الإعتقال يتوارثه الأبناء (قصة عائلة حنين نصار)

الإعتقال يتوارثه الأبناء (قصة عائلة حنين نصار)

منتصف الإنتفاضة الاولى شتاء 1989، كانت عائلة المواطن هاني نصار الأسير لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي شأنها شأن العائلات المسيحية تستعد لتزيين بيتها للاحتفال بأعياد الميلاد المجيدة، في إحدى ليالي ذلك الشتاء، حاصرت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل الأسير هاني نصار، وقامت باعتقال زوجته السيدة مها لمحاولة الضغط عليها لانتزاع اعتراف على زوجها القابع في زنازين الاحتلال، لتترك خلفها طفلتها حنين (7 سنوات) وشقيقها الأصغر وديع (6 سنوات)،  وحدهما في المنزل يعانون هول الصدمة والخوف دون السماح لجدتهم بالدخول والوصول لهم إلا بعد مغادرة الجنود.  جدتهم التي أعتنت بهم لما يقارب الشهر تقريبا حتى تم الافراج عن والدتهم.

مرت الأيام والسنوات، كبرت حنين وكبر معها حب الوطن، كانت ناشطة في اللجان والاتحادات الطلابية المدرسية والجامعية. تعرفت من خلال هذه اللجان على الشاب رامي فضايل الذي يكبرها بأربع سنوات، ونشأت بينهما قصة حب تشبه حبهم لفلسطين.  لِيتَحدّوا ألم وقهر الاحتلال.

ولأنه الاحتلال الموجود دائماً بكل قهره وعنجهيته في كل تفاصيل حياتنا، مانعاً ومعيقاً لكل ما هو جميل بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي بملاحقة الشاب فضايل منذ عام 2000، وظل مطارد حتى تم اعتقاله في عام 2002، خلال هذه الفترة كانت حنين تبحث عنه جاهدة حتى سمعت بخبر اعتقاله.   بدأت  فصول المعاناة مع حنين بمنعها المتكرر من زيارته في السجون والتواصل معه بحجج واهية، وأحياناً كانت تنجح في فرصه لمقابلته والحصول على تصريح للزيارة.  وسط كل هذه الظروف القاسية اتفقا على الارتباط الأبدي، ولكن ورغم الحب الشديد من أهل حنين لرامي الإ أنهم عارضوا في البداية الزواج خوفاً على ابنتهم من عدم استقرار حياتها في المستقبل المجهول والذي يهدده قضبان السجن. لكن مع إصرار الشابين وافق الأهل على هذا الارتباط. ذكرى يوم الأسير الفلسطيني الذي يوافق (17/4/2004)، فاجأت حنين رامي في زيارتها له وقدمت خاتم الخطوبة.  ليعلنا حبهم مُتَحدّين الاحتلال وقهره، ليحتفل رامي منفصلا مع زملاءه الاسرى. واحتفلت حنين مع عائلتها وذويها في بيتها بمدينة رام الله. خطبة منفصلة الجسد متصلة الروح.

تحرر رامي من نير الأسر عام 2005 ليعلن زواجه وارتباطه الأبدي مع حنين. وبحلول عام 2007 حلت معه الفرحة والأمل بقدوم طفلتهم ميس، التي لم تقضي مع والدها نصف عمرها وأنها لا تعرفه كثيراً. لأنه ومنذ العام 2009 أصبح مطارداً من جديد، تاركاً خلفه زوجة وطفلة وحيدتين إلا ما تيسر له من زيارتهم الخاطفة بين الحين والآخر، الأمر الذي جعل حياة الطفلة ميس النفسية غير مستقرة تعاني بُعد والدها عنها، حيث تقضي أكثر وقتها صامته، وكثيراً ما كانت تعود من المدرسة باكية غياب والدها وملحة بالسؤال عنه؟ وأنها لا تحصل على أبسط حقوقها. وأنه لا يقدم لها هدايا كباقي أطفال عمرها؟! حتى أنها لا تملك سوا العدد المحدود جداً لهم كصورة عائلية.  اسئلة كثيرة تدور في ذهنها، كل ما تريده هو حضن الأب الدافىء وأن تعيش حياة عائلية مستقرة.

في اليوم الثاني من شهر فبراير للعام 2011 يوم عيد ميلاد ميس، حاول رامي مفاجأة صغيرته لإدخال الفرح على قلبها في أكثر يوم مميز في حياتها وأن يرافقها للمدرسة لمشاركتها الاحتفال بعيد ميلادها مع زملائها، ولكن يد الاحتلال والقوات الخاصة كانت أسرع وتم اعتقال رامي على باب منزله، مما زاد الوضع سوءً على هذه الطفلة الصغيرة وترك في نفسها وقلبها ندوباً لا تشفى.  مما زاد الوضع سوءاً على الشابة حنين التي اضطرت لمواجهة مصاعب الحياة وحيدة وأن تكون بمثابة الأم والأب لطفلتها.

حصل رامي على حكم سنة ونصف إداراي، ومن ثم اعتقل 36 شهر. تم الافراج عنه، حتى تم اعتقاله بعدها على فترات ومرات عديدة ومتكررة بأن يقتحم الجيش المنزل ويفتشه بطريقة وحشية وعنيفة وفي كل مرة يعتقلوا رامي، آخر اعتقال له كان في 1/11/2019. ولا يزال يقبع داخل السجون إلى يومنا هذا.

التاريخ يعيد نفسه. هذه المرة تركت حنين طفلتها ميس التي لم تتجاوز الـ14 ربيعاً، وحيدة بالمنزل، لتُعاد ذكرى حادثة مر عليها أكثر من ثلاثة عقود. 1/7/2020، الساعة 4:30 فجراً حنين وميس والسكون والنوم يخيم على المنزل، سمعت حنين طرقاً على الباب بقوة، فتحت الباب وهي تظن أنها تحلم، ولكن سرعان ما تأكدت أنها وطفلتها أمام قوة من قوات جيش الاحتلال ومجنداته لتوقظهم من حلمهم على واقع مرير،  كانت علامات المفاجأة والذهول واضحة على وجه حنين كما قالت. وأن الظابط قال لها: لماذا انتي متفاجأة؟ أجابته : لأنني منذ سنوات وأنا اعتكف العمل الثوري، ومتفرغة لأسرتي وابنتي فلماذا هذا الموعد بالذات؟ ولو كان في سنوات سابقة لما رأيت هذا التعجب. أجابها : انت دائماً بالبال، جئنا لنأخذك معنا.  دخلت لتلبس ودخلت معها المجندات وتم تفتيشها شبه عارية.

قالت حنين بعد أن احتضنت ابنتها: لا تبكي يا صغيرتي سأكون بخير، ولن تفلح محاولتهم بكسرنا. الظابط وجه حديثه لميس وقال لها متهكماً:  (التاريخ يعيد نفسه). حاولوا منع ميس من اللحاق بهم لكن دون جدوى كانت خطاها تسارع الطريق وتختصرها، تبحث في عيون والدتها عن أي شيء قد تخبرها بأن ما تشاهده كابوساً،  لم يعجب جنود الاحتلال هذا التصرف فألقوا باتجاهها قنبلة صوت حتى تخاف وتتوقف عن الملاحقة،  لكنها لم تأبه للاحتلال الغاشم ولممارسته وظلت صامدة.

عادت  ميس وحيدة لمنزلها فجراً وكان سجن أمها بمثابة صاعقة أتت على ما تبقى في قلبها الصغير من صمود، لأنها هي الأم والأب والصديقة، وفي الطرف الآخر حنين لا تأبه للزنزانه، الشبح، العزل الانفرادي، التحقيق، ولا تفكر بأي شيء غير صغيرتها ميس. ولا تعلم أن صغيرتها كبرت بحب الوطن أيضاً. وأنها وبكل ثقة رفضت أن تنتقل للعيش ببيت جدها  وبكل أصرار قالت أنها لا تريد أن تغادر منزل عائلتها وأصرت أن يبقى البيت مفتوح.

قضت حنين شهر في سجن المسكوبية بالقدس المحتل. في محاولات حثيثة لانتزاع أي اعتراف منها عن زوجها رامي. شهر كان بالنسبة لحنين وميس دهر من الزمان، حتى عادت إلى حضن صغيرتها وتفاجأت من سؤال ميس لها هل ستعودي وتتركني وحيدة مرة أخرى؟!  

Print Friendly, PDF & Email