بداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين

ويمكن تقسيم الاستيطان الصهيوني في فلسطين حتى عام 1948م إلى مراحل تمت في العهد العثماني، وفي عهد الانتداب البريطاني على فلسطين، ومراحل أخرى تمت بعد تأسيس الكيان الإسرائيلي (إسرائيل) في 15/5/1948م، وما تزال مستمرة حتى الآن،  ويمكن إجمالها في المراحل التالية:

• المرحلة الأولى:

مرحلة الدولة العثمانية، وتحديداً منذ انعقاد مؤتمر لندن عام 1840م، بعد هزيمة محمد علي، واستمرت حتى عام 1882م. إلا أن مشاريع هذه المرحلة لم تلق النجاح المطلوب بسبب عزوف اليهود أنفسهم عن الهجرة إلى فلسطين، والتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو الانخراط في مجتمعاتهم، ومن أبرز نشطاء هذه المرحلة اللورد شافتسبوري، واللورد بالمرستون، ومونتفيوري واستمرت هذه المرحلة حتى بداية الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1920م.

• المرحلة الثانية:

 مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى قيام إسرائيل، وفي هذه المرحلة بدأ الاستيطان الفعلي في فلسطين، حيث تم تكثيف عمليات استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية، وتدفق الهجرة اليهودية، حيث شهدت هذه المرحلة الموجات الثالثة والرابعة والخامسة من الهجرات اليهودية.

• المرحلة الثالثة:

 وبدأت منذ إعلان قيام إسرائيل وحتى عام1967م، وفيها تمكنت إسرائيل من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والاستمرار في مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات لاستقبال المهاجرين الجدد باستمرار.

• المرحلة الرابعة:

هي مرحلة التسوية السياسية وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993م، فقد تسارعت حركة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، واستمرت أعمال تسمين المستوطنات توسيعها وصولاً إلى إقامة جدار الفصل العنصري، الذي سيطرت من خلاله إسرائيل على أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية.

أولاً: الاستيطان الصهيوني في فلسطين في العهد العثماني

ترجع معظم الدراسات الأولى للاستيطان اليهودي في فلسطين إلى ممارسات الثرى اليهودي منتيفيوري، الذي استطاع في عام 1855م أن يشتري قطعة أرض في مدينة القدس، أقام عليها في عام1857م، أول حي سكني يهودي في فلسطين خارج أسوار مدينة القدس، وهي (حي مشكانوت شعنا نيم) وعرف فيما بعد يمين موسى. وفي عام 1860م، اشترى اثنان من اليهود قطعتي أرض في فلسطين، الأولى قرب أراضي قالونا والثانية حول بحيرة طبرية وفي العام نفسه تم بناء أول 20 سكنة لم تشغل إلا في عام 1862م، وبذلك بدأت الخطوات العميلة الأولى للاستيطان اليهودي في فلسطين. وبعد ذلك أقامت جمعية الهيكل الألماني برئاسة كريستوف هوفمان بعض المستوطنات في فلسطين، وخاصة في يافا وحيفا وفي عام1878م، وتمكنت مجموعة من يهود القدس- بعد حصولهم على دعم من الخارج – من الاستيطان في السهل الساحلي وتأسيس مستوطنة “بتاح تكفا” على جزء من أراضي ملبس قرب يافا.

 وقد شهدت فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى موجتين رئيسيتين من الهجرات اليهودية، الأولى وقعت في الفترة ما بين 1882-1903م، وقد تراوح عددها ما بين (25-30) ألف مهاجر وإليها يرجع الفضل في التمهيد لإرساء الأسس التي قامت عليها حركة الاستيطان اليهودي المنظم في فلسطين، لذا فقد أنشئت في عام 1882م، ثلاث مستوطنات هي “ريشون ليتسيون وزخرون يعقوب وروش ليتاح”، كما أنشئت في عام 1883م، مستوطنتان أخريتان هما “يسود همعله” و” نيوز يونا”. وقد أقيمت المستوطنات السابقة بأساليب التحايل واستغلال ضعف الأنظمة والقوانين، برشوة الموظفين الأتراك. وأنشئت في عام 1884م، مستوطنة جديدة، غير أنها تعرضت لخسائر فادحة ولم تستطع الاستمرار لولا تدخل “أدمون دي روتشيلد”، الذي دعم إقامة ثلاث مستوطنات أخرى في عام 1890م،هي: “رحوبوت، ومشمار هارون، والخضيرة”، وعهد روتشيلد بإدارة مشاريعه إلى المنظمة التي تدعى أيكا، وهي منظمة الاستيطان الزراعي التي أسسها البارون النمساوي الأصل دي هيرش، وقد تولت هذه المنظمة العمل الاستيطاني في فلسطين، وتمكنت بين سنتي 1899 إلى 1908م، من تأسيس عدة مستوطنات جديدة، بالإضافة إلى إعادة تنظيم مستعمرات روتشيلد، ورغم ذلك فقد فشلت في توقعاتها، وذكرت في تقرير لها عام 1899م، بأنه “يصعب تحويل اليهود في فلسطين إلى مزارعين ومعظمهم يعيش في خمول قاتل”.
 لذلك فقد أطلق البعض على الاستيطان اليهودي خلال تلك المرحلة اسم “الاستيطان الروتشيلدي”؛ نسبة إلى المليونير اليهودي دي روتشيلد الذي أشرف على تشييد وإدارة هذه المستوطنات، وقد تولى إنشاء المستوطنات اليهودية في فلسطين خلال العهد العثماني حتى وصل عددها إلى”39” مستوطنة يسكنها “12” ألف مستوطن، ثم بلغ عددها حتى عام 1914م “47” مستوطنة (4) منها أقيمت بدعم من المنظمة الصهيونية بإشراف مكتب فلسطين. وقد عمل الصهاينة على إقامة هذه المستوطنات بالتدريج، حتى لا يلفتون إليهم أنظار العرب، حيث كانوا يقيمون من مستوطنة إلى ثلاث مستوطنات سنوياً، وذلك خلال الفترة الواقعة بين عام 1870 إلى 1918م.

وعلى الرغم من إن الدولة العثمانية لم تقبل الاستيطان اليهودي في فلسطين، إلا أن نظام حيازة الأراضي في فلسطين في العهد العثماني، قد تغاضى عن إقامة تلك المستوطنات، حيث ظهرت طبقة من ملاكي الأراضي من العرب، وغير الفلسطينيين الذين كانت تجذبهم الأسعار المرتفعة إلى بيعها.

 وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية قد أصدرت في عام 1882م، قانوناً اعتبرت بموجبه دخول اليهود إلى فلسطين أمراً غير قانوني، ثم أصدرت في عام 1888م، قانوناً آخر يمنع دخول اليهود (من غير سكان الإمبراطورية) إلى فلسطين، إلا لمدة ثلاثة أشهر، إلا أن الصهيونية لجأت إلى رشوة موظفي الدولة العثمانية، وتحايلت بطرق غير مشروعة لتهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها.

واستمر النشاط الاستيطاني في أواخر حقبة الحكم العثماني، فأقيم بين سنة 1907م وسنة 1914م “15” مستوطنة جديدة، فبلغ مجموع المستوطنات الصهيونية، أربعين مستوطنة يسكنها حوالي 12000 مهاجر يهودي.

  ونشطت المؤسسات الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى خصوصاً بعد تمكن المنظمة الصهيونية العالمية من استصدار وعد بلفور الشهير عام 1917م، الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، حيث لعبت حكومة الانتداب دوراً كبيراً في تمكين اليهود من السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية، وذلك باتخاذها العديد من الإجراءات، منها فتح الأراضي الأميرية وجعلها أراضي ملكية، وسن قانون أملاك الغائبين، تمكن اليهود بفضل هذه الإجراءات من امتلاك 2070000 دونم بعد “قيـام إسرائيل”، وقد حرصت هذه المؤسسات على أن تكون هذه الأراضي في مناطق متباعدة من أجل توسيع رقعة “الدولة اليهودية”.

وبالرغم من الظروف الملائمة للاستيطان التي وفرها وعد بلفور والانتداب البريطاني، إلا أن معدل قدوم المهاجرين بقى في البداية ضئيلاً نسبياً.

ثانياً: الاستيطان في ظل الانتداب البريطاني

تعتبر مرحلة الانتداب البريطاني في فلسطين المرحلة الذهبية للاستيطان الصهيوني في فلسطين، حيث احتلت بريطانيا فلسطين وهي ملتزمة بوعد بلفور، وبذلك أصبح الاستيطان اليهودي يتم تحت رعاية دولة عظمى تديره وتتكفل بحمايته، إذ اتصف في مراحله الأولى بالعشوائية، وواجه العديد من المشاكل فيما يتعلق باليهود خارج فلسطين، في هذه المرحلة خضع الاستيطان للاعتبارات السياسية والإستراتيجية، فأقيمت العديد من المستوطنات في المناطق الإستراتيجية، وكانت على شكل مجتمعات مغلقة تشبه “الغيتو”، تعتمد على سياسة العمل العبري لتأسيس نفسها كنواة للوجود الصهيوني في فلسطين،كما سهلت سلطات الانتداب البريطاني، وبمختلف الوسائل، عملية نقل ملكية الأراضي الفلسطينية إلى المنظمات الصهيونية، ومنحت الوكالة اليهودية أراضي حكومية واسعة مساحتها (195) ألف دونم، في مناطق مختلفة من البلاد بما فيها أراض من السهل الساحلي الفلسطيني، أعطيت لبلديات تل أبيب، وبتياح تكفا، من أجل توسيع رقعة المستوطنات فيهما، ووضعت حكومات الانتداب البريطاني في عام 1921م، (175) ألف دونم من أملاك الحكومة تحت تصرف المنظمات الصهيونية من أجل إقامة المستوطنات عليها لتوطين المهاجرين، وهو ما أدى بدوره إلى قيام ثورة 1921م، التي قمعتها القوات البريطانية بشدة، حيث انضم المستوطنون إلى جانب الإنجليز في قمع هذه الثورة.

وقد تجددت خلال هذه الفترة عملية شراء الأراضي من بعض الإقطاعيين والتجار اللبنانيين، الذين كانوا يملكون مساحات واسعة من الأراضي في شمال فلسطين.

 ومع صدور الكتاب الأبيض في عام 1930م، قررت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان في المناطق التي لم يسكنها اليهود من قبل، لتشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة في حالة حصول “تقسيم لفلسطين”، فأقيمت في الفترة من عام 1936 -1939م “53” مستوطنة، كان يطلق عليها “خوما ومجدال” أي سياج وبرج، وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي تزامن إنشاؤها مع نشوب “ثورة عام 1936م الفلسطينية”، حيث روعي في اختيار مواقع تلك المستوطنات أن تكون بمثابة سياج يشرف على المستوطنات الأخرى، وتعمل في الوقت نفسه كمناطق مراقبة بالنسبة للقرى العربية، وقد أقيمت أكثر هذه المستوطنات المشرفة على مرج بن عامر والأطراف الشمالية للجليل الأعلى، كما ظهر اتجاه لبناء المستوطنات في مناطق معزولة؛ لخلق شعور لدى اليهود بقابلية السيطرة على كل أجزاء فلسطين، وفي أعقاب مشروع بيل لتقسيم فلسطين 1937م، بدأ الاهتمام الصهيوني بإقامة مستوطنات في صحراء النقب – جنوب فلسطين-  وتوسعت الصهيونية في إقامة المستوطنات في تلك المنطقة، وذلك في الفترة الواقعة ما بين الحرب العالمية الثانية وسنة 1948م، تحسباً لإمكانية حصول صدام عسكري مع مصر في المستقبل، وبلغ عدد المستوطنات المقامة في النقب بحلول عام 1948م، “27” مستوطنة؛ لذا فإنه ما يميز السياسة الاستيطانية خلال فترة الانتداب اتجاه الحركة الصهيونية، نحو توزيع المستوطنات الزراعية توزيعاً إستراتيجياً على حدود الدول العربية المتاخمة لها،  فأقامت “12” مستوطنة على حدود الأردن و”12″ على حدود لبنان و”8″ على حدود مصر و”7″ على حدود سوريا، وقد أدخل على الاستيطان الزراعي خلال هذه الفترة نوع جديد أطلق عليه اسم “الموشاف عفوديم” أي قرية العمال، وهي قرية زراعية ذات طابع تعاوني، تقوم العائلات فيها باستغلال الأرض بالتساوي. وقد انتشر هذا النوع من الاستيطان الزراعي حتى بلغ مجموع المستوطنات التي أقيمت حتى عام 1946م، “68” مستوطنة يسكنها (18411) مستوطن.

وتمكنت الحركة الصهيونية خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين من امتلاك ما يزيد عن 30% من مجموع الأراضي الزراعية في فلسطين، وقد بلغت مساحة الأراضي التي يمتلكها الصهاينة مع نهاية فترة الانتداب عام 1947م، 1.82 مليون دونماً، وهو ما يعادل 6% من مساحة فلسطين، والبالغة 27 مليون دونماً، في حين كان مجموع من الأراضي عند بداية الانتداب لا يزيد عن 2% فقط”، فقد اشترت المنظمة الصهيونية في السنوات الأخيرة التي سبقت قيام إسرائيل، أراضي جديدة لاسيما تلك التي تتفق ونظرتهم الإستراتجية، وواصلت تكثيف الاستيطان اليهودي في السهل الساحلي بين حيفا ويافا، كما اشترت قطعاً كبيرة من الأراضي في القسم الشمالي من فلسـطين، وبشكل خاص في سهل الحولة، وإلى الجنوب من بحيرة طبريا على طول نهر الأردن، وكانت هناك  صفقات شراء أراضٍ عند مصب نهر الأردن في البـحر الميت، وعـلى ضفته الغربية.

 وتوسعت أملاك اليهود في منطقة القـدس، وفى ضواحي بئر السـبع، كما تم شراء المزيد من الأراضي في النقب الشمالي وفى منطقة غزة، وقد بلغ عدد المستوطنات التي أقيمت في الفترة الواقع بين عامي 1939- 1948م، “79” مستوطنة مساحتها الإجمالية 2.052.000 دونما.

وإذا كان الاستيطان في المراحل السابقة يهدف للإعداد لإنشاء الدولة، فإنه بعد إنشائها في عام 1948م، اتجه إلى تحقيق أهداف أخرى، تتمثل في ترسيخ القاعدة البشرية والاقتصادية والعسكرية للدولة الجديدة، وبما يخدم أغراضها التوسعية المستقبلية، لذلك فقد كان أول عمل قامت به الحكومة الإسرائيلية (البرلمان ) بتاريخ 5/7/1950م، قانون العودة، والذي بموجبه يمنح كل يهودي داخل فلسطين حق الاستيطان فيها، فقد تكللت جهود الصهيونية ومن ورائها القوى الاستعمارية بالنجاح، عندما تم الإعلان عن قيام إسرائيل عام 1948م على77% من مساحة فلسطين التاريخية، وتمكنت إسرائيل من طرد معظم السكان الفلسطينيين، بعد أن ارتكبت العديد من المذابح والمجازر، ودمرت القرى والمدن الفلسطينية، وأصبح الفلسطينيون يعيشون مشردين لاجئين في البلاد العربية المجاورة في مخيمات بائسة، ما زالت تعاني العذابات، رغم صدور العديد من القرارات الدولية  التي تقضي بضرورة عودتهم إلى أراضيهم؛ وفي المقابل فتحت أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها ليتدفق الكثير من اليهود من مختلف أنحاء العالم، واستمر هذا الوضع حتى حرب الخامس من حزيران عام1967م، والتي كانت من أهم نتائجها استكمال سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، بعد احتلالها للضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وبذلك تكون فرصة جديدة سنحت لإسرائيل لمتابعة مخططات الصهيونية لتهويد فلسطين، والتي بدأت في القرن التاسع عشر، ونعتقد أنها بداية مرحلة خامسة من مراحل الاستيطان اليهودي في فلسطين ومازالت قائمة إلى يومنا هذا، فقد تبنت الحكومات الإسرائيلية على اختلافها، منذ عام 1948م سياسات استيطانية متجانسة، بهدف تغيير الوضع الديمغرافي وخلق وقائع جديدة والعمل على تثبيتها، إلا أن الممارسات الاستيطانية بعد توقيع اتفاق التسوية كانت من الشراسة، بحيث حققت وقائع على الأرض، تفوق ما قامت به الحكومات السابقة، متجاهلة ما نص عليه اتفاق أوسلو الداعي إلى عدم تغيير الوضع القائم، حيث ظل النشاط الاستيطاني بوتيرة عالية، تجسدت بمزيد من البناء والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي؛ بغية تقوية التواجد الاستيطاني في محيط القدس ومناطق ما يسمى بالكتل الاستيطانية التي أعلن صراحة بوجوب ضمها إلى إسرائيل.

Print Friendly, PDF & Email