المسيحيون في القدس

د. حنا عيسى

351

تعتبر القدس رمز للتعايش بين الجميع، وهي إرث مشترك للمسلمين والمسيحيين معًا. فهي، للمسلمين، أولى القبلتين وثالث الحرمين. وهي، للمسيحيين، الانجيل الخامس. ففي أرجائها تنتصب كنيسة القيامة ودير مار يعقوب وكنيسة حبس المسيح والجسمانية ومئات الأديرة والكنائس العتيقة. وبين هذه وتلك يمتد درب الجلجلة الذي سار عليه المسيح وهو يحمل صليبه. وداخل سورها العابق بالتاريخ والعظمة تمتد أعناق المآذن نـحو السماء فتحرس قبة الصخرة والمسجد الأقصى وجامع عمر والرباط المنصوري ومهد عيسى. ومن باب العمود يخرج الزائر إلى دمشق الشام، أو يدخل إلى سوق العطارين، كأن بين الشام والقدس رباطاً مجدولاً بالمجد لا يتهلهل.

إن مسيحيي القدس، مثلهم مثل مسيحيي بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور ورام الله وغيرها، يتعرضون لمحنة حقيقية هي الهجرة المتفاقمة التي تتجاوز بكثير معدلات الهجرة السائدة في المجتمع الفلسطيني. وعلى سبيل المثال، كان عدد المسيحيين في القدس، بحسب إحصاء 1922 نـحو 14700 نسمة، والمسلمون 13400 نسمة، بينما بلغوا في إحصاء 1/4/1945 نـحو 29350 نسمة، والمسلمون 30600 نسمة. وهبط عدد المسيحيين في القدس عام 1947 إلى 27 ألف نسمة بسبب الأوضاع الحربية التي نشأت في فلسطين عشية صدور قرار التقسيم في 29/11/1947. وهؤلاء كان يجب أن يصير عددهم مئة ألف، على الأقل، عام 2000. لكن عددهم الفعلي لم يتجاوز 10982 فردًا في تلك السنة، وهم اليوم أقل من خمسة آلاف نسمة فقط. وفوق ذلك، فقد خسر 50 في المئة من مسيحيي القدس منازلهم في القدس الغربية عام 1948. ثم صادرت إسرائيل 30 في المئة من الأراضي التي يملكها مسيحيون بعد الاحتلال عام 1967. وجميع هذه العوامل تضافرت لتجعل من المسيحيين مجتمعًا متناقصًا باستمرار.