داعش وتصفية الوجود العربي المسيحي

بداية لا بد لي من القول بأن الأمم والشعوب تموت عندما تحيا وتكثر فيها المذاهب والعشائر وتحيا عندما تموت فيها العشائرية والمذهبية،وعلينا القول كذلك بأن المشروع الإستعماري الآن ضمن ما هو مخطط ومدبر له من قبل الغرب الإستعماري ، هو إدخال المنطقة العربية في أتون الفتن المذهبية والطائفية،وإستخدام ادوات محلية من اجل ان تقوم بتنفيذ هذه المهمة،ولذلك عهد بهذه المهمة الى الحالمين بالزعامة على حساب الدم والجغرافيا العربية ،والمخطط جرى العمل على تنفيذه على أرض الواقع بعد ما يسمى بإصطلاح”الربيع العربي” حيث بدأت هذه الادوات ليس فقط بدعم وتمويل وتسليح وإحتضان تلك العصابات وغيرها،بل عملت على ضخ إحتياط بشري هائل من تلك العصابات من مختلف دول العالم على وجه الخصوص الدول العربية والإسلامية،حيث كان الضخ في البداية الى سوريا من أجل تدمير وتفكيك سوريا دولة وجيشاً وقيادة ومجتمعاً ومؤسسات،وبعد فشل المشروع هناك،انتقل الضخ الى العراق لتنفيذ مخططات التقسيم والتفتيت المذهبي والطائفي،تحت يافطة وذريعة إنصاف وحماية الجماعات السنية المهمشة،ولكن المخطط أبعد من ذلك بكثير،الا وهو إستخدام العنف الإسلامي في مواجهة الدول الوطنية والمجتمعات التي تريد ان تنهض وتتطور.

هذه العصابات التكفيرية،بدأت مسلسل قتلها وإجرامها وفق مخطط مدروس وممنهج في مدينة الرقة السورية على الحدود العراقية،حيث قامت بفرض ما يسمى بالجزية على أبناء شعبنا العربي السوري المسيحيين هناك جزية بلغ قدرها (13) غرام ذهب للغني ونصفهم للدخل المتوسط والربع للفقير،كما ومنع المسيحيون من اداء صلواتهم وعباداتهم وصيانة وتعمير كنائسهم واديرتهم وخيّروا بين البقاء على دينهم ودفع الجزية أو الدخول في الإسلام أو المحاربة والقتل والتهجير،ومن بعد الرقة السورية نقلت “داعش” ساحة عملياتها بتحالف ودعم مباشر من بعض الدول،فداعش والنصرة والقاعدة هي منتج واحد لنفس المعمل ،فلا فرق بين داعش والنصرة والقاعدة،إلا في الدور والمهمة والوظيفة والمهام المنوطة بها كمجوع ليس فقط العمل على تصفية الوجود العربي المسيحي في المشرق العربي،بل وخلق فتنة مذهبية شيعية – سنية،وقتل وذبح وتهجير الأثنيات والقوميات الأخرى غير السنية،والهدف منع تبلور وتطور أي مجتمعات ودول وطنية ومدنية،وخلق ثارات وجروح عميقة بين فئات المجتمع لا يمكن لها ان تندمل لعشرات بل مئات السنين،وضمن هذا المخطط جرى ذبح وطرد وتهجير مسيحيي الموصل(25) ألف مسيحي لأول مرة في التاريخ،هؤلاء الموجودين هناك منذ اكثر من الفي عام،فقد وضعتهم داعش امام نفس الخيارات التي وضعت فيها مسيحيي الرقة السورية، وعملت على قتل المئات منهم وحرق وتفجير كنائسهم واديرتهم،وكذلك قامت بنبش وتدمير مزارات ومراقد الأنبياء كالنبي يونس،وعمليات القتل والتدمير والحرق والنبش هنا لها معاني ودلالات علينا ان نتذكرها جيدا،فهم يريدون ان تصبح عمليات هدم المساجد وحرقها مسألة عادية،وبما يجعل اي عملية هدم وتدمير من قبل الإحتلال الاسرائيلي للمسجد الأقصى مستقبلاً عادية.

عمليات القتل والإبادة الجماعية سواء للمسيحيين او المسلمين شيعة وغيرهم،هي مقدمة وممهد لما يجري في قطاع غزة،بحيث تصبح عمليات القتل التي يقوم بها الإحتلال هناك لشعبنا واهلنا عادية ومشروعة،ما دام يقوم العرب والمسلمون بتقتيل بعضهم البعض،وهذا ممهد لإيجاد نظرية جديدة دم مقدس ودم غير مقدس. واليوم لم تكتف”داعش” بجرائمها هذه فقط،بل أمعنت في ذلك عبر دعوة سكان الموصل لتقديم بناتهم ونسائهم لعمليات ما يسمى بجهاد النكاح الجماعي ومن يتخلف او يرفض ذلك يجري قتله،وذهبت الى أبعد من ذلك عندما هدد خليفتها المنتج الأمريكي أبا بكر البغدادي والذي كشفت المخابرات الإيرانية عن انه صهيوني بهدم الكعبة تحت ذريعة أن الناس أصبحوا يعبدون الكعبة وليس الله .

هذه العصابات المجرمة المتمسحة والمتاجرة بالدين وعواطف الناس ومشاعرها والدخيلة على فكرنا وواقعنا وقيمنا،ما كان لها أن تنمو نمو الطحالب في المياه الآسنة والدرن السرطاني في الجسم،لولا وجود حواضن وداعمين لها ،وهي من تسيء للدين وتشوهه وتنفر الناس منه في فعل ممنهج ومبرمج،فهي لم تقرأ تاريخ الديانة الإسلامية وعلاقتها بالمسيحية الشرقية،لم تقرأ لا تاريخ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه،ولا تاريخ قبيلتي المناذرة والغساسنة ودورهما في نصرة الإسلام والمسلمين، وجميعنا يعرف البطل العربي السوري جول جمال عندما شن العدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسي والإسرائيلي على مصر العروبة عام 1956، كيف نفذ اول عملية استشهادية وفجر نفسه بقاربه المحمل بالمتفجرات في الطراد الفرنسي جاندارك وليمهد لنصر مصر العروبة على العدوان الثلاثي وهزيمته.

وجميعنا يذكر المناضل القومي العربي السوري فارس الخوري، يوم قال للجنرال غورو الفرنسي ” يوم أبلغه أن فرنسا جاءت إلى سورية لحماية …مسيحيي الشرق، فما كان منه إلا أن قصد الجامع الأموي في يوم جمعة وصعد إلى منبره وقال: إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين،فأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله …فأقبل عليه مصلو الجامع الأموي وحملوه على الأكتاف وخرجوا به إلى أحياء دمشق القديمة في مشهد وطني تذكرته دمشق طويلا وخرج أهالي دمشق المسيحيين يومها في مظاهرات حاشدة ملأت دمشق وهم يهتفون لا إله إلا الله ….لقد كانوا مسلمين ومسيحيين أبناء هذا الوطن ولم يكونوا عملاء الأطلسي كما حصل في أفغانستان ولا أطفال الناتو كما في ليبيا ولا أيتام قوات التحالف المحتل كما في العراق ولا عيونا للموساد كما فعل ويفعل البعض في لبنان. هؤلاء هم مسيحيو الشرق الذين نعرفهم ونعرف تاريخهم ونضالاتهم وتضحياتهم وبصماتهم،فبصماتهم موجودة وواضحة في كل جوانب حياتنا وتاريخنا وحضارتنا وثقافتنا وأدبنا وفلسفتنا وثوراتنا ونضالاتنا، لهم في العمل الوطني والسياسي،لهم في الثقافة والتاريخ،لهم في الحضارة والفلسفة،لهم في الأدب والتراث…الخ،وهم ليسوا لا دخلاء ولا غرباء في وطنهم،وهم ليسوا أقلية في وطنهم،فهم جزء أصيل من هذا الوطن العربي وملح هذه الأرض. اليوم رغم كل ما يتعرض له مسيحيو الشرق من ظلم وإضطهاد وقتل وتشريد وتهجير،على يد عصابات مجرمة تحسب نفسها على الإسلام من “داعش” الى “النصرة” ف”القاعدة” وغيرها مدعومة من قوى غربية وإستعمارية، تلتقي معها في الهدف والمخطط ،ألا وهو العمل من اجل طرد وتهجير مسيحيي الشرق. نعم هي حملة ظالمة تطال كل مسيحيي الشرق،تدمر الفسيفساء والنسيج الإجتماعي لمجتمعاتنا العربية،لكي تحولها الى دول دينية فاشية،عمادها المذهبية المتصارعة والمغرقة في التخلف والجهل والإقصاء والتطرف،والراغبة بعودة مجتمعاتنا الى القروسطية.

فهذه الجماعات المتطرفة،ضد الحضارة والتطور،وحتى ضد كل ما هو بشري وإنساني. ورغم ما يتعرض له مسيحيو الشرق من قتل على الهوية، والإعتداء على كنائسهم واديرتهم واماكن عبادتهم،وحتى قتل الرهبان والمطارنة واختطافهم،كما حدث مع مطارنة حلب وراهبات معلولا السورية،لم نجد هناك من مسيحيي الشرق من يعلي كنيسته فوق وطنيتها او فوق إنتمائها القومي. ولكن بالمقابل نجد العديد من القوى والأحزاب الإسلامية تعلي طائفيتها فوق وطنيتها وقوميتها،بل وفق الإسلام نفسه.

انا أستغرب كيف يقف رجال الدين والمؤسسات والمرجعيات الدينية ورجال الفكر والثقافة والسياسة والإعلام والصحافة،موقف المتفرج او الموافق ضمناً على ما تقوم به تلك العصابات ، فهذا خطر داهم على الجميع،ليس على المسيحيين العرب وحدهم، بل على العرب والمسلمين قبل غيرهم، ويجب ان لا يعمي البعض بريق الدولار واموال بعض الدول، فعليهم مواجهة هذا الخطر الداهم وإجتثاثه، قبل ان يتفشى في الجسد العربي والإسلامي كالسرطان، وما حدث في الرقة السورية والموصل العراقية، هو ناقوس خطر للجميع، ناقوس خطر لكل قومي عروبي ومسلم.

Print Friendly, PDF & Email