الفاتيكان ومواقفه الجذرية من القضية الفلسطينية

الفاتيكان ومواقفه الجذرية من القضية الفلسطينية

64

قبل بضعة أيام ألقى رئيس الأساقفة برنارديتو أوزا، مراقب الكرسي الرسولي الدائم لدى الأمم المتحدة، مداخلة خلال جلسة نقاش جرت وقائعها في مبنى المنظمة الدولية، حول الوضع الراهن في الشرق الأوسط بشكل عام، والقضية الفلسطينية بنوع خاص.

والشاهد أن هناك إدراكًا من قِبل المراقبين بأن موقف الفاتيكان ثابت ولا يتغير من الأزمة التي طال زمان مخاضها، وقد كانت البابوية حاضرة منذ نهايات القرن التاسع عشر، أي زمن التفكير في وطن قومي ليهود العالم، خاصة عند الطلب الرسمي من قبل تيودور هيرتزل من البابا بيوس العاشر بالتدخل لإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين. وها هو الكرسي الرسولي في زمن البابا فرنسيس، أي بعد أكثر من قرن، يبقى أمينًا على رؤاه الإنسانية، ومواقفه القانونية والإيمانية، وعلى حماية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وبقاء إسرائيل في أمان، وبعيدًا عن الحروب والصراعات التي لم توفر حلا حتى الساعة.

المراقب الفاتيكاني في هيئة الأمم كان لا بدّ له من أن يشير إلى الصعوبات الكثيرة التي تعترض بلوغ حل الدولتين، وإلى الأوضاع الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، تلك التي دفعت بالشعب الفلسطيني إلى حالة من اليأس، ما جعلها عرضة لمجموعات متطرفة تستخدم العنف، وجعل إسرائيل أيضا تعيش مخاوف أمنية، وبين هذا وذاك يدفع المدنيون الأبرياء على الجانبين الثمن.

والشاهد أنه لا يمكن لأي محلل سياسي أن يوفر الربط بين مداخلة الفاتيكان الأخيرة وبين ما يتردد على استحياء تارة ويتم تسريبه تارة أخرى بشأن “صفقة القرن الأمريكية” والتي تكاد تضحى أسطورة هلامية مغلفة في إطار من الإرهاصات، وربما جس النبض، عبر قنابل الدخان.

يستخدم رئيس الأساقفة أوزا تعبيرًا له دلالاته، إنه يتحدث عما سماه “الهدف المستحيل”، ولهذا يطالب الجميع بوقف العنف، وعدم لجوء أحد الطرفين إلى خطوات أحادية الجانب، تعرض العملية السلمية المبتغاة والمرجوة للخطر أولا، ولفعل الاستحالة تاليا.

المراقب الفاتيكاني لم يتوقف عند مرحلة المستقبل وحده، إذ إنه يشاغب الواقع والحاضر بإشكالياته محذرا من أن تغيير هوية القدس والوضع القائم لا يؤثر سلبا فقط على السكان المحليين، بل إنه يحمل انعكاسات سلبية على السلام والاستقرار في المنطقة، ويذكر بالإعلان الذي وقع عليه البابا فرنسيس والعاهل المغربي قبل بضعة أسابيع.

في لقائهما الأخير، أقر بابا الكنيسة الكاثوليكية والملك المغربي بأنه ينبغي صيانة وتعزيز الطابع الخاص للقدس الشريف كمدينة متعددة الأديان، إضافة إلى بعدها الروحي وهويتها الفريدة، وأضافا في بيانهما المشترك: “أنهما يأملان في أن تُكفل داخل المدينة المقدسة حرية الولوج إلى الأماكن المقدسة، لفائدة أتباع الديانات التوحيدية الثلاث، مع ضمان حقهم في أداء شعائرهم الخاصة فيها، بما يجعل القدس الشريف تصدح بدعاء جميع المؤمنين إلى الله تعالى، خالق كل شيء، من أجل مستقبل يعم فيه السلام والأخوة كل أرجاء المعمورة”.

هل كلمة الفاتيكان الأخيرة في الأمم المتحدة تعبر عن مسيرة طويلة من المواقف التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، عطفا على رؤية وتوجه البابا فرنسيس بنوع متميز خلال سنوات حبريته التي بدأت عام 2013؟

لم يكن البابا فرنسيس ليخالف التوجه العام لبابوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية تجاه الأرض المقدسة، بل إنه من المثير أن نجد توافقاً يكاد يصل إلى حد التطابق، بين مواقف أحبار سابقين، وما ذهب إليه البابا فرنسيس الحبر الروماني الأعظم.

والثابت أن العلاقة بين الكرسي الرسولي وما جرى في الشرق الأوسط منذ بدايات أزمة القضية الفلسطينية أمر يحتاج تاريخيا إلى مؤلفات قائمة بعينها، ويبقى السؤال.. ماذا عن البابا فرنسيس والقضية الفلسطينية؟

ربما كان من نصيب البابا فرنسيس، بابا إصلاح القلب بنوع خاص حدث غير عادي في مسار القضية الفلسطينية، ففي أيار من عام 2015، تم توقيع اتفاق ثنائي بينه وبين فلسطين، جاء فيه اعتراف صريح بـ”دولة فلسطين”. والثابت أن الاتفاق الشامل الذي جرى بين البابا فرنسيس و”دولة فلسطين”، والذي أُعلن عنه في منتصف أيار من ذلك العام، قد أوصل الرحلة التي بدأت عام 1994 إلى خواتيمها، عندما أقام الفاتيكان علاقات رسمية مع منظمة التحرير الفلسطينية.

ما هدف البابا من ذلك الاتفاق؟

الجواب نجده في التصريحات التي أدلى بها في ذلك الوقت المونسنيور أنطوان كاميليري، مساعد وزير الخارجية لعلاقات بابا الكنيسة الكاثوليكية، والذي ترأس الوفد، إلى صحيفة أوسيرفاتور رومانو، صحيفة حاضرة الفاتيكان الرسمية، وفيها: “إن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الحياة وأنشطة الكنيسة الكاثوليكية، والاعتراف بها على المستوى القانوني لخدمة المجتمع بفاعلية أكثر”، كما أن هذا الاتفاق يعرب في الوقت نفسه عن الأمل في التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، والصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين كجزء من حل للدولتين.

والشاهد أنه على الرغم من الاحتجاج على استخدام مصطلح دولة فلسطين، فإن هذا ليس جديدًا لدى البابا، ففي 29 تشرين الثاني 2012 تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يعترف بفلسطين كدولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة، وفي اليوم ذاته، كان البابا -الذي لديه صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة- يعترف بالقرار الاممي أيضًا ويصدر بيانًا رسميًا بذلك، وبالفعل استبدل الكتاب السنوي الحبري بدءًا من عام 2014 لأعضاء السلك الدبلوماسي عبارة “تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية” بـ”ممثل دولة فلسطين”.

لم يكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الفاتيكان والدولة الفلسطينية إلا تطورًا طبيعيًا للموقف الذي ثبت عليه الفاتيكان على الدوام، أي على ضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وأن يكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة، وكما قال الفاتيكان دائمًا، لا يمكن التوصل إلى السلام، إن لم تتوصل إسرائيل وفلسطين إلى اتفاق يضمن وجود دولة للفلسطينيين.

كان من الواضح أن الفاتيكان، وفي عهد البابا فرنسيس، قد عزم أمره على الأخذ بزمام المبادرة على نحو متزايد في السياسة الخارجية، ومن هنا جاء الاعتراف بفلسطين بشكل رسمي، وقال المتحدث باسم الفاتيكان يومها الأب اليسوعي فيدريكو لومباردي: “نعم، إنه اعتراف بأن هذه الدولة موجودة”.

ترسل مواقف الفاتيكان الجذرية رسائل علنية إلى الأطراف الدولية بأن الحق أحق أن يتبع، وبأن قوة الحق أجدر بالاعتبار من مفاهيم القوة العسكرية والسطوة السياسية، وأن السلام لا الخصام هو الحل.