العودة الى ام العمد .. نموذج للخرب الأثرية المهمة في صحراء البحر الميت

تعتبر خِربة أم العَمَدّ، واحدة من الخرب المهمة، في صحراء البحر الميت، والمعزولة، وغير المشهورة، رغم أهمية الآثار التي تحويها، وقد تكون صعوبة الوصول إليها، أحد الأسباب التي تجعلها غير معروفة على نطاق واسع.

تبعد هذه الخربة نحو 5 كلم، عن بلدة تقوع شرق بيت لحم، التي تمتاز بوجود آثار مهمة فيها، من بينها جُرن عمّاد نحت في الحجر الوردي، وتعرض للسرقة لمدة عشرة أعوام، قبل ان يتمكن المجلس البلدي من إعادته.

منذ  ان سمعت باسم أم العَمَدّ يتردد، كان دائما، هناك من يدفعني، يشدني إلى تلك البيداء، شيء أكثر من الفضول الصحافي والمعرفي والعلمي.

ما لفتني في الأمر، انني عندما كنت أسال مختصين أوّ اناس عاديين من سكان المنطقة التي تقع فيها الخربة، كنت افاجأ، بانهم لا يعرفون شيئا عن هذه الخربة، رغم انها لا تبعد كثيرا عن مراكز البناء.

وعندما لجأت إلى بعض المراجع لم تغادرني المفاجأة، واعتقدت ان تجاهلها يمكن ان يكون لعدم أهميتها. وكان لا بد من الذهاب إلى أم العَمَدّ، ومثلما يحدث في أمور الحياة، ان الموعد الذي احدده مع اصدقاء من المنطقة يتأجل، لاسباب ذاتية أوّ اخرى تتعلق بظروف الاحتلال، والاجراءات القاسية خلال انتفاضة الأقصى.

وما كان يجعل الذهاب إلى هناك امرا صعبا، هو وجود مستوطنة تكواع المقامة على اراضي بلدة تقوع التي تقع خِربة أم العَمَدّ على بعد 4 كلم عنها. تمددت هذه المستوطنة، واضاف المحتلون مستوطنات جديدة، اصحبت كثير من المواقع الاثرية الهامة في محيطها، مثل مغارة وادي خريطون، التي لم تكتشف بعد بشكل كامل، وكهف عرق الأحمر: عاشت فيه جماعات في فترة ما قبل التاريخ،  وكهف أم قلعة: وهو يعتبر نموذجا حيا للكهوف التي عاش فيها الإنسان قبل التاريخ وهذا الكهف هو أهم الكهوف على الإطلاق ويعود للعصر الحجري الأوّل (50000-120000 ق.م).

زيارة أوّلى

في شهر شباط (فبراير) 2005، أصبح الوصول إلى أم العَمَدّ ممكنا، وفي يوم مشمس انطلقنا ثلاثة من مدينة بيت لحم: انا وخالد البو وهو مفتش اثار في وزارة السياحة والآثار، والمصور الصحافي أحمد مزهر.

بعد وصولنا إلى تقوع، انحنينا شرقا، وسرنا في طريق غير معبدة ووعرة، ومررنا على بعض المواقع الاثرية ومن بينها (خِربة تقوع). لفت انتباهنا، القدوم المبكر، للربيع، فمع توغلنا إلى داخل البرية، فان مشاهد المروج الخضراء، كان اكثر من رائع، خصوصا مع توشح هذه المروج الخضراء باللون الأصفر، وهو لون نبات الخردل، وبين الصخور كانت نبتة خضراء تعلن عن نفسها بشكل ساطع هي (اللوف)، والزعتر البري، و(عكوب الجبل). المنظر الجميل الذي تكرر وهو افتراش الأراضي الخلاء زهور حمراء جميلة يسميها المحليون (الحنون) وهي زهور مشهورة باسم شقائق النعمان، والبابونج، والخبيزة، وخرفيش الجمال الذي تحيط برأسه الأشواك المدببة، وكذلك المريمية، ولبن الطير وهي نبتة بيضاء في وسط زهورها بقع صفراء، تفتح في النهار وتغلق عيونها في الليل.

كانت الطبيعة مع توغلنا في البرية تزداد جملا وتنبيء عن بعض من طبيعتها الغريبة والمتنوعة والمتناقضة، فمثلا رغم ان النباتات المختلفة، وجدت لها في المكان حياة، في مروج خضراء واسعة، فان هذا حدث مع طبيعة جبلية صعبة نسبيا وبركانية.

واستغل الفلاحون- البدو، كما يمكن ان نصف سكان تلك المنطقة، الحجارة المختلفة ومن بينها البركانية السوداء في عمل جدران حجرية حول حقولهم.

بعد نحو 5 كيلو متر عن مركز بلدة تقوع أوّقفنا السيارة، كانت مجموعات من السكان وجريا وراء الربيع الاتي مبكرا قد أخذت اغنامها وبنت لأنفسها بيوتا من الشعر أوّ الصفيح أوّ استغلت بعض الكهوف، وانتشرت بشكل متفرق في المنطقة.

وعندما ترجلنا من السيارة في هضبة مستوية ترتفع نحو 500 متر عن سطح البحر لم كن يفصلنا عن الهضبة المقابلة سوى انحدار حاد ووادي، ولم تكن تلك الهضبة التي تقع شمالا سوى أم العَمَدّ.

ويمكن للمرء الاستعانة بمخزون شعري لوصف تلك اللحظات التي بدت فيها أم العَمَدّ مذهلة ليس فقط بكهوفها ومغرها الحمراء، ولكن بحجمها وفخامتها غير المتوقعة، وكأننا في حضرة مدينة أوّ حاضرة لم يسمع بها أحد.

نزلت ورفيقيّ المنحدر، وأخذنا نلتقط عن الأرض تشكيلات حجرية صنعتها أعوام لا تعد من اختلاف الطقس، ومقابلنا شرقا مرتفع كأنه قُص بمنشار ضخم حديث فجعله مستويا وأعلاه تقف مغارة كبيرة، وبجانبها بيوت شَعر لسكان محليين.

ولا يمكن ان يشي هذا المرتفع إلا انه كان في يوم من الأيّام محجر استخدمه القدامى لقص الحجارة، ولكن السؤال الذي سيلاحق هذا الاعتقاد عن تلك الادوات التي استخدمت: حجمها، وطبيعتها.

في أم العَمَدّ

وصلنا أسفل المنحدر، واصبحنا في وادي، سأطلق عليه وادي أم العَمَدّ، وعلى جانبيه انتشرت مغر وكهوف خِربة أم العَمَدّ التي اخذت اسمها من كثرة الأعمدة فيها.

وأوّل ملاحظة يمكن ان يلاحظها الزائر هو ان الموقع تعرض ويتعرض للتخريب، فأثناء صعودنا الوادي إلى التلة الرئيسة لام العَمَدّ واجهتنا قطع الفسيفساء الملونة المبعثرة في الموقع وأثار التخريب الذي تعرضت له المغر والكهوف والجدران والتيجان وقواعد الأعمدة والآبار.

في مركز التلة يوجد ما يشي ان هذا المكان كان هو مركز أم العَمَدّ التي دبت فيها الحياة هنا يوما ما، وهو محراب كنيسة نصف دائري مبني من الحجر المشذب ويصل طوله الظاهر إلى نحو عشرة أمتار، مما يشير إلى انه بقايا كنيسة أوّ دير بيزنطي ضخم.

وهذا يشير إلى هوية أم العَمَدّ البيزنطية، أما مرافقي خالد البو فقال: “حسب استنتاجاتنا فانه تعود إلى القرن الرابع الميلادي وعاشت حتى نهاية الدولة البيزنطية سنة 629 ميلادية، ثم سكنها الأمويون واستخدموها كمحطة صحراوية مثل القصور التي انشأوّها في بادية الشام وصحراء الأردن”.

الآثار الموجودة يمكن ان تعطي دلالات معينة، ومنها هذا المحراب الذي تعرض لعملية تخريب واضحة ومع ذلك بقي جزء منه موجودا، والمؤسف هو تناثر قطع الفسيفساء الملونة بجانب المحراب، مما يعني ان الكنيسة أوّ الدير البيزنطي الذي كان موجودا هنا يوما ما احتوى على أرضية فسيفسائية ضخمة، ساهمت العوامل الجوية وعبث العابثين في اخفاءها.

ومثل الفسيفساء توجد بقايا قطع فخارية مكسرة، ولكن الأكثر ادهاشا بالقرب من المحراب هو وجود تاج عمود، في حالة جيدة جدا بعكس تاج اخر مرمي بجواره. اضافة إلى بقايا عواميد

وفيما بعد علمنا ان تيجانا كثيرة مثله كانت موجودة ولكنها اختفت ووجدت طريقها عبر لصوص الآثار ربما إلى خارج البلاد.

وليس وجود محراب الكنيسة والفسيفساء وبقايا التيجان ما يشير إلى مركز أم العَمَدّ، ففي المكان توجد عدة آبار تمتاز ببنائها الحجري من الداخل وتناسبها الهندسي، ولكن على بعد بضعة أمتار غرب المحراب، يوجد ما هو مدهش فعلا وهو بئر وصهريج تحت الأرض لا شك انه المكان الذي شكل “الأمن المائي” للسكان.

ويوفر المكان قرب هذا الصهريج فرصة للنظر في أنحاء البيداء ويعطي فرصة لتقدير المساحة الممتدة عليها أم العَمَدّ، وكهوفها ومغرها، التي يظهر عليها اثار التدمير الذي مورس طويلا بحقها.

وكثير من المغر والكهوف والقبور مغطاة بطبقات من الأتربة ولا يظهر منها سوى ما يشير إلى انها لم تكتشف بعد.

فيما بعد اطلعني عمر صلاح مدير مكتب آثار بيت لحم، آنذاك، والمتقاعد حاليا، على كتاب كان وجهه إلى الوزير الأسبق متري أبو عيطة ومدير الآثار السابق حمدان طه، يشير فيه بحماسة ان ما كتبه لا: “يفي الموقع حقه من الوصف، ويمكننا القول بان الموقع استخدم في الفترة الاموية كمشتى وموقع للاستجمام في أثناء رحلات الصيد مثل القصور الأموية في البادية الأردنية”.

ويضيف الكتاب “..وفي زيارتنا الأخيرة وجدنا الموقع في حالة يرثى لها من التدمير والخراب تدل على همجية ووحشية تعرض لها هذا الموقع الرائع الجمال”. ويصل إلى نتيجة: “لوّ كانت هناك جهود حقيقية لتطويره لأصبح معلما سياحيا عالميا”.

“كنيسة” الجبل

ونحن نتحدث مع بعضنا عن روعة المكان ونتألم لوضعه، شاهدنا شابا يظهر آتيا من الغرب، أثار ظهوره المباغت حيرتنا، وكأنه الشيء المجهول الذي سيعطي لقصتنا غموضا وعمقا.

كان الشاب يغذ السير نزولا نحونا، وعندما وصلنا ألقى السلام بهدوء وثقة العارف بالمكان، وقدم نفسه باسم سلامة عبيات، من عائلة معروفة من عرب التعامرة.

سلامة، سلاسة عرب التعامرة التي استوطنت هذا الجزء من برية القدس أوّ بيداء البحر الميت، وارتبطت حياتهم بالبداوة والزراعة والرعي ولاحقا بالتطورات التي شهدها المجتمع الفلسطيني نتيجة الغزوة الاستيطانية، على بنية المجتمع الفلسطيني والتحول الذي جرى نحو سوق العمل.

قادنا عبيات، إلى مدخل صغير، مشيرا إلى ان أمطار الشتاء كشفت عنه، وعندما دخلنا، وجدنا أنفسنا، امام منشأة مذهلة حفرت داخل الجبل، ذات سبعة أعمدة، تحمل السقف الحجري الكبير، وغطيت بحجارة محلية وأقواس.

للوهلة الاولى، اعتقدنا بأنها كنيسة مذهلة، مرصوفة بحجارة بيضاء، وعلى جدرانها ما زالت بقايا القصارة ظاهرة، ولكنها قصارة تشبه تلك التي استخدمها البيزنطيون للآبار، في نهاية المغارة الطولية، التي تفتقد للشبابيك، يوجد بئر ماء.

هذه المنشأة هي الأكثر جمالا، وإدهاشا في أم العَمَدّ، وقد تكون فريدة من نوعها في فلسطين، ولا شك بان اجراء حفريات منظمة ومهنية فيها، سيكشف الكثير عنها.

غادرنا أم العَمَدّ، على وعد بعودة قريبة، ولكن العودة طالت أكثر من اللازم.

زيارة أخرى

في 17 حزيران 2015، بعد عشر سنوات من الزيارة الأولى، عُدت إلى أم العَمَدّ، رفقة المصور الصحافي عفيف عميرة، رافقنا من بلدية تقوع، الشيخ إبراهيم كدليل، محب الآثار، وغير المحب للظهور الاعلامي.

لم يجرِ أي تطور على الطريق الترابية الصعبة المؤدية إلى البرية، الاحتلال يحظر أي تعبيد للطرق في المنطقة باعتبارها مصنفة (ج).

الأهالي، الذين عزبوا في المنطقة خلال الربيع، غادروها، مع ارتفاع الحرارة، واجهنا صعوبة في الاستدلال على موقع أم العَمَدّ، وبعد سلوك عدة طرق، واجراء اتصالات من قبل الشيخ إبراهيم مع أناس يعرفون البرية جدا، تمكنا من تحديدها. سلكنا طريقا صعبا، لنصعد وسط حرارة الشمس إلى ظهر تلة أم العَمَدّ.

محراب الكنيسة ما زال كما هو، ولكن الأعمدة وتيجانها التي رأيتها قبل عشر سنوات، لم تعد موجودة، لا شك انها سُرقت.

يمكن رؤية اثار لحفريات غير شرعية، نفذها لصوص الآثار، آبار الخرية يسكنها الحمام، وبعض الكهوف في الأودية المحيطة بالخربة، عُمرت من قبل الرعاة.

قطع فسيفسائية كثيرة متناثرة في المكان، وكذلك بقايا بلاط الرخام، الذي استورده الرومان والبيزنطيون من ايطاليا، قبل قرون.

“كنيسة الجبل” المنشأة الفريدة ذات الأعمدة السبعة الضخمة، لم يطرأ تغيير عليها، سوى الحيرة في تحديد وظيفتها.

بعد زيارة الخربة المثيرة، التي تتعرض للنهب، عدنا إلى بلدية تقوع، والتقينا رئيسها حاتم صبّاح، الذي قال: “خِربة أم العَمَدّ من أهم المواقع السياحية التابعة لبلدة تقوع، ولكن بسبب وقوعها في منطقة (ج) التي تسيطر عليها الحكومة الإسرائيلية، لا نستطيع تطوير الموقع، فنحن ليس لنا سلطة عليها، ولا تقع في مجال صلاحياتنا. لدينا تنسيق دائم مع وزارة السياحة والآثار لمطاردة لصوص الآثار، وما ان نعلم عن أي شيء نتصل  مع شرطة السياحة والأثار الفلسطينية”.

صبّاح، اكد ان الخربة تعرضت للسرقة من قبل إسرائيليين: “أتوا بمركبات عسكرية، وشوهدوا وهم ينقلون أثارا من الخربة. الإسرائيليون لا يسرقون الآثار فقط ولكنهم يحاولون طمس ارثنا الثقافي والاثري”.

وأفاد: “نعمل حاليا على برنامج طويل، مع جمعية مسار إبراهيم، وعقد ورش عمل مع المواطنين، وعقد اجتماعات مع الشرطة، من أجل التوعية وحماية أثارنا”.

تيسير أبو مفرح، مدير بلدية تقوع: “ما نراه في خِربة أم العَمَدّ هو ما تبقى من أثارها التي كانت تستخدم في العهد البيزنطي، مثل الآبار والمخازن ومعاصر الزيتون والخمور، كثير من بقايا الكنيسة اندثرت مع الزمن أوّ سرقت. أتذكر الأعمدة التي كانت موجودة بكثرة في الخربة وتم سرقتها جميعها، الان تقع الخربة تجت السيطرة الإسرائيلية، والإسرائيليون غير معنيين بالموضوع. لدينا رقابة من الآثار الفلسطينية ومن الأهالي لمنع سرقة ما تبقى من الآثار، وزار الخربة، العديد من البطاركة اليونان، وجرى حديث لشق شارع اليها، لتسهيل زيارتها، ولكن هذا لم يحدث حتى الان”.

 

Print Friendly, PDF & Email