السفير عيسى قسيسية يكتب: سفارة فلسطين في الفاتيكان والمطران إيلاريون كبوشي

بقلم السفير عيسى قسيسية

“إني أشم رائحة القدس، إشتياقي وولعي بالمدينة المقدسة لا حدود له”… كلمات عفوية بسيطة نابعة من القلب، صدرت من رجلٍ، وقف شامخًا ملتحفًا الكوفية والعلم الفلسطيني، وقد غطت وجهه تجاعيدٌ، ترى فيها تاريخ شعب، بمراحل نضاله وعذاباته، وحبه وصبره وصموده.

لقد كان اليوم الأول لي كسفير لفلسطين لدى الكرسي الرسولي (دولة الفاتيكان) وقد كنت قد أقسمت لتوي اليمين أمام سيادة الرئيس محمود عباس. إنها الرحلة الرسمية الأولى لإستلام مهامي. حطت الطائرة في مطار فيموشينو/ روما، وعملا ببروتوكول الفاتيكان حضر ممثل عن الكرسي الرسولي للإستقبال والترحيب. كان ذلك بروتوكلا، والبروتوكول لا يفاجئ.

ولكن ما لم يكن بروتوكولا وبالتالي مفاجئًا، هو وقوف المطران كبوشي مرحبًا بحرارة نابعة من عشقه وولعه بالقدس وفلسطين. للوهلة الأولى لم أصدق عيني، وتمالكت نفسي وقلت نعم إنه هو، وقد أخذ يحدثني بشغف كبير عن القدس وكعكها وشوارعها العتيقة وخاصة مقره البطريركي في باب الخليل – ميدان عمر بن الخطاب، وكان مزهوًا فخورًا بأن يأتي سفير فلسطين وقد اعترف الكرسي الرسولي بدولة فلسطين بعد التوقيع على الاتفاقية الشاملة.

بخطوات بطيئة، رافقني المطران إلى السيارة ممسكًا بيدي وعلى وجهه تعابير قصة الإغتراب والحنين إلى أصل القصة، حيث القيامة وأجراس ومأذن المدينة المقدسة. لحظة عز يدوّنها التاريخ الفلسطيني لتتعرف الأجيال القادمة على مواقف آباء قد لبسوا الثوب الكهنوتي وعملوا بما تمليه عليهم تعاليم السيد المسيح.

موقف آخر تسطره بإجلال صفحات تاريخ سيادة المطران كابوتشي، هي إصراره وإلحاحه للحضور إلى مقر السفارة ونحن في خضم تأثيثه، وقد قدمه لنا الفاتيكان مقرًا ليكون الأقرب إلى المقر البابوي. وكان طاقم السفارة يصل الليل بالنهار للتحضير لزيارة سيادة الرئيس محمود عباس، ومعه أركان الدولة إلى الحبر الأعظم، ومن ثم افتتاح السفارة يوم 14/1/2017، إلا أن سيادة المطران وبالرغم من إدراكه، برؤيته العميقة لأهمية هذا اليوم ومعانيه الكبيرة باعتباره يومًا تاريخيًا تتجسد فيه تضحيات الشعب الفلسطيني انتصارًا، في لحظة تلبدت فيها الغيوم فوق فلسطين، أبى ألا وأن يأتي الى السفارة للمباركة والصلاة قبل الإفتتاح الرسمي. لم أفهم ما دار في خلده حينها، هل هو okوالسعادة، أم هو الشغف، أم ما هو أبعد من ذلك!

وكان له ما أراد، ففي 17/11/2016 وصل المطران كبوشي إلى مقر السفارة ترافقه أختنا منتهى التي كانت ظله في منفاه القصري في روما. دخل قدسه مقر السفارة بخطواته الرزينة، منتصب القامة، شامخ الرأس، منفرج الأسارير، وقد علقنا على جدران المقر “على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ففي هذه الأرض سيدة الأرض، أم البدايات وأم النهايات، كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين…”.

وقف هناك دقيقة تأمل، كأنه يرى حلمًا حلم به يومًا، هدفًا ناضل من أجله دهرًا،  ليرتدي بعدها البطرشيل الخاص بالصلاة ويحمل الماء المبارك والمبخرة، ورائحة العود تفوح وصدى صلاته بصوته الجهوري يهز الجدران، وكأنه يخترقها متوجهًا إلى القدس، عشقه الأبدي. وبكلمة الله بارك السفارة وطاقمها. لم تكن بركة عادية لسفارة بكل ما تحمله تلك السفارة من معاني وتلك البركة من بركات، بل هي رسالة وبركة للقدس التي عشقها، وناضل من أجلها، وعاش وعانى الويلات في سبيلها، حالمًا أن يراها ثانية قبل أن يغادر هذا العالم إلى الحياة الأبدية.

وفي لحظة، جلس، وأخرج من جيبه قلمه الخاص ليكتب بيده هذه الصلاة:

“أيها الرب إلهنا، ملجأ العالم، ينبوع المراحم كنز الصالحات واهب الخيرات، بنعمتك ربي احفظنا، بعطفك إشملنا، من علو سمائك باركنا. إلهي، بروح قدسك قدّس هذا الماء، ليكون مجلبة لغزير نعمك على هذه السفارة الفلسطينية المزمعين إفتتاحها، وعربونًا لنجاح وفلاح أبنائك العاملين فيها، ومن أجل قيام دولتنا الفلسطينية الحرة السيدة المستقلة، والقدس عاصمتها. ربنا، إنك السميع المجيب، وعلى كل شيء قدير، وإليك نرفع المجد والشكر الان وكل أوان إلى دهر الداهرين”. آمين

المطران هيلاريون كبوتشي، مطران القدس في المنفى”

مجيّرًا هذه الصلاة بخاتمه الرسمي الذي يحتفظ به منذ أن كان مطرانًا على القدس.

لم يغفل أيضًا بأن يأتي بغصن الزيتون، وهو المدرك لرمزية وأهمية هذا الغصن. وقبل خروجه من مقر السفارة، إحتسى القهوة العربية، وقال ما قال حينها وقلبه يعتصر على سوريا وطنه الأم، وفلسطين التي عشقها، تاركًا وصيته للأجيال القادمة لتستمر بحمل الصليب وتصلي وتعمل من أجل أن يسود “العدل النسبي” على حد تعبيره، والسلام والطمأنينة في أرض الأنبياء.

رفض مثلث الرحمات المطران كبوتشي أن يستلم هدية رمزية، ونظر إليّ والدمعة تترقرق في عينيه، موجهًا دعائه إلى الله قائلا: “يا أبت، رحمتك ورأفتك واجعلني في ملكوتك”.

وفي 1/1/2017 يوم رأس السنة الميلادية، حصل سريعًا على هديته التي أراد، ولم يطلب غيرها، سلم المطران كبوتشي الروح إلى باريها، وقبل الإفتتاح الرسمي للسفارة بفترة قصيرة (14/1/2017) وحينها، وحينها فقط فهمت سبب تصميمه وإلحاحه على تكريس السفارة، فهمت ما لم أستطع فهمه حينها. كان هذا العمل المقدس هو الأخير للمطران في هذه الدنيا، بعد أن كرّس جلّ حياته من أجل الله والإنسان والكنيسة. وكأنه بدأ حياته في القدس وختمها للقدس.

حرم من الذهاب إلى القدس… فكان ما كان… وإذا بالقدس تذهب إليه.
السفير عيسى جميل قسيسية

سفير دولة فلسطين لدى حاضرة الفاتيكان

 

 

Print Friendly, PDF & Email