعتبر أقدم كنيسة في التاريخ المسيحي موجودة حتى يومنا هذا. 

منذ العصور المتوسطة، دُمجت الكنيسة في مجمع مباني كنسية أخرى، خاصة الأديرة؛ لهذا السبب تتميز الكنيسة اليوم بمظهر عمراني غير عادي يشرف عليها أعضاء من الكنيسة الأرثوذكسية، وكنيسة فرنسيسكان وكنيسة الأرمن بالشراكة وفقاً لوثيقة الوضع القائم الذي أفرزته اتفاقية برلين التي وُقعت سنة 1878.

كانت مدينة بيت لحم وكنيسة المهد على مدار الألف وخمسمائة سنة الماضية وحتى وقتنا الحاضر مزاراً للحجاج حيث دأبوا على القدوم من الجهة الشرقية للطريق التقليدي من مدينة القدس إلى الكنيسة، ويعرف هذا الطريق اليوم رسمياً بشارع الحجاج.

بنيت كنيسة جوستنيان عام 533 ميلادي، وتم تكريسها للسيدة مريم. وعند استبدال كنيسة قسطنطين المدمرة، تم وضع الهيكل فوق مغارة المهد كما في كنيسة قسطنطين، ويوجد في الكنيسة أيضاً قبور القديس جيروم، والقديس بولس، والقديس إييستوشيوم تحت الجناح الشمالي للكنيسة، إضافة إلى مغارة الأبرياء القديسين تحت جناحها الجنوبي.

سمح إعادة بناء كنيسة المهد بإصلاح الأخطاء المتأصلة بهيكل كنيسة قسطنطين. ورغم عدم إحداث تغير كبير على صحن الكنيسة، ألحق رواق في النهاية الغربية للكنيسة ما أدى إلى انقسام الدهليز. وفي النهاية الشرقية لها، تم إزالة الهيكل الثماني واستبداله بثلاثة أروقة تلتقي عند طريق واحد. ساعد هذا التخطيط في إزالة الصعوبات التي وقفت في طريق تنظيم احتفالات دينية، وأصبح ممكناً وضع هيكل ومذبح في الكنيسة وتأدية مناسك دينية. كما أصبح ممكناً أمام الحجاج المهتمين بزيارة المغارة وليس فقط الصلاة بالكنيسة الدخول إليها من تحت الجناح الشمالي ومغارة الأبرياء القدسين تحت الجناح الجنوبي

مدخل الكنيسة:

كان للكنيسة ثلاثة أبواب عالية، تم إغلاق البابان الشمالي والجنوبي منهما. أما الباب المركزي للكنيسة فهو باب صغير جدا الموجودة في واجهة الكنيسة الغربية، والذي تم تصغير حجمه أول مرة خلال القرن الثاني عشر. وفي المرة الثانية تم تصغير حجمه خلال فترة المماليك والعثمانيين لمنع الخيول من الدخول إلى الكنيسة عام 1500م.

السقف:

يحوي السقف 17 رافداً خشبياً بشكل طولي، و12 ممراً جانبياً ودعامة لدعم صحن الكنيسة، والرواق الشرقي. ويوجد عشرة روافد إضافية للأروقة الشمالية والجنوبية. وأما خشب السقف الموجود فيعود لسنة 1842 حيث أجريت بعض الإصلاحات. ويتكون السقف والأجنحة العلوية للرواق المركزي من الواح خشبية مغطاة بالحديد السميك ومدعمة من أسفل بعدد ضخم من الروافد الأفقية. فهي مستقرة على عوارض مدعمة تلتقي نهاياتها بواسطة عوارض مدعمة بأساور خشبية مثبتة بالجدران. وتم تجريد السقف عام 1670 من الرصاص ليستخدم في تصنيع الذخيرة وبالتالي أصبح هناك حاجة ملحة للتصليح مرة أخرى، وعملت كنيسة الروم الأرثوذكس على عملية إصلاح الخلل وانتهزت الفرصة لوضع لوحة فنية من الخشب. وفي هذه المرة، تم استيراد الخشب من اسطنبول والنجارين من خيوس ومدينة ميتيليني اليونانية.

وبعد عام 1670، تم إصلاح السقف مرتين، الأولى عام 1842 عن طريق كنيسة الروم الأرثودكس والأخرى عام 1990 حيث قامت بالعمل السلطات العسكرية الإسرائيلية. ورغم الإصلاحات الحديثة نسبياً، صنفت كنيسة المهد عام 2008 على أنها واحدة من مئة موقع مهدد في العالم.

لم يتم تجديد خشب السقف منذ القرن التاسع عشر، حتى عام 2014، حيث بدأت عملية إعادة ترميم سقف الكنيسة بعد أن تم توقيع اتفاقية وبين رؤساء الكنائس الثلاث التي لديها حقوق الملكية والتصرف حسب الوضع القائم في الكنيسة وهي بطريركية الروم الأرثوذكس وحراسة الأراضي المقدسة وبطريركية الأرمن الأرثوذكس، تحت رعاية السلطة الوطنية الفلسطينية.

أعمدة كنيسة المهد:

الأعمدة الكورنوثية في الكنيسة مصنوعة من الحجر الوردي المستخرج عادةً من محاجر بيت لحم. وحسب ر.و. هامميلتون، يتم جلي الحجر كي يبدو كالرخام. ويعتقد بأن راسيات كورنوثية وقواعد الأعمدة تعود لكنيسة قسطنطين التي قطعت وأعيد استخدامها من قبل جوستنيان في القرن السادس.  وأظهرت الحفريات التي أجريت عام 1933 بأنه لم يكن لكنيسة قسطنطين أكثر من 36 عمود بينما يوجد لكنيسة جوستنيان 46 عمود إضافةً إلى 4 اعمدة في الزوايا.

جدران صحن الكنيسة والموزيياك المزين لها

يحوي الحائط الشمالي الجنوبي من صحن الكنيسة 11 نافذة مقوسةً ونصف دائرية، والنافذة الواقعة في النهاية الشرقية مغلقة من الجانبين، أما بقية النوافذ فتسمح بدخول الضوء الطبيعي الى الكنيسة بحيث يوجد في كل حنية أربعة نوافذ، إثنين على كل جانب.

ويمكن مشاهدة بقايا الموزاييك التي غطت الجدارين خلال حقبة الصليبيين بكل وضوح حيث صورت الموزاييك الظاهرة على الواجهة الجنوبية سبعة مجامع مسكونية وتلك على الواجهة الشمالية ستة مجامع مكانية للروم الأرثوذكس.

وعلى الحائط الغربي يشاهد الناظر شجرة عائلة المسيح التي تظهر صور جميع الأنبياء الذين تحدثوا عن مجيء يسوع المسيح، إضافةً إلى الوثني سيبل الروماني وبلعام وحماره. وأما موزاييك الحائط الشرقي للكنيسة خصصت لمشاهد من العهد الجديد. وعلى الحائط الغربي يشاهد الناظر شجرة عائلة المسيح التي تظهر صور جميع الأنبياء الذين تحدثوا عن مجيء يسوع المسيح، إضافةً إلى الوثني سيبل الروماني وبلعام وحماره. وأما موزاييك الحائط الشرقي للكنيسة خصصت لمشاهد من العهد الجديد.

بينت الحفريات التي أجريت داخل كنيسة المهد عام 1935 وجود مصطبة موزاييك تحت صحن الكنيسة والممرات الموجودة والتي تعود للفترة الواقعة بين كنيسة قسطنطين وكنيسة جوستنيان، أي القرن الخامس، ويوجد في داخلها الكلمة اليونانية IXΘYC والتي تعني بالعربية (سمكة). ويضاف إلى ذلك انها غنية بالرموز التي تعود إلى المسيحية. ويعتبر منذ الحقبة البيزنطية حتى الان Chi-Ro من الروائع الموجودة على صفائح الموزاييك، وهذا يدل على أن الموزاييك موجودة قبل عام 427 عندما منع الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني استخدام الرموز المسيحية على المصاطب.  

تعتبر الأيقونات الموجودة في كنيسة المهد الأفضل من بين الأمثلة على الفن الموجود في مملكة القدس منذ حقبة الصليبيين. ويشار هنا إلى أن أغلبية الأيقونات الموجودة على الأعمدة تمثل قديسين ذكور مع عدد قليل من القديسات الإناث اللواتي عشن وتوفين في فلسطين. وتشمل هذه الرسومات القديس ساباس، والقديس ثيودوسيوس والقديس يوثم.

وتعود هذه الأيقونات بالتاريخ إلى الفترة الواقعة بين 1165-1169 حيث عمل الصليبيون على إعادة ترميم الكنيسة. ويعود بعضها للعام 1130 وأخرى للقرن الثاني عشر

أحرق عدد من الأيقونات سنة 1896 ولكن عملت كنيسة الروم الأرثوذكس على إعادة ترميمها حيث أعادة تركيب أو ترميم الأيقونات المثبتة باللوحة.

واهم الأيقونات الموجودة في الكنيسة أيقونة العذراء مريم حيث أنها أيقونة ملكية تعود للقرن السابع عشر وتنسب لفنان كاثوليكي عربي غير معروف. ربما يكون فنان محلي تدرب في حلب أو أنه حلبي سوري. وهذه الأيقونة هي من أقدم الأيقونات المعروضة في الكنيسة غطيت في القرن التاسع عشر بقماش فضي ونقش قليل البروز.

 

Print Friendly, PDF & Email