بئر عونه

أخذت ضاحية بئر عونة، في بيت جالا، التي تتصدر عناوين الأنباء، بسبب الهجمة الاحتلالية الجديدة، عليها، اسمها من بئر قديمة جدًا، ارتبطت بميثولوجيا محلية، تخص السيدة العذراء.

تقع بئر عونة، في وادي جريوس، في مدينة بيت جالا، وكانت لفترة طويلة، المصدر الرئيس لحاجة الأهالي من المياه، وتظهر أثار الحبال التي تربط بدلاء سحب المياه، على حواف فوهتها الصخرية، دليلا على قدمها وكثافة استخدامها.

يقول الشاعر خليل توما، الذي يملك مزرعة صغيرة بجانب البئر: “بدأت علاقتي مع بئر عونة، منذ أن كنت طفلا. في خمسينات القرن الماضي، أذكر بأنني استأجرت حمارا، وعبأت أربع تنكات ماء من البئر، بسبب وجود جفاف في المنطقة، ومعظم الناس كانوا يأتون لبئر عونة خلال الأزمات المائية التي تعاني منها بيت جالا. كانت مياه البئر تحل أزمة المياه في البلدة”.

ويضيف توما، وهو يقف أمام البئر: “بئر عونة، بئر معروفة في المنطقة، تقدرها الناس من عدة زوايا، دينية، وتاريخية، وللاستفادة من الماء، أعتمد على مياه البئر لري الأشجار في أرضي، بلدية بيت جالا ركبت ماتور لسحب المياه، وسهلت الاستفادة منها”.

يصف السكان البئر، بأنها منبع ذكريات بيت جالا، لمكانتها الهامة في حياة الناس الاجتماعية، والدينية، والتاريخية، وترتبط بالنسبة لهم، بالسيدة العذراء، حيث تشير تقاليد، يُعتقد بانها تعود للفترة الصليبية، بان السيدة العذراء مرت من المكان، وهي تحمل الطفل يسوع، هربا من مطارديها، وامتلأت البئر بطريقة عجائبية، لإرواء عطشها وطفلها. ويعتقد الأهالي أن ركبتي المسيح وركبتي ويدي السيدة العذراء، مطبوعات على الصخر حول فوهة البئر.

وبسبب استجابة الله، ومساعدته للسيدة العذراء، أُطلق عليها بئر عونة، أي بئر المساعدة، وفي عام 1867م  بُنيت غرفة حول البئر، للمحافظة على النظافة.

تقول مها السقا، الباحثة في التراث الفلسطيني: “بئر عونة هي عبق التاريخ، تعني الكثير لأهالي بيت جالا، ليس فقط بسبب المياه، ولكن لارتباطها بالسيدة العذراء، التي كانت هاربة من هيرودس مع طفلها، في طريقها إلى مصر، فدعت ان تمتليء البئر بالمياه، فطفحت البئر بالمياه، وليست هذه الأعجوبة فقط التي حدثت هنا، ولكن هناك أعاجيب أخرى مرتبطة بالسيدة العذراء”.

وتتذكر السقا: “بيت جدي قريب جدا من هذه البئر، كانت جدتي تخبرنا كيف كانت النساء يبذلن جهدا من أجل جلب المياه من البئر، للشرب والغسيل والطبخ. كنا ننزل مع عمتي، التي نسكن قريبة من البئر، ونشرب من مياه البئر، وكم نشعر بالسعادة لأننا نشرب من البئر التي شربت منها السيدة العذراء”.

ويقتصر استخدام البئر الان على عدة عائلات تسكن بجانبها، يقول خالد عبد الله محمد عوض الله، احد المستفيدين من مياه البئر: “طول البئر 13 مترا، بالإضافة إلى 3 امتار عمق المياه، تحت بسطة من الحديد في قعر البئر. أعيش هنا منذ 33 سنة،  تستفيد من مياه البئر خمسة منازل بالإضافة إلى المسلخ. نطالب بلدية بيت جالا المسؤولة عن البئر، بالاهتمام أكثر بها، واقترح ان يبنوا خزانا على تلة مرتفعة تُضخ اليه مياه البئر، ثم يعاد ضخها للعائلات، لكي يستفيد من المياه أكبر عدد من الناس”.

يقول عوض الله: “أدى حفر بئر في مستوطنة رأس بيت جالا، إلى اضعاف منسوب المياه في البئر، وإلى شح المياه خلال السنوات الماضية، ولكن خلال العامين الماضين تحسن الوضع، بسبب الأمطار الكثيفة”.

وتشير السقا الى تأثر البئر، بالاستيطان الإسرائيلي: “نشاطات الاحتلال الاستيطانية أثرت على البئر، فحفر الآبار في المستوطنات القريبة أدى إلى نقص منسوب المياه في البئر، ومن المؤسف ان تتعرض المنطقة للتدمير من أجل بناء الجدار. السلام لا يأتي بالجدران، ولكن بالإيمان به، نأمل ان يتحقق السلام العادل، الذي يلبي طموحات شعبنا”.

وتتعرض ضاحية بئر عونة، التي يقطنها عدة الاف، إلى هجمة من قبل دولة الاحتلال، لبناء مقاطع من الجدار الاستيطاني، ما أثار سخط السكان، وغضب الجهات الكنسية التي تقيم قداديس في المكان، كنوع من مقاومة المشروع الإسرائيلي.

ولكن هذه الهجمة ليست الأولى، فمنذ الاحتلال في حزيران 1967، ودولة الاحتلال تحاصر ضاحية بئر عونة، وتطارد الأهالي، بدعوى وجودهم في منازلهم بدون تصاريح، لأنها تعتبر المنطقة تابعة لحدود بلدية القدس الاحتلالية، وهدمت منازل، وفرض ضريبة الارنونا على منازل أخرى.

ومن المتوقع ان يفصل الجدار المزمع اقامته في المنطقة مسلخ بلدية بيت جالا الى قسمين، وقالت مصادر مطلعة بان سلطات الاحتلال، وافقت على استمرار عمل المسلخ، بشرط دفع ضريبة الارنونا على القسم الذي سيكون داخل الجدار.

ينفذ مركز التراث الثقافي في بيت لحم، ترميما حول البئر، للمساعدة في جعلها معلما سياحيا. يقول خليل توما: “نتأمل ان تستقطب البئر السياح، لما لها من قيمة معنوية كبيرة. وأمل ان يَقْدم خبراء على دراسة البئر ليعرفوا حجم المياه التي تتدفق إليها، ويدرسوا امكانية الاستفادة منها”.

Print Friendly, PDF & Email