قراءة في كتاب ’خواطر يومية من القدس‘ للبطريرك ميشيل صباح

مع نهاية عام 2015 صدر كتاب “خواطر يومية من القدس” لغبطة البطريرك ميشيل صباح، وهو عبارة عن خواطر يومية سبق وكتبها غبطته على صفحة “الفيسبوك” الخاصة به، على مدار عام كامل ( من تشرين أول 2014 حتى أيلول 2015)، كما أشار قدس الأب د. رفيق خوري الذي أعدّ الكتاب للطباعة في المقدمة.

والكتاب يقع في 263 صفحة من الحجم الوسط، ويتوزع على 38 أسبوعا، وكل أسبوع يحمل مجموعة من الخواطر.

ويتناول الكتاب (الخواطر) جملة من الموضوعات التي تشغل بال الجمهور الذي يبحث عن اجابات لتساؤلات عديدة تمس حياته اليومية، ويحاول غبطته تقديم الاجابات ويقدم الارشادات الروحية مستندة الى الكتاب المقدس ورؤيته الانسانية، من خلال تجربته الحياتية والكنسية والمجتمعية على مدار حياته الحافلة بالنشاط والعطاء والارشاد والتوجيه.

ان ما يميز توجه الكتاب بالأساس هو اعتماده على عنصر “المحبة”، فهو ينطلق من المحبة ويدور في فلكها ويعود كل مرة وفي كل معضلة الى المحبة، وقد أشار الأب رفيق خوري الى هذا الأمر في مقدمة الكتاب ” من يتصفح هذه الخواطر، يلاحظ على التو أن كلمة ” محبة” ترد مئات المرات، لا بل في كل صفحة تقريبا من صفحات هذا الكتاب. فهي المحور الذي تدور حوله هذه الخواطر” (ص 4).

من هنا وبعد قراءتي للكتاب، كنت أقترح أن يحمل اسم الكتاب كلمة المحبة على نحو: “خواطر المحبة من القدس” أو ” المحبة في خواطر مقدسية”. والكتاب يحمل عدة محاور والرابط بينها جميعا هو المحبة، من المحبة ننطلق مع المحبة نسير والى المحبة ننتهي، وفي ظل المحبة جوهر الكتاب نستعرض أهم محاوره أو نقاطه التي توقف عندها غبطة البطريرك.

القدس – محور رئيس فهي مدينة الله

من نافل القول أن القدس تشكل محورا رئيسا في الكتاب، حيث تم تسمية الكتاب بها والأفكار التي دوّنها غبطة البطريرك تمت في القدس وخرجت منها، ولا غرابة أن يعتبرها “مدينة الله” لأنها ” مدينة مقدسة للديانات الثلاث. اليهودية والمسيحية والاسلام. هي مدينة الله. مدينة للصلاة.” (ص19) لكن القدس اليوم تعاني من القتال والخصام والنزاع وكل ذلك باسم الصلاة والدين، وخلاص القدس وخروجها من أزمتها الكبيرة لن يكون الا بأن ” تبقى القدس مدينة لله ولأهلها وللانسانية، مدينة يلتقي الناس فيها اخوة، وفيها يعبدون الله بالروح والحق”. (ص21)

التعصب الديني – إن أكثر ما يقلق المسيحيين في الشرق في السنوات الأخيرة، هو ارتفاع منسوب  تعرضهم للملاحقة والقتل والتهجير القسري وهدم المقدسات ونهب البيوت، وخاصة على أيدي المنظمات التكفيرية الارهابية التي تعيث فسادا في أرض الشام والعراق خاصة وتهدد الحضور المسيحي في الشرق كله. ويتوقف غبطة البطريرك ميشيل صباح عند هذه الأزمة الجديدة التي تحل بأبنائه واخوته، وهو يعالجها ليس بالميل نحو العطف الفطري، بل بمنطق الحكمة والمحبة، وبالسير على طريق يسوع.

ويناقش غبطته اولئك الذين نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الله فيقول لهم بكل هدوء ” ليس الله الذي يفرّق بل الانسان المدّعي انه يؤمن بالله هو الذي يفرق” (ص18). كذلك من يتخذ الدين سندا للقتل فانه ابعد ما يكون عنه ” ومن صنع من الدين مبدأ حرب، فهو خارج على جوهر دينه”. (ص 14 وص 166). ولا يتردد غبطته عن توجيه التقريع لرجال الدين أنفسهم ممن يجعلون أنفسهم ” وكلاء الله” على الأرض دون أن يوكلهم أحد بذلك ( انظر ص 87) ويؤكد لهم أن الله ليس بحاجة لهم بل هم في حاجة الله (ص154).

ومن يلجأ الى التطرف انما يعمل على تدمير ذاته (86) والسقوط في الهاوية ” التطرف هو السير على طرف الطريق، على الحافة، وعلى حافة مشرفة على هاوية” (ص254).

الهجرة – وهي احدى النكبات التي حولها المسيحيون العرب حلا لأزماتهم، وهي الجرح النازف أبدا في  صفوفهم، ما أن تحصل أو أي أزمة خاصة أو عامة، حتى ترى المسيحي جاهزا للهجرة، فالفكرة متبلورة ومختبئة في ذهنه وتنتظر التنفيذ، لذا سرعان ما يهاجر المسيحي أمام أي أزمة تعصف بحياته ووجوده، ويتنبه غبطة البطريرك لهذه الأزمة فينهانا عن الهرب ” إن حدث اعتداء على قومك، فأنت من قومك ولا تهرب خوفا من التعرض للصعاب” (ص12) وفي ص51 يعود الى الموضوع ليؤكد لنا أن الحل لأزمتنا والتي تتلخص بالبحث عن الأمان لن يتوفر لنا الا بأرضنا وبين شعبنا وأن الحل بأيدينا وليس من “البعيد”.

اللقاء المشترك – من المعروف ان غبطة البطريرك ميشيل صباح من المؤمنين بالعيش المشترك بين  أبناء الديانات وخاصة المسلمين والمسيحيين في بلادنا، وهو يرأس مجلس أمناء “مركز اللقاء للدراسات الدينية والتراثية في الأرض المقدسة”، ولذا لم يكن غريبا أن يتوقف عند هذه المسألة التي تتعرض للتجربة في السنوات الأخيرة، بهدف ضرب العيش المشترك والغاء الآخر وخاصة من قبل حركات ظلامية وأفراد يدعون للعنف والقتل، وغبطته يشير ويحيي مبادرة الأب مناويل مسلم، كاهن بير زيت حاليا وكاهن غزة سابقا، باقامة لقاءات اسلامية – مسيحية مشتركة (ص77-81) والتي تهدف لتوعية الناس وفتح عيونهم ” للوقوف سدا منيعا دون كل فتنة، دون كل من يبث الخوف في النفوس”.

ويعود غبطته في أكثر من موقع ليذكر بالعيش المشترك وأهميته وضرورة المحافظة عليه وتعزيزه بالتربية والوعي والمحبة، بل يعتبر هذه اللقاءات “ثورة سلمية” تهدف الى خلق انسان مسلم ومسيحي جديد ومن ثم شرقا جديدا (ص53).

التربية – يتوقف غبطة البطريرك في أكثر من مكان عند التربية، فالتربية هي التي تقوم وترشد وتبني  انسانا وفق أسس وقيم تلك التربية، ومن أين تبدأ تلك التربية؟ ” التربية تبدأ في البيت وتكمل في المدرسة ثم الكنيسة والمسجد” (ص26). والتربية تحتاج الى منهاج يرسم لها الخارطة التي تسير بموجبها ” والمناهج الدراسية هي التي تخلق انسانا جديدا يعرف كيف يستعمل حريته” (ص54). وكي تحقق تلك التربية أهدافها يجب أن تكون مهمة مشتركة ويقوم عليها جميع أطياف المجتمع حيث لا يمكن أن يقوم بها طرف واحد. (ص173)

تحديات الانسان المسيحي كثيرة والحل واحد: المحبة

لا يمكن للخواطر اليومية الا أن تتوقف عند التحديات التي تواجه الانسان المسيحي في هذه البلاد بالذات، خاصة وأن هذا الموضوع رافق غبط البطريرك على مدار سنوات رئاسته للكنيسة المقدسية اللاتينية وبعد ذلك، وكتب فيها وقال فيها الكثير، فما هو الجديد الذي تحمله تلك التحديات من وجهة نظر غبطته.

الأمان للانسان المسيحي وهو لن يجده الا في وطنه وبين شعبه (ص50). الحوار الذاتي (61).

الالتزام المالي للمؤمن ولا يتم بدون المحبة، فالمحبة مع المال تضمن استقامة المجتمع واستقراره وتستعيض عن “الأخذ” قيمة “العطاء” (ص85).

الوصية الصعبة (ص 142) محبة بعضنا البعض كما أوصانا معلمنا وسيدنا يسوع المسيح.

الخلافات العائلية وهي التدمير الذاتي الذي ينخر فينا، والحل لا يكون الا  بالمحبة (152).

الايمان المنفتح مع الذات والآخر، وهذا الايمان يتطلب المحبة والصلاة، بالمحبة تبني علاقتك مع ابن رعيتك وبالمحبة تكتمل ذاتك مع ابن الديانة المجاورة وبالمحبة تندمج مع ابناء شعبك وبالمحبة تقاوم ظلم الاحتلال وتقومه (ص 169-174).

عقدة العدد، “أنت كلّ الناس. أنت كلّ الوطن” (ص176).

محبة العدو: هذا العدو الملطخة أيديه بالدماء، الذي يرفع جدار الفصل العنصري، الذي يحتل معظم أرضنا ويربض عليها، الذي يقطع أشجار الزيتون ويدوس الثمار، الذي يحاصر ويضطهد ويسجن ويجمل السلاح، هل يبقى مجال لأن يعلمهم الله ” طريق الوجود التي لا تخرج عن طريقك، ولا عن طريق المحبة التي وضعتها فيهم وفينا” (ص 248).

أي مسيحي لهذا الزمن؟ سؤال يطرحه غبطة البطريرك وهو مدرك بأننا نحتاج الى انسان مسيحي مختلف في هذا الزمن المعقد والصعب، الى انسان مسيحي محب.. انسان يعرف كيف يعيش في تقلبات العصر. ” نحن مدعوون الى أن نعيش في بحر هائج، وأن نعيش فيه بهدوء واطمئنان” (ص183). وهذا يتطلب انسانا جديدا يعرف كيف يمارس “حضارة الحب” كما أسماها غبطته وهي “حضارة قبول الآخر المختلف” (ص184).

كتاب صغير الحجم، سلس الكلام، واضح المعاني لكنه عميق في التفكير وطرح المواضيع، والحل يكمن في أنه السهل الممتنع، المحبة هي الحل السحري لكل قضايانا المعقدة، وهي طريق سهل لكن معظم الناس يمتنعون عن اللجوء اليه، لضعف فيهم وليس لضعف في الحل.

Print Friendly, PDF & Email