الموارنة في لبنان والمسيحيين في الشرق في ضيق او في خطر ؟؟؟

كتاب جديد للأباتي بولس نعمان ( لبنان الموارنة إلى أين ؟ عن دار سائر المشرق للنشر والتوزيع ٢٠١٤

تأتي ثمرة هذا الكتاب من خلال تساؤلات كثيرة تجول في فكر وخاطر كل ماروني ولبناني وعربي بسبب الحالة الظلامية التي فرضتها الأوضاع الأخيرة على مستقبل المسيحيين المشرقين بظل التهجير ألقسري الذي يعاني منها مسيحيي العراق وتحديدا في “الموصل” وسورية وفلسطين وتهميش لدور الرئاسة في لبنان التي وضعت في إطار التفاوض بين القوى على حساب العنصر المسيحي وتحديدا الماروني ولكن عمل الاباتي نعمان في هذا الكتاب الذي تم تجميعه من محاضرات علمية وأبحاث تاريخية ليكون ردا على سؤال طرحه الكاتب من خلال عنوان الكتاب ،والذي ينطلق منها في عملية تفسير كامل للمسار التاريخي لنشأة الفكر الماروني ، فالفكر الماروني بحسب شرح أستاذ التاريخ الاباتي نعمان انطلق من بيئته الاجتماعية والثقافية ، حيث تم الإيمان بهذه الرسالة التي تم نشرها في الوسط العربي الشرقي بظل الأظهور العثماني والصراع البيزنطي الذي جسد هذا الفكر في مناطق سورية الجنوبية والتي أنتجت بحسب الشرح إلى بناء وطن بمشاركة الشركاء الآخرين في عام. ١٩٢٠

يقف الاباتي نعمان في تساؤله أمام دور الزعامة المارونية الحالية التي يحملها مسؤولية تراجع دورها الوطني والاهتمام بنفسها على حساب الوطن من خلال مخاطبته لهم وطرح الأسئلة التي يسألها الجميع . فان الكتاب يخاطب القادة الموارنة ؟؟؟انتم تسيئون إلى التاريخ والى نضال الآباء والأجداد ؟؟ألا تظنون أن عليكم أن توحدوا صفوفكم أولا حتى توحيد شركائنا في الوطن على مشروع لبنان الوطن الموحد الحر المستقل ؟ يحاول الكاتب في كاتبه أن يقول للطبقة السياسية المارونية أن تتحول قوة توحيدية والى قادة توحدين من اجل خدمة القضية اللبنانية !

يرى الاباتي بان الموارنة اليوم أمام إنذار على جانب كبير من الخطورة ، فأما أن يستفيقوا ويساعدوا على نشوء نخبة تقود وفق وعيهم الروحي والتاريخي أو يزالوا وتكتب شعوب أخرى مسيرة المسيحية ومسيرة التاريخ في الشرق الأوسط!

يتوقف الاباتي نعمان أمام مسألة الاستئثار بالسلطة ويقول: بأنه لا يجوز أن يتحول شعار الولاء للوطن غطاء للسيطرة على الأخر والاستئثار بسلطة الدولة وخصوصا ان كل مشاريع الهيمنة سقطت عبر التاريخ اللبناني القديم والحديث. و كما يقول المفكر اللبناني سجعان القزي”سقطت مع السنة إبان العصور الأموية والعباسية والمملوكية ، سقطت مع الشيعة أيام الفاطميين، مع الدروز زمن الإمارة كما سقطت التجربة مع الموارنة في دولة لبنان الكبير ، واللافت في هذا الإطار أمران : الأول هو إن الهيمنة تشكل نقطة ضعف الفريق الذي يمارسها ، ويصبح مصدر خطر على لبنان . والثاني هو أن لدى سقوطها لا تنتقل الهيمنة إلى طرف لبناني أخر بل إلى احتلال خارجي جديد.

تعتبر هذه المحاضرات قيمة علمية تاريخية يحاول الكاتب أن يضعها بين أيدي القراء من اجل أغناء الفكر بتاريخ قيم موثق من خلال مؤرخين لهم شهرتهم في التاريخ العربي يعتمد عليهم الكاتب في إظهار حقائق تاريخية وهذه الأسماء من الإسلامية والمسيحية ربما هذه قوة التاريخ الذي يحاول شرحه الاباتي عن الفكر الماروني الذي يجهله الكثيرين،وكما يستشهد الاباتي نعمان في عمله بالمؤرخ اللبناني والعربي كمال الصليبي في معالجته لنشوء الفكر الماروني وكذلك بالكاتب اللبناني عباس بيضون حول كتابته عن دور المارونية ويعتمد في المقارنة على الراحل الشيخ العلامة محمد مهدي شمس الدين وعلى الرسول يوحنا بولس في الرسالة التي وجهتها إلى لبنان أثناء زيارته عام 1991.

فالتوجه الماروني في الأساس طريقة للقداسة ، خطها القديس مارون بابتكاره نهجا جديدا هو النسك في العراء ،طريقا الى القداسة .فالأرض اللبنانية للموارنة كانت ومازالت الحصن الأول لهم بمعنى لولا هذه الأرض بحسب تعبير الاباتي لظل الشعب الماروني من دون شك ضائع على وجهه الأرض ، كما ضاع غيره من شعوب الشرق. لقد فضلوا اللجوء إلى ارض فينيقيا الجبلية الوعرة ذات الأودية والجبال وعرفوا سبل الترحال القديم التي لا تزال أثارها واضحة في مناطق نهر العاصي ليؤسسوا بعد هذا العذاب وطن اسمه لبنان

يرى الاباتي نعمان بان المذهب الماروني تخطى المذهبية وتحول بفضل هذه الجهود العظيمة للرعيل الأول الذي سلك هذه الطريق التي تسمى طريق الجلجلة بأنهم أضحوا أمة لاتزال الأكثر تعلقا بطقوس أنطاكيا ولغتها وحضارتها السريانية، المنفتحة على اعرق الحضارات الشرقية ، لذا رفضوا التنازل عن معتقدهم كما رفضوا استبداله بأي معتقد مسيحي أم إسلامي لافرق،وآثروا التخلي عن كل شيء ، حتى عن الأرض والوطن والمسكن في سبيل المحافظة على أصالتهم .

فالمارونية كما يشرح الاباتي نعمان في محاوراته المنشورة بأنها من حيث النشأة ،هي مذهب فكري لاهوتي روحي ،له صفته المميزة المتصلة بالحضارة الآرامية السريانية والمطبوعة بطابع رهباني نسكي خاص، فانه يرى ان المذهب تحول الى طائفة مناضلة شبه قومية مرتبطة بوطن معين هو لبنان تسير حسب نظام قيمي أخلاقي ونهج حياتي عملي صارم .

يؤكد الكاتب والمؤرخ بان المسيحيين في لبنان حققوا إلى جانب شركائهم الآخرين وطننا جامع لجميع العائلات الدينية الإسلامية والمسيحية والدرزية والذي كان لهم الفضل بإعلان هذه الشراكة في تحقيق الهدف على دفعات بفضل جهدهم ومثابرتهم وتضحياتهم بعد كسرهم لطوق العزلة والخوف والجهل .

وبحسب الكاتب عباس بيضون الذي يصر على أن المسيحيون أعطوا لبنان نظامه ، فهم مركز الدولة والاقتصاد والسياسة والثقافة وأساليب العيش من الصعب العودة إلى الوراء إلى ما وراء الدولة المارونية أو لبنان الصغير إي دولة مسيحية).)

وفي شرح كامل للتاريخ الماروني والى ظهور المذهب الماروني على يد الناسك مار مارون وكذلك تطور هذه الأفكار المارونية الحديثة بما يتناسب مع الواقع الجديد من خلال العودة للتاريخ . يتوقف الاباتي نعمان على واقع المسيحيين بان الذين يعشون في هذه البلاد في ضيق! نعم في ضيق ! ولكنهم ليسوا في خطر كما يشاع ، لان لب المشكلة في لبنان ، وفي بعض البلدان العربية ،لا يعود الى الاختلاف في العقيدة الدينية ، بل إلى الاختلاف في الانتماء الاجتماعي والقضايا المجتمعية وما يلحق ذلك من تنافر في العصبية إي الولاء إلى الجماعة الدينية وانعكاسات هذا الولاء على الصعيد الأساسي .

لذلك يرى الكاتب بان الخروج هو تنمية الانتماء الاجتماعي بديلا من الانتماء الديني وتنمية المصالح المشتركة ، كما حصل في الماضي ،وهذا ما يجمع بين الفريقين ويلغي المسافات الاجتماعية ويخفف من حدة العصبيات بينهما.

فالشرق لا يزال بحاجة إلى المارونية ،لأنه بحاجة إلى التجسيد ، إلى الفداء ،انه بحاجة إلى تجسيد تعاليم المسيح وعيشها والشهادة اليومية لصحتها وحقيقتها ،والغرب بحاجة إلى المارونية لتنقل إليه خبرة الشرق وميتافيزيكية وثراءه الروحي .

فالمارونية التي يمكن لها أن تلعب دور جسر التواصل بين الغرب والشرق في جو التعصب وصراع الحضارات القائمة ، فالوجود الماروني حاجة وقيمة ثمينة لشعوب الشرق والغرب .

يشكل الكتاب مرجعا تاريخيا ثمينا لكل المكتبات العربية واللبنانية ولكل الباحثين والمختصين بالشرائع السماوية والدينية والثقافية وتشكل هذه المحاضرات مرجعا تاريخيا لكل الذين يودون التعرف على التاريخ القديم وتشكل لغة الكتابة لغة سهلة وسلسلة لكل الذين يقرؤون الكتاب لأنه جمع بطريقة سهلة ولغة أدبية جميلة كتبها وحضرها أكاديمي ومحاضر وأب لاهوتي يعشق التاريخ ويعرف السرد وله باع طويل في التفتيش والتنقيب في ذاكرة التاريخ وراهب يكتب بلغة الضاد إلى جانب اللغات الأخرى التي ساعدته في توثيق عمله من خلال مراجع كثيرة وقيمة.

كاتب وباحث مختص بالإعلام السياسي والعلاقات الدولية

Print Friendly, PDF & Email