حول صناعة “المسيحيين” في إسرائيل

يبدو الأمر أكثر جديّة هذه المرّة. المؤسسة الإسرائيلية مجندة، الحكومة، الصحافة، أعضاء في الكنيست، وربما الأكثر أهمية: المروّجون العرب لمشروع فصل العرب المسيحيين عن شعبهم، والذين يعلنون الأمر صراحة، يرفعون رؤوسهم بثقة، ووقاحة جديدة – قديمة لتنفيذ هذا المشروع. ملامح هذه الجديّة تظهر مثلًا في فعاليات ما يسمى “منتدى تجنيد المسيحيين”، في مشروع القانون الذي يحضّره رئيس الائتلاف الحكومي في الكنيست، يريف لفين، والقاضي بإعطاء امتيازات خاصة “للمسيحيين” عن “المسلمين”.

الجدّيّة الظاهرة على المؤسسة وأذرعها، تتطلّب من الفلسطينيين في الداخل وقفة جدّيّة وصارمة، وتتطلب تطوير خطاب قوي ومتنبّه. قوي وواثق في النبرة، ومتنبّه لنوعية ومضمون وشكل الخطاب المطروح. فلنلقِ نظرة على الأسماء التي تطرحها بعض المجموعات الوطنية المتشكلة على نفسها: حملة مناهضة “تجنيد المسيحيين العرب”، “لا لتجنيد الشباب المسيحي”. إجراء تتبع قصير للأمر يكفيك لتجد أن التسمية هي بالأصل ذاتها إسرائيلية، إذ أن من يركّز على ضرورة “تجنيد المسيحيين” هي المؤسسة الإسرائيلية بأذرعها. وإذا ما تتبعنا أهداف هذه التسمية، يمكننا استنتاج أن المؤسسة الإسرائيلية لا تهدف بالدرجة الأولى فقط أن تعزز صفوفها بمئات الشباب المسيحيين العرب، إذ أن مئات المقاتلين الجدد لن يرجحوا الكفّة لصالح جيش الاحتلال الإسرائيلي أمام أي أحد. تهدف المؤسسة الإسرائيلية بهذه التسمية، أولًا إلى صناعة جماعة جديدة في إسرائيل اسمها “المسيحيون”. هي تريد أن تخلق هذه الجماعة لتسهل على نفسها التعامل مع الفلسطينيين في الداخل، ليتحولوا من شعب وجزء من أمة إلى مجموعة طوائف. فلنتذكر، حاليًّا، فقط على مستوى التسمية، كم استطاع المشروع التأثير علينا: كم مرة استعملنا مصطلح “المسيحيون العرب”، مقارنة بما كنا نستعمله قبل طرح المشروع.

ليس الاستعمال اللغوي للكلمات أمرًا عابرًا؛ للغة القدرة على بناء العالم، ولولاها لما تعرفنا وأسمينا الأمور من حولنا، واللغة هي إحدى الأدوات التي يستعملها المستعمر لبناء واقع جديد، فيعطي أسماء لظواهر سياسية ولمجموعات معينة ونحن نتلقفها. إذا كان المحتل يريدنا أن نستعمل لغته، ونحن ندرك ذلك، ونحن ندرك أن اختياره لمصطلح “تجنيد المسيحيين” ليس صدفة، بل بهدف بناء واقع جديد يصبح “المسيحيون” أو “المسيحيون العرب” وفقه جماعة بحد ذاتها، فإنه من الجدير بخطابنا المعارض أن يرُد بحملة تستعمل مصطلحات الحركة الوطنية الفلسطينية، مثلا: “حملة مناهضة تجنيد الفلسطينيين العرب للجيش الاحتلال الإسرائيلي” أو “حملة مناهضة سياسة التفرقة”.

من المهم الانتباه إلى الخطاب الذي بدأت تستعمله بعض المجموعات الوطنية وخاصة المحلية (وهنا لا بد من التأكيد على أن المقصود في المقال هي بعض المجموعات وليس كلها)، مثلًا يجب ان لا يكون الخطاب الحصري هو أن “الإسرائيليين هدموا الكنائس، لذلك يجب أن نكون ضد فرض الخدمة العسكرية على المسيحيين العرب”. هذا الخطاب قد يكون مشتقًّا من الخطاب الإسرائيلي الطائفي – النفعي (من المنفعة) المستعمل لجذب الشباب المسيحيين العرب للخدمة العسكرية. استخدام هذا الخطاب الخطير يعتبر لعبًا في ملعب المؤسسة، ووفقًا لقواعدها، وهي برأيي لعبة خاسرة بالضرورة. بمعنى أن القبول بالإجابة على سؤال “ما الأفضل للمسيحيين؟” يخسرنا المعركة قبل أن تبدأ، إذ أننا نقبل الافتراض أن للمسيحيين العرب مصلحة مشتركة، وأنّهم جماعة هوياتيّة، بينما يفترض أن يكون خطابنا مبنيٌّا على المصلحة الجماعية والهوية القومية – الوطنية المشتركة للفلسطينيين، على اختلاف انتماءاتهم الدينية، بصفتهم شعبًا في هذه البلاد. قبولنا للرد على سؤال “ما الأفضل للمسيحيين؟” يوصلنا، إذن، إلى قبول الافتراض أن هذه الجماعة يجب أن تبحث عن مصالحها ضمن مجموعة الاقتراحات الموجودة في السوق؛ ما يعيدنا إلى سؤال: هل الأفضل للمسيحيين “الصهاينة الطيّبون الديمقراطيون اللطيفون، أم العرب الذين يقتلون بعضهم البعض على الهويّة”؟

معارضة خدمة الشباب العرب، على اختلاف انتماءاتهم الدينية، في الجيش الإسرائيلي، يجب أن تكون مبنية، في الدرجة الأولى على أنهم جزء من الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وأنهم لن يخدموا في جيش تابع لنظام استعماري عنصري يقمع شعبهم، وأن هذا النظام هجّر شعبهم وذبحه واحتلّ أرضهم، ومارس أبشع أنواع احتلال الأراضي وهدم القرى، بما فيها من بيوت وكنائس وجوامع.

الحملة ضد التجنيد فرصة لتعزيز الهوية الوطنية

صحيح أن واقعنا صعب، حيث أن الخطاب الوطني لا يلقى آذانا صاغية بجانب أجزاء من أبناء شعبنا، لكن علينا أن نعي أن المعركة طويلة الأمد، وتحتاج لنفس طويل. لذلك يجب أن يبدأ الحراك بوضع الأساس الفكري والخطاب المعارض للمخطط، ومن ثم يبحث في كيفية التطبيق بما يتلاءم مع الواقع. هكذا بنيت الكثير من أحزابنا، وحملاتنا الوطنية، ولنتذكر مثلاً الحملة لمناهضة الخدمة المدنية، التي تواجه نفس ظروف الوعي المجتمعي، وضعت الخطاب الوطني أولاً وجعلته الخطاب المركزي، ومن ثم تطرقت إلى أن الخدمة المدنية غير مجدية اقتصادياً، ولم تتعامل سلباً مع من يقف ضدها لأنها محرّمة دينياً، خصوصاً حين استعمل الدين في السياق الوطني. إذا، ليس في هذه الأسطر دعوة للحراك الوطني لنبذ ومقاطعة من يناهض الخدمة العسكرية لأسباب دينية، أو اقتصادية، أو اجتماعية والخ… بل هي دعوة لطرح الخطاب الوطني بقوة وجعله الخطاب المركزي.

وضع الخطاب الوطني – القومي كإطار للخطاب المناهض للخدمة، يمكن من الإجابة على كثير من الأسئلة والتحديات، مثلاً، كيف سنرد على الخطاب الإسرائيلي الذي يسعى لإثارة النعرة الطائفية من خلال استغلال وتهويل ما يجري في الوطن العربي، ومن خلال دعاية “انظروا كيف يقتل المسلمون المتطرفون المسيحيين”؟ أي خطاب “واقعي” سيرد على هذه الادعاءات؟ هل نملك سوى خطابنا القومي لنرد؟ هل نملك سوى أن نقول: مشكلة التطرف في الوطني العربي لها أسباب ذاتية، صحيح، لكن لها أسباب خارجية متعلقة بدور إمبريالي غربي. كيف سنرد، دون أن نقول إن مشكلة الطائفية تفاقمت بشكل كبير إثر الحرب على العراق وتدمير الدولة العراقية، وإن أحد أهداف هذه الحرب كانت تفتيت العراق وما حوله طائفيًّا، وتفكيك نسيجه الاجتماعي. كيف سنرد، إن لم يكن بالتأكيد على أن الحركات التكفيرية المتطرفة هي بكثير من الحالات نتاج للاستبداد والقمع الذي هو مشكلة عربية، بالتالي فإن مشكلة التطرّف تعالج بين أفراد البيت العربي/ الفلسطيني الواحد، وليس بالاستعانة بالعدو.

معركة منع التجنيد ليست المعركة الوحيدة، وهي متشابكة مع معارك اخرى لشعبنا، منها المعركة على الحفاظ على الوعي. هاتان معركتان متوازيتان ومتكاملتان. لذلك، وبالذات الآن، في أوج حملة مناهضة التجنيد، يجب استغلال الفرصة لطرح الخطاب الوطني وبناء الهوية القومية، لأن الهوية الوطنية هي السياج، وهي بالضبط النقيض للهوية الطائفية. نذكر، أننا لسنا بصدد “مسألة مسيحية” في فلسطين، ولسنا بصدد كارثة تهدد النسيج الوطني والاجتماعي كتلك التي حدثت في العراق وسوريا، وأننا لسنا أمام حالة متقدمة من التجنيد، كتلك التي وقع في شباكها العرب الدروز، بحيث تتشكل صعوبة لخلق خطاب وطني عروبي. هذه المرة، الهجمة ما زالت في بدايتها، وعينا الوطني أكثر عمقاً وتوسعاً وبنيتنا المجتمعيّة أقوى.   

Print Friendly, PDF & Email