قراءة موضوعية في أحداث الأيام الأخيرة وتداعياتها

كثيرا ما يردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الأيام ادعاءه بأن إسرائيل لم تقم بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى/ جبل الهيكل وأن لا صحة للإدعاءات الفلسطينية بهذا الصدد.

ولإنعاش ذاكرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أذكره بأنه حتى عام 2000 لم يكن اليهود يدخلون الى المسجد الأقصى وأن الدخول الى المسجد كان يتم ومنذ عام 1967 بموافقة دائرة الأوقاف الإسلامية التي كانت تسمح للسياح بدخول المكان في ساعات معينة تحددها هي وبموجب تذاكر يشترونها واستمر هذا الترتيب طيلة سنوات الإحتلال إلى أن بدأت السلطات الاسرائيلية تتدخل وتقوم بإدخال الزوار اليهود بحجة أنهم موظفون وشخصيات رسمية ، ثم توقف بيع التذاكر من قبل الأوقاف ، واستمرت إسرائيل في تلك السياسة مع التعمد بفرض تزايد مضطرد في عدد الزوار اليهود وتوسيع نطاق دائرة من يقومون بالزيارة ، إلى أن أصبح الدخول غير مقتصر على الرسميين واصبح متاحا أمام الجميع من اليهود ، ثم بدأت تخصص لهم ساعات معينة في الصباح وهو ما أسماه البعض بالتقسيم الزماني ورأوا فيه تمهيدا للتقسيم المكاني. ثم زادت وتيرة الزوار اليهود وازداد تعالي الأصوات اليهودية التي تطالب بإعادة بناء الهيكل مكان قبة الصخرة المشرفة ولم تقتصر هذه الأصوات على أناس عاديين بل كانت من بينها أصوات أعضاء كنيست ووزراء في حكومة نتنياهو من البيت اليهودي والليكود.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن تغييرا ً جذرياً قد حدث في توجهات المجتمع الإسرائيلي فبعد أن كان الحديث عن إعادة بناء الهيكل يقتصر فقط على جماعة هامشية ، أخذ نطاق هذه الجماعة يتسع وحصلت عملية تطبيع لهذه الدعوة في أوساط المجتمع الإسرائيلي فزاد التعاطف معها وأصبحت تلقى هوى لدى شرائح واسعة من الإسرائيليين لا تقتصر فقط على المتزمتين المتدينين القوميين وإنما العلمانيين منهم أيضا ، الذين يرون في جبل الهيكل رمزا للسيادة القومية ، لأن الحركة الصهيونية تقوم على أساس أن الدين اليهودي ليس دينا فقط وإنما هو قومية وبالتالي فإننا نرى يهودا متدينين ويهودا يصفون أنفسهم بالعلمانيين غير المتدينين وكلا الطرفين ينظران بنفس النظرة للمكان. وأستطيع القول بأن المشكلة ليست مع المتدينين ولكن مع الذين قاموا بتسييس الدين.

ولفهم أبعاد هذه المشكلة لا بد من الإشارة إلى أن المكان المقام فيه المسجد الأقصى والمسمى جبل الهيكل هو من أقدس الأماكن لدى اليهود ولكن الموقف التقليدي لهم طيلة القرون الماضية هو أنهم لا يعترفون بالسيد المسيح عيسى بن مريم ويعتقدون بأن المسيح لم يأت بعد وأنه سيأتي وسيقيم الدولة اليهودية في كل العالم وأنه سيعاد بناء الهيكل الثالث مكان المسجد الأقصى الموجود حاليا ً. وكان حاخامات اليهود وعلى مدى القرون الماضية يرفضون الدخول إلى ساحات المسجد ويرون في ذلك خطيئة . وأذكر أن أحد حاخامات حزب يهدوت هتوراه قال لي في يوم من الأيام بأنه بالنسبة لهم لا يجوز لليهودي أن يُدخل أصابعه بين حجارة حائط المبكى إذا ما أراد أن يضع ورقة بينها فكيف الدخول للمكان!

ولكن هذا الموقف بدأ يتغير في السنوات العشرين الماضية في الأوساط اليهودية الأخرى ، فظهرت جماعة أمناء جبل البيت وتزايدت الأصوات المنادية بإعادة بناء الهيكل حتى دون الإنتظار لقدوم المسيح ووضعت التصميمات والمخططات والمجسمات بل وجرت محاولات عديدة لإدخال حجر الأساس إلى ساحة المسجد الأقصى بزعم البدء ببناء الهيكل. وصدرت فتاوى دينية عن حاخامات المستوطنين عام 1996 تدعو اليهود إلى دخول المكان والصلاة فيه وشكل ذلك تغييرا تاريخيا في الموقف الديني اليهودي التقليدي إزاء الدخول للأقصى.

ولقد لاقت هذه الدعوة في السنوات العشر الأخيرة دعما حكوميا رسميا سواء من قبل بعض الوزارات كوزارة التربية والتعليم التي تبنت سياسة تعميم زيارة الطلاب وتلاميذ المدارس للمكان أو الدوائر الحكومية الأخرى التي بدأت تضخ الأموال في برامج وأنشطة التواجد في المكان أو زيارته. وأصبحت الحكومة طرفا مشاركا فعليا في الحملة لتغيير الوضع الذي كان قائما قبل عام 2000 وخلق واقع جديد بحيث أدى ذلك بأن أصبح دخول اليهود لا يقتصر على الزيارة فقط وإنما أداء بعض الطقوس الدينية كلما كان ذلك ممكنا.

ولقد حاولت بلدية القدس مرارا ولا تزال ومعها الجهات الرسمية الإسرائيلية الإدعاء بأن المسجد الأقصى يقتصر على البناء المسقوف وهو المسجد القبلي وقبة الصخرة وأن الساحات والمصاطب هي اماكن عامة يجب أن توضع تحت تصرف وإشراف البلدية ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل حتى الآن بسبب رفض الأوقاف الإسلامية لهذا الإدعاء والإصرار على أن المسجد الأقصى وكما كان على مر العصور يشمل الأماكن المسقوفة والساحات والمصاطب على حد سواء لأنها كلها تشكل جزءا لا يتجزأ منه ، ولأن الصلوات والحلقات الدراسية تُقام على المصاطب والساحات على حد سواء.

وإذا أمعنا النظر فيما يحدث نلاحظ أن هناك سياسة اسرائيلية طويلة النفس تعتمد على عنصر الوقت ، ليست في عجلة من أمرها وإنما تعتمد الأسلوب التراكمي البطيء لتغيير الوضع القائم ، والتعامل مع الواقع المستجد الذي يخلقونه كل يوم بأنه هو الوضع القائم. وهذا هو التفسير الوحيد لأقوال بنيامين نتنياهو بأنه لا يريد تغيير الوضع القائم ، لأن الوضع القائم في رأيه هو الوضع الحالي المتغير عمليا في كل لحظة وبشكل يومي.

لقد شهدت الأسابيع الأخيرة وخلال الأعياد اليهودية المزيد من الإجراءات التي تقيد دخول أو تواجد المسلمين في المسجد كان من بينها منع النساء المرابطات من الدخول للمسجد وتعرض العديد منهن للضرب والتفتيش المهين والإستفزازات وبنفس الوقت تزايد دخول اليهود وقيام البعض منهم بإجراء الطقوس الدينية والصلوات رغم محاولات الشرطة الاسرائيلية منعهم من ذلك وباستحياء ، مما أثار مشاعر المسلمين وخاصة الشباب الذين كانوا يمنعون في نفس الوقت من الدخول للمسجد للصلاة ويرون النساء والفتيات المسلمات يتعرضن للضرب والإهانة.

لقد أثارت هذه التصرفات حفيظة المسلمين وأدت إلى وقوع عملية طعن أولى أعقبتها عمليات طعن عدة لم تكن سوى محاكاة لتلك العملية باستثناء عملية الدهس التي كانت في حجم عملية الطعن الأولى التي أدت الى مقتل اثنين من اليهود في شارع الواد بالبلدة القديمة.

وأقول بأن معظم عمليات الطعن التي وقعت بعد عملية شارع الواد كانت محاكاة لها لأن معظم الذين حاولوا القيام بها كانوا من الفتية أو صغار الشبان وكان من الممكن في جميع هذه الحالات القبض على القائمين بها وتقديمهم للقضاء ولكن السياسة الإسرائيلية التي دعت إلى عدم خروج من يقوم بأية عملية حيا ً منها ، أدت إلى أن بدأت عمليات إعدام لهؤلاء الشبان والفتية تتعارض مع أبسط مبادىء القانون والعدالة القضائية حيث أصبح رجل الشرطة او الحارس أو حتى المواطن المدني الذي يحمل السلاح مخولا ً بالقتل في حالات لا تستوجب القتل بل يشكل القيام بها جريمة تستوجب تقديم من قاموا بها الى القضاء في أي دولة تحترم سيادة وحكم القانون.

والملاحظ هو أن الحكومة الإسرائيلية بدلا من البحث عن الأسباب التي أدت إلى توتير الوضع ومحاولة التعاطي معها من أجل تهدئة الخواطر عمدت الى اسلوب القمع والعقوبات الجماعية التي لن تؤدي الى التهدئة بل الى مزيد من الإحتقان وردود الفعل العنيفة ، كما أنها بدأت تكيل الإتهامات للحركة الإسلامية في الداخل المعروفة بالجناح الشمالي وللرئيس عباس ولحركة حماس بأنهم هم الذين يحرضون على العنف ورفضت الإدراك بأن التصرفات التي يقوم بها المتطرفون اليهود هي السبب الحقيقي والمباشر لتوتير الأوضاع.

وبالإضافة لذلك فقد عمدت هذه الحكومة الى فرض واقع جديد وتحت ضغط وتأثير الجماعات الإستيطانية بقصد إغلاق شارع الواد أمام المارة العرب كما حدث في شارع الشهداء في الخليل علما بأن شارع الواد يشكل عصبا رئيسيا في البلدة القديمة بالقدس وتتفرع منه ثلاثة شوارع جانبية تفضي إلى ثلاث بوابات رئيسية للحرم الشريف وإغلاق هذا الشارع يعني تلقائيا إغلاق المداخل الثلاثة الرئيسية للمسجد الأقصى والإستيلاء على حي الواد بكامله وهذه البوابات هي باب السلسلة وسوق القطانين وباب المجلس (الناظر).

لقد عمدت إسرائيل إلى استغلال ما ذكره الرئيس عباس في خطابه عن قتل الطفل الفلسطيني واتهمته بالتحريض والكذب وشنت حملة دعائية واسعة لتقول للعالم بأن هذا الطفل لم يُقتل وإنما يتلقى العلاج في مستشفى هداسا ، ولكن ماذا بشأن كل الفتية والشبان الآخرين الذين أطلقت عليهم زخات من الرصاص حتى بعد سقوطهم على الأرض وقتلوا بدم بارد فقط لكي لا يخرجوا أحياء من العملية التي قاموا بها !؟

القتل والقتل المقابل لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف الدموي. فمن المستحيل أن تكون المعادلة هي كم من اليهود نستطيع أن نقتل وكم من الفلسطينيين يستطيع اليهود أن يقتلوا وإنما يجب أن تكون كم من الجهد الحقيقي يجب أن يبذل من أجل الخروج من هذه الدائرة المفزغة من العنف والعنف المقابل.

لقد تناقلت وكالات الأنباء أخبارا مفادها أن وزير الخارجية الأمريكي في طريقه للمنطقة وأنه سيعمل على دعوة كل من الرئيس عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى عمان وأنه سيقوم بوساطة بينهم على طريقة مفاوضات رودس !..لا يجمعهم مع بعض وإنما يتنقل بينهم بغية التوصل في نهاية الأمر إلى اتفاق يحقق الحفاظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى وتهدئة الأمور ويضمن توقف القيادة الفلسطينية عن التوجه للمنظمات الدولية وعن طلب محاكمة الاسرائيليين على ما يرتكبونه !

وإذا كان هذا هو القصد من مهمة كيري الجديدة فإن من الأفضل له وحفظا لماء وجهه أن لا يحضر. فإعادة الوضع في المسجد الأقصى إلى ما كان عليه قبل عام 2000 وهو الوضع الذي كان سائدا منذ الفرمان السلطاني التركي عام 1852 لا يتطلب مفاوضات ولا اتصالات مكوكية لأنه أمر لا يجوز المساس به لأن المساس به سيفجر صراعا دينيا ليس بين اليهود والمسلمين فحسب بل وبين الطوائف المسيحية نفسها وعلى اختلاف انتماءاتها.

المسألة هي إنهاء الإحتلال ووقف الإستيطان وإخلاء المستوطنات وتحقيق السلام العادل ، فنحن لسنا بحاجة إلى المزيد من تقزيم القضية وتخفيض سقفها ، ولسنا بحاجة إلى جرعات من المسكنات المؤقتة . نحن بحاجة إلى حل جذري شامل ينهي المشكلة ويحقق السلام للجميع ، وإذا لم يتم ذلك فستشهد المنطقة المزيد من العنف الدموي وسينتقل القرار تدريجيا من يد العقلاء إلى أيدي المتطرفين وعندها لن ينفع أحد عقله مهما توفر له من الإتزان.

(جريدة القدس)

 

Print Friendly, PDF & Email