الكنائس الكاثوليكية: محاولة اسرائيل تجنيد المسيحيين يهدف لتقسيم المجتمع

القدس – وكالات  – اكد مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة ان محاولة اسرائيل تجنيد المسيحيين العرب في الجيش الاسرائيلي يهدف لتقسيم المجتمع ولزرع الفتة بين ابناء الشعب الفلسطيني.

واضاف مجلس الكنائس في بيان له ان اسرائيل تهدف من وراء محاولة تجنيد المسيحيين، لتحقيق هدفين هما: الاول قتالي وهو القدرة والعمل على مواجهة دول الجوار العربي بصورة عامة، وإبقاء الاحتلال المفروض على الفلسطينيين بصورة خاصة، والهدف الثاني هو صهر جميع المواطنين في بوتقة واحدة ترسخ فيهم وعيا واحدا إسرائيليا صهيونيا. وكلا الهدفين يناقضان ضمير المواطن الفلسطيني في إسرائيل وذاته الإنسانية.

واضاف مجلس الكنائس ان إسرائيل ليست بحاجة إلى المزيد من الجنود في عصر التكنولوجيا الحربية، إلا أن الجيش، بالإضافة إلى مهمته القتالية، يعتبر بمثابة بوتقة تصهر جميع المواطنين على اختلاف فئاتهم من حيث العرق أو القومية، وتكوِّن فيهم وعيا قوميا واحدا إسرائيليا “صهيونيا”، فالخدمة في الجيش هي الوسيلة لتنمية “أسرلة” الأقلية العربية، بحيث يصبح العرب عامة والعرب المسيحيون خاصة يرون هويتهم في إسرائيل، وليس في المجتمع العربي الفلسطيني.

وهناك اعتبار ثان رآه المجلس، وهو تجنيد الأقليات، ومنهم المسيحيون، هو أيضا تطبيق المبدأ “فرق تسد” على الأقلية العربية. والنتيجة الأولى لتطبيق هذا المبدأ هو تقسيم المجموعة العربية إلى طوائف متعددة، الطائفة الإسلامية والطائفة الدرزية والطائفة البدوية والطائفة المسيحية. وفي هذا التصنيف أولا فسخ لوحدة المجتمع العربي وهو باب للفتنة.

وفي هذا التصنيف أيضا مبدأ “تقزيم” للديانة. إذ تصبح الديانة طائفة. والديانة غير الطائفة بل هي واقع أسمى وأشمل. الديانة المسيحية ذات طابع شمولي وتدعو إلى المحبة وهي منفتحة وتعانق الجميع وليست مبدأ مخاصمة مع الآخرين أيًّا كانوا ولا هي انغلاق على الذات. بينما مفهوم الطائفة هو نقيض ذلك، هو انغلاق على الذات ومطالبة بمصالح الطائفة فقط، ومن هنا تصبح بسهولة مبدأ مخاصمة للآخر المختلف.

ورأى المجلس ان التركيز على تجنيد المسيحيين اليوم، هو استمرار لمحاولة عزل المسيحيين في مفهوم “الطائفة”، ومن ثم وضعهم في موقف معارض لسائر مكونات المجتمع الفلسطيني، مع أن بعض المسلمين كما أسلفنا قد انضم أيضا إلى الجيش. ومن ثم الكلام على تجنيد المسيحيين العرب بدل الكلام على تجنيد العرب عامة (مسلمين ومسيحيين) هو محاولة للتفريق بين مسيحيين ومسلمين في إسرائيل.

والتركيز على تجنيد المسيحيين اليوم، هو استمرار لمحاولة عزل المسيحيين في مفهوم “الطائفة”، ومن ثم وضعهم في موقف معارض لسائر مكونات المجتمع الفلسطيني، مع أن بعض المسلمين كما أسلفنا قد انضم أيضا إلى الجيش. ومن ثم الكلام على تجنيد المسيحيين العرب بدل الكلام على تجنيد العرب عامة (مسلمين ومسيحيين) هي محاولة للتفريق بين مسيحيين ومسلمين في إسرائيل. علما أن إسرائيل عاملت ولاتزال مواطنيها العرب على أنهم “أقليات” دينية وليس على أساس أنهم “أقلية قومية”.

وأى مجلس الكنائس ان بعض المسيحيين العرب، كما وبعض المسلمين، يتطوعون للخدمة في الجيش الاسرائيلي، لأسباب اقتصادية أو ثقافية (فرص عمل وتسهيلات أعمال ووظائف وأجور عالية ودخول جامعات الخ) إذ يعتقدون أن فرص التربية أو العمل أو أية فوائد أخرى التي لا يمكن للعربي الحصول عليها تصبح له أمرا ممكنا إذا خدم في الجندية. ويعتقد البعض أن من يخدم في الجيش سوف ينال المساواة والحقوق كلها مثل المواطن اليهودي. وهذا أيضا غير صحيح.

ومن المهم أن نلاحظ أيضا أن الميل إلى التجنيد بين المسيحيين قد ازداد بعد بعض الصدامات الطائفية التي حصلت بين الدروز والمسيحيين أو بين المسلمين والمسيحيين (مثال على ذلك أحداث المغار في السنوات الأخيرة وغيرها أيضا). فكما أن هؤلاء يحملون سلاحا، كذلك يريد المسيحي أن يحمي نفسه بالسلاح.

واضاف مجلس الكنائس انه من الواضح أن الكنيسة تعلم المسيحيين أن يكونوا مواطنين صالحين وأن يسهموا مساهمة فعالة في المجتمع من أجل الخير العام. وعليها أن تغذي الوعي حول قضايا العدل والمصالحة ومحبة الأعداء واللاعنف وأخلاقيات الحروب. وفي تنميتها للوعي في قضايا العدل، ترى الكنيسة أن الجيش الإسرائيلي هو أداة لخدمة طرف واحد أي المواطن اليهودي على حساب الفلسطيني. 

الجيش هو وسيلة لفرض وإبقاء الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، ومن ثم هو وسيلة تحول دون وصول الفلسطينيين إلى تحقيق كرامتهم واستقلالهم. ومن حيث المساواة، الكنيسة ترى أن لا مساواة بين مواطن ومواطن، بين المواطن اليهودي والمواطن العربي، حتى ولو خدم في الجيش. والدليل على ذلك الدروز والبدو، فهم يخدمون في الجيش منذ عشرات السنين وما زالوا حتى الآن في حالة نمو متدنية بالنسبة إلى القرى والمدن اليهودية. ولهذا فقد أخذ بعض الشباب الدرزي المثقف يقاوم التجنيد الإجباري وذلك منذ 1972 مع تكوّن “لجنة المبادرة الدرزية”.

ودعت الكنيسة إلى حسن الجوار مع الجميع في المجتمع الإسرائيلي كافة كما في المجتمع العربي كله، بجميع مكوناته المتنوعة من حيث القومية أو الدين، وان اللجوء إلى الخدمة في الجيش للتقسيم بين فئات المجتمع الواحد يعارض عمل الكنيسة الموحد والمفيد للمجتمع ككل وللدولة نفسها لو نظرت إلى جميع مواطنيها نظرة سواء. وأما المنافع المادية التي يطمع فيها البعض (فرص عمل أو تعليم وما شابه) فمن واجب “الدولة” أن توفر ذلك لكل مواطنيها من غير أن تجبرهم على الخدمة في الجيش. شرط واحد يفرض على المواطن وهو أن يكون مخلصا ويعمل في سبيل الخير العام.

وترى الكنيسة أن هناك بعض الشباب الذين فقدوا هويتهم الثقافية والدينية والقومية. فبعضهم لا يرى نفسه عربيا بل إسرائيليا فقط. ويحدث هذا خصوصا في بعض المدن المختلطة حيث أصبح بعض الشباب العربي بل بعض العائلات تذوب في المجتمع اليهودي وتفقد فيه كل انتماء مختلف ديني أو قومي أو تاريخي وتراثي. 

وهنا ترى الكنيسة أنه من واجبها، مع احترام “الدولة” ومع إبقاء حسن الجوار مع المجتمع اليهودي الذي يعيش فيه هؤلاء، أن توعِّيَ الإنسان المسيحي العربي إلى ذاته وهويته بكل جوانبها الدينية والقومية والتاريخية والتراثية، ومن ثم لتكوين شخصية متساوية فيه، إنسانية وثقافية ومسيحية وقومية، مع وعيه لتاريخه وجذوره في الأرض وهويته التي تتكون من مختلف المكونات من غير تناقض (فلسطيني عربي، ومسيحي ومواطن في إسرائيل).

في مواجهة الرفض العربي للخدمة العسكرية لأنها تعني حمل السلاح في وجه إخوته، أصبحت السلطات الإسرائيلية تعرض على العرب الخدمة المدنية، وهنا رأى مجلس الكنائس انه يجب أن يكون واضحا أن قبول أو رفض التجنيد غير متوقف على طريقة الخدمة في الجيش، أكانت حملا للسلاح أم القيام بأية خدمة أخرى مدنية، بل على قبول أو رفض التعاون مع المؤسسة العسكرية ككل، مهما كانت صورة الخدمة التي يقوم بها المكلف في الجندية. – ومن ثم تبقى المبادئ نفسها المبينة أعلاه لرفض التجنيد أي الانضمام إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. لأن أهداف السلطات العسكرية هي نفسها، وهي صهر “الشخصية” وخلق “هوية جديدة” إسرائيلية صهيونية، وهذا ما يتعارض مع حقيقة الإنسان العربي ونوع من الاعتداء على ذاته وشخصيته الإنسانية. كما أن الخدمة المدنية لا تزيل الهدف الأساسي للجيش وهو قتال الفلسطينيين وإبقاء الاحتلال التي تفرضه على الأراضي الفلسطينية.

 وكما قلنا فإن الخدمة في الجيش سواء أكانت عسكرية أم مدنية، فهي خدمة في الجيش وقبول لجميع أهدافه التي تناقض ضمير الإنسان العربي وشخصيته وهويته.

هذا الموقف لا يعني أن الكنيسة لا تنادي أبناءها إلى خدمة المجتمع الذي يعيشون فيه، بل العكس هو الصحيح، حيث يشهد الجميع للخدمات التي تقدمها الكنيسة ومؤسساتها لغير المسيحيين والمسيحيين على السواء. غير أن الكنيسة تصر على قولها إن مثل هذه الخدمة يجب أن تكون بعيدة عن المؤسسة الأمنية، ومنوطة بالتنسيق مع القيادات المنتخبة للجماهير العربية، ويجب أن تبقى خدمة وليس نقضًا لذات الخادم وهويته.

واوصت لجنة العدل والسلام مجلس رؤساء الكنائس بتوعية المؤمنين حول حقيقة الأمور. المواطن العربي مواطن مخلص “للدولة” التي هو فيها. وهو، من جهة، لا يستطيع أن يناقض ضميره بل ذاته إذا أُمِر أن يقاتل أخاه الفلسطيني. ومن جهة أخرى، يبقى مطالبا بالمساواة التامة مع جميع المواطنين وإلغاء كل أنواع التمييز العنصري بين المواطنين بسب العرق أو الدين أو غير ذلك من الأسباب. والمسيحي العربي ليس منتميًا إلى طائفة تسعى لمصالحها فقط وتخاصم غيرها، بل هو منتمِ إلى ديانة رحبة تتسع لمعانقة جميع الناس.

 فترى اللجنة أن يقدم الرؤساء الدينيون التوجيهات السليمة لمؤمنيهم في هذه القضية وفي جميع قضايا العدل والسلام والمواطنة السليمة. هذه أيضا من مهام الكنيسة أساقفة وكهنة رعايا، حسن التعامل مع الواقع المعاش والتوفيق السليم بين الواقع والمبادئ التي تحافظ على ذات الإنسان والمؤمن وعلى كرامته وتجعل منه مواطنًا مخلصًا من غير أن تجعل منه خصما لأحد.

Print Friendly, PDF & Email