نحو برنامج حداثي لتدريس الأديان في المدارس

كتب الكاتب والباحث في مقارنة الأديان أحمد أشقر هذا المقال مقدما مقارنة جديدة في تدريس الدين في المدارس

الدين ليس حقلًا محايدًا في الحياة الاجتماعية بل مشحونًا في كل مركّب من مركباته الثلاثة (الإيمان والشريعة والطقوس). رغم أن منطلقات الأديان ومآربها واحدة من وجهة النظر الفلسفية إلا أنها بين المتدينين قد تشكل أدوات تجميع وهمية: طائفية ومذهبية، من جهة، ومعاول هدم وتفريق بين مكونات المجتمع والشعب الواحد المُنتمي إلى عدة أديان وطوائف، من جهة أخرى.

يحضر الدين بكثافة في حياة الشعوب الما- قبل حداثية (التقليدية) من ساعة الولادة إلى ساعة الممات، ولحضوره أهمية كبيرة في محاولة الإجابة على الأسئلة الوجودية التي تراود الفرد والأفراد والجماعات المختلفة. وجاء في هذا المقال أن غالبية الحركات الدينية الإسلامية السياسية قد فقدت بوصلتها الصحيحة وحرفت مسارها من التنوير إلى التخلّف، ومن عدوها الصهيوني إلى أعداء من الواجب الموضوعي أن يكونوا حلفاء وأصدقاء، ومن بناء المجتمع إلى تدميره عبر التجييش الطائفي والمذهبي. وأخطر مظاهر هذا التحول ما يحدث أمام أعيننا اليوم في سوريا والعراق من تهجير المسيحيين والأيزيديين وكل من يخالفهم وجهة النظر. وما المأساة التي تعيشها المجتمعات العربية إلا نتاج التوجه المقدس- غير العقلاني للدين وتدريسه في المدارس والجامعات التي تعيد إنتاج التمذهب والطائفية وأنظمة الإدارة والحكم المختلفة (في العائلات والبيوت والمدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع والدولة). وبما أن المدارس والجامعات أهم الحلقات التي تُنتج المعرفة والوعي الذي يدير هذه المؤسسات، يتوجب النظر في كيفية إصلاحها أولًا. وبما أننا نتاج هذا النظام، أي منهج تدريس الدين في المدارس والجامعات فإننا سنحاول أن نجمل إشكالياته فيما يلي: 

التلقين: يتم تدريس الأديان عن طريق التلقين أي حفظ النصوص والفرائض التي لا تتلاءم عادة مع سنّ الطلبة. والتلقين يؤثر على الصحة النفسية وقدرات الطلبة لأنه يمنع الخيال والإبداع في المواضيع التي يتناولونها.

الغيبية: يتم تدريس كل الأمور التي تتعلق بالعقائد مثل وجود الله الواحد الأحد أو مثلث الأقانيم والملائكة والشياطين والأباليس والثواب والعقاب والحياة بعد الموت دون فهم منطلقاتها أو مآربها؛ الأمر الذي يترك خوفا في نفوس الطلبة لأنهم يدركون أن المقولات والمخلوقات والكائنات الغريبة التي تُصدر عن الدين أكبر وأعظم وأقوى من الإنسان، خاصة الطلبة صغار السنّ.

التمييز بين المجموعات الدينية: تفصل المدارس بين الطلبةَ في حصص تدريس الدين؛ أي فصل الطلبة المسيحيين أثناء درس الدين الإسلامي وبالعكس. الأمر الذي يشكل فصلًا تعسفيًا بين الطلبة دون أن يكون بمقدورهم استيعاب هذا الفصل ومآربه. هذا ناهيك عن أن كل دين في غرف الصفّ المتجاورة يقول بأنه دين الحقّ وأفضل من بقية الأديان؛ أي أن عملية تحريض كل دين على الآخر يتم في الإطار المدرسي الواحد في غرف مجاورة.

 

العداء بين العلم والإيمان: يتم تلقين الطلبة المواضيع الدينية ضمن منهج يعادي العلم (والأديان الأخرى). أي ليس بمقدور القائمين على تدريس الدين الشرح والتوفيق بين الظواهر والمقولات العلمية المختلفة ووجودها من وجهة نظر العلم. وكذلك الأمر بما يخصّ التاريخ والأسطورة إذ ليس بمقدور مدرسي الأديان شرح قصص الخلق البابلية والطوفان والخطيئة والثواب والعقاب.

 تفكيك مجتمع الطلبة: ما تقدم يؤدي إلى تفكيك مجتمع الطلبة إلى مجموعات طائفية ومذهبية، بحيث تتمترس كل طائفة ومذهب في قناعاتها غير المُستندة على العقل والمنطق، ومن شأنها (أيضًا) أن تحترب (كما حدث في لبنان والعراق وسوريا)، مع أن بقية أرجاء الوطن العربي ليست بعيدة عن هذا الاحتراب- التدمير الذاتي. 

لا يختلف الأمر في كليات اللاهوت والشريعة والدعوة وأصول الدين المتوسطة والجامعيّة، التي يدرس فيها أتباع كل دين (وأحيانا) طائفة في كليّة منفصلة. وفي العادة لا نجد طالبًا واحدًا من ديانة مختلفة في واحدة من هذه الكليّات. تؤهل هذه الكليات دعاة ورجال دين من قسس وأئمة مساجد ضمن نفس المنهج المتبّع في المدارس. والمثير فيها أنها تهاجم كل فكر لاديني دون أن تسثمر دقيقة واحدة في التعرف عليه من الداخل. بل يبقى الأمر هجومًا خارجيًا لا يقترب من قريب أو بعيد من البحث والحوار وما يترتب عنهما. وعندما يتم تدريس مساق في مقارنة الأديان، لا يتعدى الأمر قراءة الأديان الأخرى من وجهة نظر الدين الذي تنتمي له الكليّة التي تدرس الدين المقصود، الأمر الذي لا يسمح بالتعرف على الأديان الأخرى كما يراها أتباعها ويشوهها أيضًا. هذا ما خَبِرَه كاتب هذا المشروع أثناء دراسته “أكاديمية الدراسات اللاهوتية” و”الدراسات الإسلامية المعاصرة” في جامعة القدس العربية.

وينطبق الوضع الذي وصفناه أعلاه على وسائل الإعلام المختلفة، تحديدًا المرئية والمسموعة، التي تستضيف شُذّاذ الآفاق ليتحدثوا حول مواضيع هدفها الأول والأخير زيادة منسوب الإنتماءات والتوترات الطائفية والمذهبية- تدمير المجتمع.

في ضوء ما سبق وصفه، تحاول هذه الورقة تقديم طرح لتطوير برامج تدريس الدين بغية التوصل لتحقيق الأهداف التالية:

1 –  إعداد مدرّسين لتدريس الأديان من وجهة نظر عقلانية تعتبر الدين وما ينتج عنه موروثًا حضاريًا ناتجا عن الفكر الإنساني وتطوره.

2- وضع خطة لتدريس الدين في المدارس مع الحفاظ على وحدة المجتمع وأهدافه الوطنية والقومية وعلى مبادئ الديمقراطية والتعددية في التعليم والمجتمع على حد سواء. 

3 – نزع فتيل الطائفية والمذهبية وجعل المواضيع والمفاهيم والقيم الدينية عقلانية تُفهم وفقًا لمنطقها التاريخي والحياتي. 

4 – تزويد المدرسين بأدوات جديدة ونقدية لتدريس ومناقشة مواضيع الدين والإيمان الشخصي بعيدًا عن التشنجات والمشاعر السلبية ضد الأديان والطوائف الأخرى. 

5 – إضفاء الشرعية على تناول ومناقشة الدين دون ضغوط أو قمع أتباع الدين المعني والأديان الأخرى. 

6- إعداد كتب تدريس الدين وفقا للأسس والمبادئ التي سنستعرضها في الفقرة التالية (التي سيختبرها مدرسو الأديان) حيث سيقومون بتطوير هذه الكتب وفقًا لتجاربهم مع الطلبة.

  *الأسس والمبادئ

1 – يجب اعتبار الدين جزءا من الفكر الإنساني وتاريخه، وليس منفصلا عن الإنسان ونشاطه وفكره وتاريخه. أي إن نشأته وتطوّره هما جزء من الفكر الإنساني عبر التاريخ.

2- يجب تدريس الدين في إطار نشأته التاريخية وتطوّره. ويتطلب هذا تناول الكتب التي تؤسس للديانات الثلاث (التناخ والعهد الجديد والقرآن) من خلال المواقع المتساوية والاحترام على المستوى العقلي. ويجب الإمتناع بشدّة عن اتخاذ مواقف تحابي أو تتضهد أيّا من الأديان والكتب المذكورة. لأن كل موقف تجاه أو ضدّ أي دين وكتاب يعتبر موقفًا معاديًا للديموقراطية والقيم التربوية، ومن شأنه أن يؤدي إلى نتائج سلبية تُسهم بتعزيز التوترات الطائفية والمذهبية.

3- ضرورة القول بقبول الآخر وحريّة اعتقاده والتعددية الفكرية والتوازن الاجتماعي البعيد عن التوترات والتشنجات الدينية والطائفية والمذهبية المختلفة.

4- يجب منح المدرسين والمدرسات وجهات نظر مختلفة عن نشوء الدين وتطوره. فعندما تتوفر لدى المدرسين (والطلبة فيما بعد) عدة وجهات نظر عن موضوع واحد، فإن هذا سيمنحهم القدرة والشرعيّة على التفكير: الشكّ والتردد والنقاش واتخاذ القرار الذي من شأنه ألّا يتناقض مع المجموعات التي تختلف معه في الإيمان والدين. وضمن هذا الأساس يتم عرض وجهات النظر الإيمانية والتاريخانية والفلسفية والنفسية وليس كما يتبع اليوم، أي كما يفهمها الدين.

5- ضرورة تطوير فهم الدين ودراسته وتدريسه في الفترة السابقة للديانات اليهمسلامية، أي من الفترة الميثولوجية لثلاثة أسباب: الأول- لا تتمتع هذه الفترة بقداسة خاصة لدى المؤمنين والمتدينين. والثاني- تحتوي هذه الأساطير على معظم الأسس التي تستند إليها الأديان. مثل ورود قصة الخليقة في الميثولوجيا البابلية والأديان اليهمسلامية، وورود المرأة الحيّة كرمز للخطيئة في الميثولوجيا البابلية واليهودية والمسيحية. هذه القصص والمبادئ من شأنها أن تدفع الطلبة إلى التفكير وعدم التوقع أو محاباة رواية دينية على أخرى ليصبح الموضوع الإيماني معرفيًّا أيضًا. والثالث- يمنح تدريس القصص والأفكار السابقة للأديان اليهمسلامية شرعيّة نقاش القصص والأفكار الشبيهة بها كي نقف على أهمية القدرة والفكر الإنسانيين على الاستمرارية في إطار القطع والوصل.

6- يجب اعتبار كل دين وحدة مستقلّة قائمة بذاتها، تمرّ داخلها سلسلة هامة وجسر يوصل القصص والأفكار ومبادئ من الميثولوجيا تسربت بعد ذلك إلى اليهودية والمسيحية والإسلام. أي رفض فكرة أن هذا الدين يَجِبُّ الأديان الأخرى أو أنه جاء لتصويبها. على سبيل المثال، في السياق اليهودي تتبنى اليهودية قصص الخلق والطوفان البابلية ومنها تسربت إلى المسيحية والإسلام. ولن ننسى أيضًا الميثولوجيا البابلية والكنعانية التي تسربت إلى الديانات اليهمسلامية كافة. وتتبنى الديانتان الإسلامية والمسيحية ذات الرواية عن مريم العذراء وتتقاطعان كثيرا حول أهمية المسيح. وتفترق الأديان (أيضا) في العديد من القصص والقضايا فعلى سبيل المثال: الـ”مشيح” اليهودي ليس المسيح المسيحي والإسلامي، ولوط اليهودي والمسيحي ليس هو لوط الإسلامي. وهنالك العديد من القصص والقضايا المشتركة والمُفرقة )أيضا( يجب على المُتلقي فهم أسبابها وليس المرور عليها دون طرح أي سؤال حولها.

 

*المجموعات المستهدفة*

يستهدف هذا الطرح مدرّسي ومدرّسات الأديان في المدارس المختلفة. إضافة إلى رجال الدين ومقدمي البرامج الدينية في وسائل الإعلام وكل المهتمين والمهتمات بفهم الدين من وجهة نظر علمية تُعنى بالدرجة الأساسية إعلاء شأن العقل والأنا المفكّرة البعيدة عن التوتر والتشنج الطائفييّن.

– معا من أجل فكفكة جذور الطائفية!

هذا الطرح عبارة عن فكرة لمشروع بحاجة إلى طاقم مدرك لأهمية فكفكفة جذور الطائفية وتحييد الدين من الحياة العامة. 

للمهتمين والمهتمات أرحب بنقاشاتكم وتعاونكم: ashkar33@hotmail.com

 

*الكاتب باحث في مقارنة الأديان، وضع الكتاب الوحيد عن جذور الطائفية في الناصرة عام 2000 بعنوان “التدمير الذاتي- الناصرة نموذجا (جذور الصراع وخفاياه في ساحة شهاب الدين) وكتب رسالة الماجستير عن “مريم العذراء في العهد الجديد والقرآن (الإئتلاف والإختلاف). وله عدة دراسات في مجال الأديان.

Print Friendly, PDF & Email