خريستوفوروس:آن الأوان لنرفع الصوت عالياً في ظل المخاطر التي تحيط بالقدس

92

أول مطران عربي يرأس الكنيسة الأرثوذكسية في الأردن

“صوت صارخ في البرية”، هكذا كان صوت مطران الروم الارثوذكس في الاردن خريستوفوروس عطاالله، بالدفاع عن الوصاية الهاشمية على المقدسات المسيحية في القدس.

فقد أعلنها المطران خرسيتوفوروس في لقاء مع «الرأي » إننا «أصحاب شرعية بالحديث باسم المسيحية في الشرق» مضيفا أن «شرعيتنا منحتنا أن نطلب من جلالة الملك عبدالله الثاني، أن يكون وصياً على الأماكن المقدسة المسيحية، في القدس».

وذكّر العالم أن العهدة العمرية عقدت بين بطريرك الروم الأرثوذكس صفرونيوس عام 638 ميلادية، وقال «نحن استقبلنا المسلمين بمحبة المسيح وفتحنا لهم أبواب القدس، وصارت العهدة العمرية مع بطريرك القدس «المدينة المقدسة» لروم الأرثوذكوس، وهو القديس صفرونيوس وهو أحد قديسي الكنيسة».

العهدة العمرية هي «العهد الذي أعطاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل القدس بعد أن جاء لاستلام مفاتيحها من البطريرك صفرونيوس في الخامس عشر من الهجرة.

وكتب الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (القدس) عندما فتحها المسلمون كتابا، أمنهم فيه على كنائسهم وممتلكاتهم، واشترط ألا يسكن أحد من اليهود معهم في المدينة، إذ اعتبرت العهدة العمرية واحدة من أهم الوثائق في تاريخ القدس وفلسطين.

وأكد المطران خريستوفوروس، وهو أول مطران عربي يرأس الكنيسة الأرثوذكسية في الأردن، أنه «طلبنا من جلالة الملك أن يكون وصياً على الأماكن المقدسة المسيحية، ليس فقط لأننا نثق بقدرات وحكمة وحنكة جلالة الملك فقط، ولكن لأننا نرى أيضاً في جلالته استمرارية للشرعية الإسلامية التي بنت ثقافة علاقة العيش المشترك منذ 1400 عام بين المسيحيين والمسلمين وفي العهدة العمرية».

وبين المطران خريستوفوروس أننا كمسيحيين شرقيين مغيبين وليس لنا صوت بفعل محاولات «لم تكن بريئة» من قبل المسيحية الغربية لطمس هويتنا كعرب مسيحيين وإظهار أنهم هم من لهم الشرعية بالتحدث باسم المسيحيين.

إلا أنه في ظل المخاطر التي تحيط بالمدينة المقدسة (القدس) من محاولات تهويدها وطمس هويتها العربية يقول المطران إنه «آن الأوان أن نرفع صوتنا عاليا ليسمع العالم من أصحاب الأرض والشرعية في هذه البقعة من الكرة الأرضية».

وقال «نحن كمسيحيين دفعنا أثماناً غالية بسبب أن المسيحيين في الغرب لا يعرفوننا، وأشقاؤنا في دول عربية لا يرون أننا موجودون، رغم أننا أصحاب الأرض، واستقبلنا الخليفة عمر بن الخطاب والمسلمين في بلادنا».

وأشار المطران خريتوفروس إلى الحروب الصليبية، قائلا «إننا دفعنا ثمن الحروب الصليبية، وهي كانت ضدنا نحن مسيحيو الشرق» مضيفا أنها كانت محاولة من المسيحية الغربية والكنائس الغربية للهيمنة على مسيحيي الشرق تحت غطاء أنهم يريدون إنقاذ البلاد من المسلمين.

وتابع «لذلك كنا أولاد البلد، مسيحيين ومسلمين، مع بعضنا البعض بالتحدي وطرد الصليبيين (الفرنجة) من بلادنا، أولئك الذين استخدموا الصليب والصليب براء منهم».

وشدد المطران خرسيتوفوروس على أن «هذه الصورة ينبغي أن تتضح «أننا موجودون هذه بلادنا والمسيحية في الغرب ليست هي التي لها الحق بالحديث باسمنا».

وحذر من مخطط تهجير المسيحيين من بلادهم، وتفريغ المنطقة من المسيحيين، وقال إن «هذا ما يقلق الكنيسة»، موضحا أن هذا الأمر ليس وليد اللحظة، وإنما وليد عقود طويلة وقرون من الزمن » مخطط له من قرون من الزمن لتفريغ المسيحيين من المنطقة».

ودخلت عوامل عديدة ساهمت في عملية تفريغ المنطقة العربية من المسيحيين عبر تهجيرهم، بحسب المطران خريستوفوروس، خصوصا بالفترة العثمانية وما كان فيها من حالات تطرف، وما تبعها من إرهاب حاول البعض ربطه بالدين الإسلامي والإسلام منه بريء، في فترات من الزمن استخدم ضد المسيحيين في بلادنا.

ونوه إلى أن المسيحيين في الاردن وفلسطين وبعد ما حدث للمسيحيين في دول مجاورة أصبحوا يشعرون بالخوف ويرغبون بالهجرة وترك البلاد.

وقال إن هذا الخوف لم يأت من فراغ بل تم التخطيط له، مؤكدا أنه يقع على عاتق العرب (مسيحيين ومسلمين)، أن نبرز دور المسيحية وحقيقتها، ونبرز الإسلام وحقيقته.

وشدد على أن الديانتين (المسيحية والإسلامية) أبعد ما تكونان عن هذه الصورة المشوهة، وقال علينا مسؤولية أن نبرز حضارتنا المشتركة، التي أنجزناها طيلة 1400 سنة مع بعض كمسيحيين ومسلمين، وهي حضارة «أخوة وعيش مشترك ومحبة وسلام» هذه هي الحضارة التي بنيناها، وهي في مراحل تاريخية وبعوامل خارجية تم تشويهها والمس فيها.

وقال إن «تفريغ المسيحيين من البلاد هو مخطط له حتى يتحول النزاع إلى «نزاع يهودي صهيوني – إسلامي ».

وقال المطران خريستوفوروس «نحن لسنا ضد الديانة اليهودية بل على العكس نحن نؤمن مثل رؤية جلالة الملك بأن القدس «للمسلمين والمسيحيين واليهود»، لكن لا تستطيع أي جهة أن تسيطر وتهيمن على هوية القدس الروحية.

وأكد نحن نقف ونصرخ بصوتنا وإذا تم المساس بالوصاية من أي طرف، إن كان غربياً أو عربياً إسلامياً، فإننا كمسيحيين معرضون لخطر روحي ووطني، لأن هذا سوف يعيق شهادة الكنيسة للحق في أزمنة صعبة نحن نمر بها.

وقال إنه لا ينبغي أن تأتي جهات سياسية وتسيطر على الكنيسة، وبالتالي لا يجب أن تقاد الكنيسة من جهات سياسية تملي عليها كيف تتعامل مع قضايا كنسية وروحية وحتى وطنية، الكنيسة حرة ينبغي دائما أن تعلن كلمة الحق بكل استقامة وبحرية، بعيدة عن السلطات، وهذا أمر متحقق مع جلالة الملك عبدالله الثاني، فهناك احترام كامل لهويتنا ولمسار الكنيسة الروحي».

ودعا المطران خريستوفوروس الإعلام إلى دعم الوصاية الهاشمية على المقدسات، كما دعاهم إلى دعم حق المسيحيين وشرعية وجودهم ودورهم في مواجهة أي محاولة لطمس هويتهم العربية.

كما شدد على ضرورة أن يصل صوت العرب المسيحيين لسفراء الدول الأجنبية لمساندتنا في دعم الوصاية الهاشمية والدفاع عن الهوية المسيحية الشرقية في البلاد المقدسة، مشيراً إلى أنه سيلتقي عددا من سفراء الدول المؤثرة بالقرار في المنظومة الدولية، بغية الحوار معهم.

وتابع «سنوضح لهم قلقنا على القدس، وأنه لا ينبغي أن تعامل القدس بمصالح اقتصادية وسياسية وفقاً للمنظومة العالمية الحديثة، ولا نرضى أن يحدث ذلك»، وأردف قائلا« القدس هي إرث روحي، ومسؤوليتنا أمام الله وأمام البشرية وأمام التاريخ أن نحافظ على الهوية الروحية للمدينة المقدسة».

وحول الحادث الارهابي الذي استهدف مسجدين في نيوزلندا قال إنه عمل مرفوض وعلينا أن نكون حريصين على لا نقبل أي تصرف فردي من أفراد أو جهات وأن لا يتم نسبها إلى المسيحية أو الإسلام، فكلتا الديانتين براء منها، وعلينا أن نركز أن لدينا حضارة مشتركة عيشا مشتركا ومحبة وسلاما، وعلينا المحافظة على هذا الإرث الحضاري والإنساني الذي يجمعنا».

واعتبر المطران خرستوفوروس وجوده كعربي على رأس كنيسة الروم الأرثوذكس في الأردن، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها مطران عربي هذه المسؤولية، أن هذا هو الأمر الطبيعي الذي ينبغي أن يكون موجوداً بالكنيسة، لافتا إلى أنه يعود إلى غبطة البطريرك ثيوفلوس فهو اتخذ قراراً جريئاً.

وقال «كنسيا ووطنيا أثمن هذا القرار، وأنظر إليه كمسؤولية علي في حمل هذه الأمانة، ولا أراه كمنصب وكرسي للتباهي»، ولم آتي لسلطة، وإنما لأخدم، حتى أعمل نهضة روحية، فأنا أحمل هم وهوية الكنيسة وهذا هو المهم، وهو ما نعمل عليه مع غبطة البطريرك.

وقال إن لديه مسؤولية بما يتعلق بملف أملاك الأرثوذكس في مدينة القدس، مشيرا إلى أن الأوقاف الخاصة بالكنيسة بالقدس مضمونة، لافتا إلى أن هناك بعض الامور بهذا الملف يحاول البطريرك حلها بأقل الأضرار على الكنيسة وعلى الوجود المسيحي.

وفي رده على سؤال حول جائزة المصباح التي تسلمها جلالة الملك في إيطاليا، بين أن أهمية الجائزة جعلتني أتحدث عنها في الكنيسة، فمكانة جلالة الملك ورسالته ببعدها الحضاري والروحي لها مكانتها في المجتمع العالمي وهذا مصدر فخر لنا.

وبين أنه شعر بفخر كيف كان الكل ينظر لجلالة سيدنا ولدوره بالمنطقة والعمل الذي يقوم به إما على صعيد المقدسات أو السلام العادل الحقيقي وليس سلام المصالح، وعن استضافة اللاجئين ودور جلالة الملك والاردن والمواطن الأردني في حمل أعباء كل هذه الملفات.

وقال إن مرافقة الملك هي فخر للكنيسة وأبنائها وللوطن وأبنائه، مشيرا إلى أنه عندما التقى انجيلا ميركل ورئيس الوزراء الايطالي وعدداً من السفراء، كانوا جميعاً يتحدثون عن الرؤية الواضحة التي يتمتع بها جلالة الملك، وعن الفكر الذي يحمله جلالته وأهمية أن يؤخذ به وباهتمام.

وأضاف أنه لذلك علينا الالتفاف حول قيادة جلالة الملك في هذه المرحلة الصعبة، عيلنا وضع خلافاتنا جانبا لأن الأيام القادمة ستكون صعبة علينا بما يخص القدس، والتحديات والأثمان ستكون كبيرة، لكن جلالة الملك يتصدى لكل التبعات، وجلالته يحمل هم الوطن بمسلميه ومسيحييه.

وفيما إذا المنطقة مقبلة على حرب لمواجهة التهديدات على القدس، أجاب المطران خرستوفوروس إنه لا يعلم إن كنا سندخل حرباً أم لا، متمنيا أن لا يحدث ذلك، ولكن وفقا لوجهة نظره فإن الحروب أصبحت في عصرنا تخاض بطرق مختلفة، وأصبحت هذه الأساليب مؤثرة أكثر من حرب السلاح، وهو ما نتعرض له من سنوات، كالحرب الاقتصادية والإعلامية والنفسية، وعلينا ألا ننسى ما يمارس على الأردن من ضغوط، إلى جانب تخلي الجار عنا وعدم فهمنا.

وشدد على أنه علينا أن نكون واعين لذلك، فالحروب ستكون قاسية وستأخذ أبعادا متعددة، ومغلفة بغلاف الحملان ولكن في داخلها ذئاب وداخلها عفن، ولا يوجد بها أي قيمة إنسانية وحضارية، فقط فيها مصالح وجشع وطمع ومال، لا إنسانية فيها.

ورغم خطورة التهديدات على صعيد الهوية والوجود، إلا أنه يرى أن ملف تقوية الأسرة والمحافظة على بنيانها لا يقل خطورة عنها، لأن تقوية الأسرة والمحافظة عليها هي سلاح مهم لحماية المجتمع، لذلك ومع أنه لم يمض على تعيينه تسعة أشهر، فقد عين المطران خرسيتوفوروس لجنة قانونية لتحديث وتطوير القانون الكنسي الذي يطبق بمحاكم الكنسية الأرثوذوكسية في كل مناطق البطريركية.

وبين أنه سيتم إقرار القانون الكنسي بأسرع ما يمكن من قبل المجمع المقدس في غضون ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، مؤكدا أن اللجنة تعمل لتحديثه بأفضل صورة ممكنة.

من جهة ثانية بخصوص الميراث والزواج تعمل اللجنة ذاتها وفقا للمطران على تطويرهما، وسينضم محاميان من اليونان للفريق الأردني الذي يعمل على تطوير القوانين، لأنهم يحملان درجة بروفيسور في مجالي الحقوق المدنية والكنسية، لنتمكن من الوصول إلى قانون أحوال شخصية حديث قدر الإمكان ويغطي كل احتياجات أبناء الكنيسة.

ولفت إلى أن الكنيسة تعقد الان دورات للمقبلين على الزواج، إذ لا يعطى إذن زواج إلا باجتياز الخاطبين الدورة التي ينفذها متخصصون في علم نفس وعلم اجتماع وعلم أسرة وطبيب ومرشد روحي، وهذا نابع من حرص الكنيسة، وعمل ما أمكن من أجل تثبيت الوجود المسيحي، فكلما تمكن المسيحي من معالجة قضاياه بطريقة سليمة بحيث تكون الكنيسة قريبة منه والدولة قريبة منه، يزداد الاستقرار، الكنيسة تلبي احتياجات الأسرة المسيحية، والدولة تلبي احياجات الكنيسة وتساعدها. فكل ما يصدر من قبل محاكمنا الكنسية يصدر باسم صاحب الجلالة وهذا ما يميزنا بالاردن عن غيرنا.

وبين المطران خرسيتوفوروس أن الكنيسة الأرثوذكسية تمنع أي زواج لقاصر، أي من لم تبلغ 18 عاما.

وختم اللقاء بقوله «نحن مسيحيو الشرق موجودون وهي أهم رسالة ينبغبي أن تصل»، ونحن لسنا ضد أي أحد، ولكن لا نقبل أن يستضعفنا أحد.

وقال «نصلي أن لا يمسوا القدس لأن التاريخ علمنا أن فوق القوة البشرية والسياسية والعظمة، هناك قوة إلاهية، ومهما قوي الشر وعدم العدل والظلم وعدم الحق وسيطر، ولكن له تاريخ انتهاء، لأن «التوقيع النهائي هو ليس للرئيس الاميركي دونالد ترمب، وإنما لله عز وجل، والله يظهر للبشرية أنه يتأخر بأن يضع توقيعه، ولكن سيضعه في النهاية».