السفير عيسى قسيسية يكتب: أخوة وأخوات في المدينة المقدسة

118

عضو اللجنة الرئاسية سعادة السفير عيسى قسيسية

أعلن الفاتيكان أن البابا فرنسيس سيزور دولة المغرب نهاية هذا الشهر، وهذه ليست الزيارة الأولى التي يقوم بها البابا فرنسيس إلى دولة عربية إذ زار قبل ذلك الأردن وفلسطين ومصر والإمارات العربية المتحدة. وتنبع أهمية هذه الزيارة من كونها تشكل حوارًا يعبّر عن الرسالة البابوية للحبر الأعظم، وتبعث تحية للمسيحيين في الشرق الأوسط، وتؤكد على الحوار بين الأديان لأجل السلام.

وبعد الاعتراف غير القانوني للولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلى جانب استخدام مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين الحجج الدينية لتبرير هذا الانتهاك الجسيم للقانون الدولي، تكتسب زيارة الكرسي الرسولي إلى العالم العربي أهمية كبرى، ويمكننا معًا تسليط الضوء على رسالة المحبة والتسامح لأدياننا، والتقدم نحو مستقبل يتسم بالعدالة والسلام في القدس. وبهذا وستواصل فلسطين تأدية دور هام في بناء العلاقات بين الكرسي الرسولي والعالم العربي.

أمّا نحن في فلسطين فما نزال نتذكر البادرة التي قام بها قداسته أثناء أداءه الحج في أرضنا المقدسة فقد وصل البابا فرنسيس إلى بيت لحم، قادمًا من الأردن، على متن طائرة مروحية دون المرور عن طريق إسرائيل، مؤكدًا على اعتراف الفاتيكان بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وفي هذا السياق وفي 26/05/2015 تمّ التوقيع على اتفاق شامل والتصديق عليه بين دولة فلسطين والكرسي الرسولي.

وعلى نطاق أوسع، فقد أدرك قداسة البابا منذ الوهلة الأولى أن مهمته الرئيسية هي بناء جسور التواصل بين الشرق والغرب وهزيمة قوى الشر، ولهذا السبب يتطلع قداسته لأن تكون فلسطين جزءًا أساسيًا من مهمته الإنسانية: فلسطين هي البوابة التاريخية بين الشرق والغرب، فضلا عن كونها أهم موقع للحج في العالم. تمثل فلسطين الأبعاد المختلفة للواقع المضطرب الذي يجمع بين الطبيعة الروحانية للكنائس ودورهما وبشاعة الاحتلال الإسرائيلي. وهذا واقع أدركه قداسة البابا فرنسيس جيدًا عندما وقف وصلىّ أمام جدار الضم والتوسع الإسرائيلي الذي يفصل مدينة القدس عن أختها مدينة بيت لحم لأول مرّة منذ ظهور المسيحية قبل نحو ألفي عام. وقد شكلّت هذه البادرة رسالة قوية من التعاطف مع المضطهدين في جميع أنحاء العالم.

لم يمض وقتًا طويلا على زيارة البابا إلى الأرض المقدسة حتى دعا للصلاة من أجل السلام في مدينة الفاتيكان، وقد شارك الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل شمعون بيرس في تلك الصلاة، وكانت القدس محور صلاتهم. وكانت تلك اللحظة علامة بارزة في الحوار بين الأديان؛ فلسطينيون مسيحيون ومسلمون ويهود إسرائيليون اجتمعوا معًا كي يصلوا من أجل السلام. حقًا إن مدينة القدس المقدسة هي السبيل إلى السكينة والسلام والمحبة.

وفي هذه الأجواء من المودة وصدق المشاعر، حث الرئيس عباس قداسة البابا على تجديد الحوار مع الأزهر الشريف بوصفه ممثلا لصوت الإسلام في العالم العربي المعاصر. وقد زار الرئيس عباس مصر لهذا الغرض واجتمع مع الشيخ أحمد الطيّب. ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة المصالحة والحوار المثمر بين الأزهر الشريف والكرسي الرسولي، ونشأت علاقة خاصة بينهما أسفرت عن توقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية بين قداسة البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيّب في العاصمة الإمارتية أبو ظبي بحضور العديد من زعماء الدين الذين يمثلون التعددية الدينية في العالم العربي.

ارتباطنا بالكرسي الرسولي ليس جديدًا، فقد كان حاضرًا في فلسطين لمئات السنين لأن المسيحيين جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الفلسطيني. وتشترك كل من المملكة الأردنة الهاشمية وفلسطين في الرؤية ذاتها وهذه مسألة يعرفها الفاتيكان جيدًا. وضمن هذا السياق، التقينا مع عدد من المسؤولين في الكنيسة الكاثوليكية الذي أيدّوا إقامة علاقات قوية مع العالم العربي ومن ضمنهم رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال جون لويس توران الذي كانت مهمته الأخيرة قبل وفاته زيارة المملكة العربية السعودية. وقد أدرك الكاردينال توران أن المسيحيين هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني ولهم مكانة مركزية في العالم العربي، وأيّد بقوة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأن تكون مدينة القدس مركزًا دينيًا وروحيًا لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث، وليس مجرد مدينة تقتصر على لون واحد فقط. وعليه إن سياسة إسرائيل الحصرية الرامية إلى جعل القدس مدينة يهودية تشكل أرضًا خصبة للتطرف الديني، وللأسف أصبح التطرف الديني في الوقت الراهن هو المعيار نتيجة سيطرة إسرائيل الأحادية على مدينة القدس.

رسالة فلسطين هي دعوة صادقة لتحقيق العدالة التي يتردد صداها داخل قلوب أولئك الذين يؤمنون بأن الدين هو الوسيلة للحب والسلام. وقد قال رئيس أساقفة اللاتين المتقاعد البطريرك ميشيل صباح بعد أيام قليلة من قرار الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل: “لن نخسر فرحتنا، وسنبقى في أرضنا وفي القدس. وستبقى القدس عاصمة لصلواتنا وحياتنا اليومية رغم كل ما يقولونه ويقررونه”.

سنبقى على الدوام حليفًا قويًا للكرسي الرسولي، ونتشرف كثيرًا بالزيارة المرتقبة للبابا فرنسيس إلى دولة المغرب الشقيقة. نتطلع إلى مزيد من الحوار للمضي قدمًا نحو تحقيق السلام والعدل في العالم. ويمّر هذا السلام عبر القدس. وفي الوقت الذي نعزز فيه التنسيق من أجل حماية القدس مع المملكة الأردنية الهاشمية ومع رئيس لجنة القدس جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب، من الضروري تعزيز الحوار بين العالم العربي والكرسي الرسولي كي يبقى هذا الحوار رمزًا للوحدة من أجل سلام عادل نابع من مدينة القدس المقدسة.