الحضور المسيحي في فلسطين وتحديات البقاء

د.حنا عيسى

774

الشعب الفلسطيني متعدد الأعراق والمذاهب والأديان، فغالبية سكان فلسطين عرب مسلمون، والعديد منهم مسيحيون، ينتمون لكنائس مختلفة، كالأرثوذوكسية والكاثوليكية والمارونية والسريانية وغيرها؛ إضافة إلى الطائفة السامرية التي يعيش أبناؤها في منطقتي حولون (داخل الخط الأخضر) وجبل جرزيم جنوبي مدينة نابلس، كما تعيش في فلسطين عدة جاليات إثنية، كالأرمن، والأكراد، والأرناؤوط، والبشناق، والشركس، والدوم، والأفارقة، وتشكل مع الأكثرية السكانية العربية النسيج العضوي للمجتمع الفلسطيني، وتزيده ثراء وتنوعًا.

التوزيع الديموغرافي للمسيحيين

الحضور المسيحي في المجتمع الفلسطيني في الوقت الحالي يشكل أقل من 1% فقط من تعداد سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وذلك لأن معظم مسيحيي فلسطين قد توجهوا إلى العيش في بلاد أخرى لأسباب مختلفة منها وجود الاحتلال الإسرائيلي في هذه الأراضي، والوضع الاقتصادي السيء.

تشير بعض التقديرات إلى أن أعداد الفلسطينيين المسيحيين تصل إلى 2،300،000 نسمة، لكن اغلبيتهم المطلقة تقيم خارج الوطن، بينما بقي ما يقارب 45 ألف مسيحي في الأراضي المحتلة منذ العام 1967، موزعين بين الضفة الغربية التي يقطنها 40 ألفًا، وقطاع غزة الذي يقطنه 733 مسيحي، والقدس أقل من 5 آلاف مسيحي، فيما تبين أحدث التقديرات أن نسبتهم لا تتجاوز 0,6% من جميع الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية.

في المقابل، تشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المسيحيين من أبناء الشعب الفلسطيني في اراضي الـ48 يصل إلى 117 ألف نسمة، من مجموع السكان البالغ 8،842،000 نسمة بحسب الاحصائية الاسرائيلية بتاريخ 15/4/2018. وتشير إحصاءات حديثة إلى أن عدد المسيحيين انخفض إلى 114،500 آلاف نسمة في الوقت الحالي.

وبحسب توزيع المسيحيين الفلسطينيين في اراضي الـ48، يتبين أن 66070 منهم ينتمون إلى كنائس الروم الكاثوليك وإلى الكاثوليك بشكل عام، و45424 ينتمون إلى الروم الأرثوذكس، و5505 إلى البروتستانت. وتبلغ نسبة الروم الأرثوذكس 51% من المسيحيين في الضفة والقطاع، فيما تتوزع البقية على الكنائس المختلفة على النحو التالي: اللاتين 33%، الروم الكاثوليك 6%، البروتستانت 5%، السريان والأرمن الأرثوذكس 3% لكل كنيسة، الأقباط والأحباش والموارنة وغيرهم من المسيحيين 2%.

مكمن الخطر ..  الصراع العربي الإسرائيلي

الصراع العربي الإسرائيلي ترك أثاره السلبية على حركة المواطنين الفلسطينيين وتهجيرهم خارج الوطن، فمع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في سنة 1948 هجر ما يقارب 950 ألف فلسطيني عن أرضهم وأصبحوا لاجئين بين عشية وضحاها، ومن بين السكان الذين عانوا  تجربة اللجوء ما بين 40,000 ألف إلى 50,000 من المسيحيين العرب  الذين كانوا أكثر من ثلث السكان المسيحيين في فلسطين في سنة 1948.

وعلى سبيل المثال، كان عدد المسيحيين في القدس، بحسب إحصاء 1922 نـحو 14700 نسمة، والمسلمون 13400 نسمة، بينما بلغوا في إحصاء 1/4/1945 نـحو 29350 نسمة، والمسلمون 30600 نسمة، وهبط عدد المسيحيين في القدس عام 1947 إلى 27 ألف نسمة بسبب الأوضاع الحربية التي نشأت في فلسطين عشية صدور قرار التقسيم في 29/11/1947. وأصبحوا الآن  اقل من 5000 فرد. وذلك بسبب الاحتلال هاجر الكثير من المسيحيين سنة 1967 إلى الأردن والسكن في العاصمة عمان، بسبب توفر الفرص أكثر بكثير منها في القدس، ولا غرابة أن نقول بأن عدد المسيحيين في استراليا اكبر منه في مدينة القدس الشرقية، وان عدد المسيحيين الفلسطينيين في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر بكثير مما هو موجود الآن في مدينة رام الله.

عوامل انخفاض نسبة المسيحية في فلسطين

العامل السياسي والذي مثله الاحتلال الإسرائيلي، وفرض ظروف اقتصادية سيئة ومناخ اجتماعي صعب لعب دوره أساسي في دفع الناس إلى ترك الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كان من الأسباب المباشرة لانخفاض نسبة المسيحيين في فلسطين يعود إلى انخفاض معدل المواليد بين المسيحيين بسبب ارتفاع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي، وفشل مشاريع التنمية والنهضة في معظم دول المنطقة، وشعور المسيحيين وفئات اجتماعية أخرى بلا جدوى البقاء بسبب تدني الأوضاع الاقتصادية والسياسية فيها.

بالرغم من مصاعب المعيشة، فالأسر التي تسكن في المدن كانت أكثر عرضة للهجرة من الأسر في المناطق الريفية أو في مخيمات اللاجئين، وكان سبب المباشر الذي دفعهم للهجرة هو الوضع الاقتصادي السيء والظروف السياسية غير المستقرة.

لتخفيف الهجرة يجب أن يسبقه تحسين الظروف السياسية والاقتصادية وإيجاد فرص العمل للحد من البطالة، وإقناع المواطن بالثقافة الوطنية.

تحديات البقاء للفلسطينيين

العمل على سبيل العدل والسلام والخروج من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالحل العادل الدائم بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. والعمل على توفير القيم المجتمعية التي توثق العلاقات في هذه الأيام الصعبة بين مختلف أبناء الوطن ولاسيما في المجال الديني، ومواجهة الأوضاع الاقتصادية الخانقة بدعم اقتصادي جاد، الأمر الذي يولد الثقة في قلوب من يرون في الهجرة نجاة وخلاصًا.

هناك حاجة ماسة مشتركة لإيجاد نظرة متكاملة لقضايا الوطن وعمل جاد من قبل المسلمين والمسيحيين معًا لمواجهة التحديات المختلفة، علمًا بأن مختلف كنائسنا المسيحية تتفاعل قدر المستطاع مع احتياجات المجتمع، بروح الانفتاح والمحبة واحترام الحياة البشرية، دون اعتبار لأية خاصية أو خلفية دينية أو غيرها.