دير مار الياس يفتقد عزه السابق.!

 يقع دير مار الياس، الذي يشبه مبناه، حصنا أو قلعة قديمة، بين مدينتي بيت لحم والقدس، وعلى ربوة مطلة على شارع القدس-الخليل.
يرتفع موقع الدير 817 مترا، فوق مستوى سطح البحر، ومنه يمكن رؤية بانوراما مثيرة تشمل القدس شمالا، وبيت لحم جنوبا، وجبل أبو غنيم الذي تحول، بقوة الاحتلال، إلى مستوطنة “هار حوما” شرقا، وحتى جبل الفرديس (حصن الهيروديوم) في الجنوب الشرقي.

عيد وتقاليد

بعد فصل بيت لحم عن القدس، وحصار الأخيرة، وحظر دخول المواطنين إليها، أصبح الدير معزولا، لصعوبة وصول المواطنين اليه.
ولا يعكس وضع الدير الحالي، ماضيه المبهر، فهو ارتبط بتقاليد عديدة، ليس فقط لدى أهالي بيت لحم والقدس، ولكن أيضا من مناطق أخرى، التي كانت تفضل عقد أكاليل الزواج فيه، إضافة إلى انه يشهد في شهر آب احتفالات صاخبة بعيد مار الياس، التي يحضرها المواطنون، بعضهم ليفي بنذرٍ قطعه على نفسه، بينما ينتشر الباعة في باحات الدير، وتنصب المراجيح لإدخال البهجة للأطفال.
العيد الذي يأتي في شهر آب، هو فرصة للناس لتوديع فصل الصيف، وعنه يقول فلاحو بلادنا: “في عيد مار الياس يتخلق الغيم”.
تتوفر لدينا شهادة عن وضع الدير خلال العهد الثماني تركها لنا المؤرخ واصف جوهرية يقول فيها: “دير مار الياس هو من أعظم وأضخم الأديرة المعروفة التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس، وفيه الغرف العديدة والساحات السماوية الفسيحة، وتقع الكنيسة في الطابق الأرضي منه، وله وقف خاص من حوله غابات الزيتون القديم الروماني، وعملية عصر الزيتون فيه مشهورة، فانك تحصل على ناتج الزيت الأصلي النظيف الصافي الذي يباع دائما بأسعار أكثر من سعر الزيت الآخر في البلاد”.
ويقدم وصفا لعيد مار الياس، مشيرا إلى ان يوم العيد، يكون يوما مشهودا خاصة في: “الأراضي المحيطة به من كل الجهات، تحضر طائفة الروم الأرثوذكس العرب من مدينة القدس، ومن مدينة بيت لحم، وبيت جالا، وبيت ساحور، وغيرها من المدن منذ الصباح الباكر، ويشطحون مع عائلاتهم وأولادهم تحت أشجار الزيتون المنتشرة هناك لغاية المساء يأكلون ويشربون، خصوصا أهالي بيت لحم، ويغنون ويدبكون، فترى تلك المنطقة ملآنة بالعالم، والطريق الممتدة من هذا الدير إلى بيت لحم والقدس، مرصوصة بألوف الناس، والعربات، والدواب، وهناك تحت الأشجار البائعين من كل أصناف الأكل والشراب والنقرشة، ثم الملاهي والألعاب للأولاد، والدربكات، وغيرها شيء يخيل للناظر بأنه في ساحة حرب سلمية”.
ويضيف بأسلوبه الذي يجمع بين الفصحى والعامية: “تعج الكنيسة داخل الدير برجال الدين، ثم تُسلم النذور على اختلاف أنواعها من الأهالي، الذين ينذرونها لمار الياس، بمناسبة الحوادث التي تصيبهم، فيقدمون الشموع، وتنكات الزيت أو الأيقونات، أو تطريز على قطع خاصة صنع بيت لحم للكنيسة وخدم الكنيسة”.
ويعتبر الدير، نقطة استراحة لمواكب البطاركة أثناء مسيرهم من القدس إلى بيت لحم، خلال أعياد الميلاد المجيدة، ويكون وجهاء مدينة بيت جالا في انتظارهم بالمكان.

تاريخ مديد 

هناك اختلاف في سبب تسمية الدير، بدير مار الياس. البعض يقول انه تخليدا لذكرى النبي الياس (ايليا) الذي توقف في هذه المنطقة، خلال هروبه إلى الجنوب، بعد واقعة تحديه للملكة ايزابيل، بعد مقتل آلهة بعل على جبل الكرمل، وفقا للكتاب المقدس.
ويرى البعض، انه تم اطلاق هذه التسمية عليه، لأن البدو، يقدرون النبي الياس، لذا سمي الدير باسمه، حتى لا يتعرض لغزواتهم واعتداءاتهم.
وهناك آراء أخرى، ورغم هذه الاختلافات، فانه يوجد اجماع، ان الدير بُني في العهد البيزنطي. يعتقد البعض ان بانيه هو بطريرك القدس سالوستيوس عام 486م، بينما يعتقد آخرون ان بانيه البطريرك ايليا في سنة 518م، وآخرون يقولون ان من أمر ببنائه هرقل امبراطور الروم سنة 610م، وان الفرس هدموه بعد غزوهم للبلاد عام 614م وبعدة طرد الفرس، بناه هرقل مرة أخرى. ويعيد البعض بناءه إلى زمن بطريرك القدس ايليا.
أعاد الصليبيون بناء الدير، في بداية حكمهم لفلسطين، وبعد نصف قرن هدم نتيجة لزلزال، وفي سنة 1160 أعاد الامبراطور ماناويل كونتيتس بناءه.
في عام 1948م، تعرض الدير للأذى بسبب القذائف التي سقطت عليه، لوقوعه على خط النار، وبعد ان سكتت المدافع، أصبح وسط خط الهدنة، ولم تعد الطريق إلى القدس تمر أمامه، وانما سلك الناس طريقا التفافيا بجانبه، إلى صور باهر، وجبل المكبر، حتى المدينة المقدسة.
بجانبه بنى الجيش الأردني معسكرا له، حيث وقعت معركة شديدة في حزيران 1967، وتعرض الدير للأذى من جديد، ويمكن رؤية بقايا المعسكر حتى الآن.
تغيرت جغرافية المكان، حيث توجد المستوطنات الإسرائيلية حول الدير، مثل “رمات راحيل” التي شهدت معارك قوية في عام 1948، وقبالته اصبحت خربة طبالية الأثرية، موقعا إسرائيليا باسم (تلة الطيار) لسقوط طائرة إسرائيلية خلال معارك 1967 فيها، وخلفها بُنيت مستوطنة يهودية.
داخل الدير يوجد قبر ايليا، أسقف بيت لحم الذي توفي عام 1345م.
وبالقرب من الدير يوجد بئر قاديمسو، الذي كان محطة وقوف للقوافل ما بين بلاد الشام ومصر، وتم الكشف عن كنيسة الاستراحة، وهي من الكنائس المميزة بشكلها الثماني.
وإلى الجنوب من الدير، يمكن رؤية مقاطع من قناة السبيل، التي كانت تنقل المياه من برك سليمان، قرب بيت لحم، إلى القدس.

Print Friendly, PDF & Email