القس الراهب: سياسات أمريكا في الشرق الأوسط سبب هجرة مسيحيي فلسطين

29

اعتبر القس الدكتور متري بشارة الراهب، الرئيس السابق لمجمع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة في فلسطين، وراعي كنيسة الميلاد اللوثرية الانجيلية في بيت لحم، زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس إلى الشرق الأوسط، وتشمل مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي والأردن في غير محلها.

وقال في حوار خاص مع «الشروق» على هامش مؤتمر الأزهر لنصرة القدس، إن اضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط هي أسطوانة صهيونية، أو صهيونية مسيحية، والهدف منها هو تصوير وكأن الصراع في الشرق الأوسط هو صراع ديني، لافتًا إلى أن السبب الرئيس وراء “هجرة المسيحيين” هو الاحتلال الإسرائيلي، والسبب الثاني هو الاقتصاد، مؤكدًا أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط في العقد الأخير، أدت إلى هجرة الكثير من المسيحيين من العراق بعد الغزو الأمريكي.

وأضاف أن المسيحية الصهيونية بدعة، ولا تمت للفكر المسيحي اللاهوتي بصلة، وعودة المسيح مذكور في الكتاب المقدس، ولكن قيام دولة إسرائيل قبل عودة المسيح لم يذكره الكتاب المقدس مطلقا، مردفًا: نحن بحاجة لمثل صوت الأزهر في خضم مجتمع شرق أوسطي، للأسف اختطف فيه فكر داعش الإسلام، وحاولت أن تبرر مواقفها باسم الإسلام، وأن قضية القدس قضية إسلامية مسيحية، ومدينة فيها تعددية دينية.

وإلى نص الحوار:

● كيف ترى زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس إلى الشرق الأوسط؟

هي زيارة في غير محلها، لأنها لا معنى لها إذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية تعترف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وبالتالي هي تمييز ضد الفلسطينيين، وتنتهك المواثيق الدولية الخاصة بالقدس، واتفاقية جنيف الخاصة بالأراضي المحتلة، وبالتالي كنا نود أن نرى نائب الرئيس الأمريكي في وضع يعيد فيه الحقوق للشعب الفلسطيني، لا أن يعطي كل شيء للجانب الإسرائيلي.

● هل طلب «بينس» لقاء القيادات الدينية في كنائس القدس؟

في الواقع قبل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل، كان هناك حديث عن لقاء بين بينس مع بعض القيادات الدينية في القدس، وكان اللقاء مخططًا له أن يكون في مدينة بيت لحم في ديسمبر الماضي، لكن تغيرت الظروف وجرى ما جرى بعد قرار ترامب.

● هل كانت هناك أسماء بعينها لحضور هذا اللقاء؟

كانت هناك تحضيرات للقائه، للحديث من جانبنا عن وضع المسيحيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهذا كان أملنا أن نتحدث فيه، ولدينا دراسة عن هجرة المسيحيين من فلسطين، صدرت في ديسمبر الماضي، وبينت بشكل واضح، أن السبب الرئيسي من هجرة المسيحيين هو الاحتلال الإسرائيلي، والسبب الثاني هو الاقتصاد، وهذا كنا نود أن ننقله لبينس، الذي يدعي أن مستقبل المسيحيين في القدس يهمه.

وللأسف السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط في العقد الأخير، أدت إلى هجرة الكثير من المسيحيين من العراق بعد الغزو الأمريكي، أو من سوريا بعد تدميرها، وفي أماكن أخرى، ويهاجر المسيحيون الفلسطينيون إلى أمريكا الشمالية، وكندا، وبعض الدول الإسكندنافية مثل السويد والنرويج، وهجرة للخليج العربي للعمل هناك.

ويشكل المسيحيون الآن في فلسطين، ما يقرب من 170 ألف مسيحي فلسطيني في فلسطين التاريخية، وفي المهجر والشتات يوجد ما يزيد على 600 ألف مسيحي فلسطيني، وهي الأغلبية الساحقة منهم، وأكثرهم هاجر في مطلع القرن العشرين إلى أمريكا الوسطى والجنوبية، وتناقصت نسبة المسيحيين الفلسطينيين من 8% إلى 2% بعد 1948.

● وماذا عن هدف الزيارة بدعم حقوق الأقليات الدينية المسيحية المضطهدة في الشرق الأوسط؟

الحديث عن اضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط هي أسطوانة صهيونية، أو صهيونية مسيحية، والهدف منها تصوير أن هناك صراعًا دينيًا في الشرق الأوسط، وكأن المسيحيين العرب هم ضحايا للإسلام في الشرق الأوسط، لكن للأسف المسيحيون الصهاينة لا يؤخذون على محمل الجد، الوضع الصعب الذي يعيشه المسيحيون والمسلمون في فلسطين نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي.

والحقيقة أنه لا يوجد اضطهاد إسلامي لمسيحيي الشرق الأوسط، بل كلنا في الهم سواء، أمام تنظيم داعش الذي يفجر المساجد والكنائس، وله أجندته الخاصة، والمسيحيون ليسوا طرفًا مستهدفًا بالدرجة الأولى، ولكن يُستغل المسيحيون لأغراض سياسية، من جانب «بينس» والمسيحيين الصهاينة ومن جانب داعش، ونرفض كمسيحيين فلسطينيين أن نصبح أداة لتمرير أي سياسات من قبل أية جهة كانت.

● هل لك أن تفسر لنا إيمان «المسيحيين الصهاينة» بفكرة العودة الثانية للسيد المسيح آخر زمان وارتباط ذلك بقرار ترامب؟

بالنسبة لنا، تعد المسيحية الصهيونية بدعة، ولا تمت للفكر المسيحي اللاهوتي بصلة، وهي فكرة خطيرة جدًا، تقول إن المسيحيين الصهاينة يريدون تعجيل عودة المسيح الثانية، وهناك علامات معينة بذلك منها قيام دولة إسرائيل.

والمسيحيون الصهاينة يكرهون اليهود كثيرًا، وإن بدا للوهلة الأولى أنهم يدعمونهم، لكنهم يريدون أن يأتوا باليهود إلى فلسطين، لكي يُقتل ثلثا اليهود هناك، والثُلث الثالث يعتنق المسيحية، وتنتهي اليهودية، وهذا فكر خطير وفكر غير سامٍ، ونحاربه بكل ما أوتينا من قوة، وهو فكر يمجد الحرب بدلاً من أن يكون الدين مدعاة لسلام عادل، هنا تكمن مشكلة المسيحية الصهيونية.

وعودة المسيح مذكورة في الكتاب المقدس، ولكن قيام دولة إسرائيل قبل عودة المسيح لم يذكره الكتاب المقدس مطلقًا، وهي فكرة اخترعتها الإمبراطوريات في أوروبا لطرد اليهود من أوروبا إلى فلسطين، وتبرير سياساتها.

● كيف ترى الدعوات التي تقول إن قضية فلسطين هي قضية إسلامية فحسب؟

لا أحد ينكر البعد الإسلامي للقدس، باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ونحن نفتخر بها، والقدس أيضًا هي مركز حياة ميلاد المسيح، الذي وُلد فى بيت لحم، وعاش في القدس، وتمثل الكنائس نحو 45% من الأملاك في القدس الشرقية، وبالتالي فالقدس مهمة جدًا لنا باعتبارنا مسيحيين، ونحزن إذا أراد أحد أن يهمشنا.

ونحن نقول كما قال شيخ الأزهر إن لها ميزتها الخاصة، وهي مدينة فيها تعددية دينية، وممثل الكويت قال إن الفاتيكان فقط للمسيحيين، ومكة فقط للمسلمين، لكن القدس لها طابع شمولي للجميع، سواء المسلم أو المسيحي، أو اليهودي، ونحن لا ننكر ذلك مطلقًا، ولابد من إيجاد حل يحافظ على هذه التعددية في القدس.