محاكمة السيّد المسيح قبل ألفيّ عام ورسالتها عن ظلم الارض وعدل السماء!

بقلم المحامي قيس يوسف ناصر

يحتفل المسيحيّون في العالم هذه الأيام بعيد الفصح المجيد، عيد قيامة السيد المسيح له المجد من بين الأموات بعد أنْ حوكم وعذّب وصُلب في عهد الحاكم الرومانيّ بيلاطس البنطيّ وقام في اليوم الثالث. وكمن يعمل في مضمار القانون، تشغلني دائمًا قصّة ومجريات محاكمة السيد المسيح منذ ساعة اعتقاله ليلًا وحتى الحكم عليه بالموت صلبًا وما تحمله هذه المحاكمة قبل ألفيّ عام من معانٍ عظيمة عن العدل في العالم حتّى يومنا هذا. 

ومع إدراكي أنّه ليس من الأنسب أن ننظر إلى هذه المحاكمة، هذا الحدث الدينيّ الرهيب، من منظار أرضيّ وقانونيّ وأن نفسّر كلّ ما وقع وفق هذا المنظار، تبقى هذه المحاكمة في نظري المثال الأبرز للعدل المفقود في محاكم العالم ولطريق الآلام التي يسير بها الأبرار والأبرياء والثائرون للحق والسلام في العالم من الذين دفعوا حياتهم وحريتهم ثمن ثورتهم على الباطل والفساد، وثمنًا لإصرارهم على تغيير العالم وتقويمه لِما هو خير البشريّة كلها.
تبدأ القصة باعتقال السيّد المسيح ليلًا، وقد سلّمه تلميذه يهوذا الإسخريوطيّ إلى الجنود الرومانيين دالّا عليه بقبلةٍ غاشةٍ. هو التلميذ الذي عاين كلّ الأعمال والعجائب التي اجترحها السيد المسيح ولكنه أسلم معلمه لأيدي أعدائه مقابل ثلاثين قطعةٍ من الفضة! ثم يساق السيّد المسيح الى شيوخ وكهنة اليهود لاستجوابه وتذنيبه، حين تركه كلُّ تلاميذه وهربوا خوفًا، ليقف السيد المسيح أمام طلاّب حياته وحيدًا مستمعًا بلا خوف لشهود زورٍ طلبت شهادتهم الكاذبة على المسيح لكي يقتلوه. حتَّى تلميذه سمعان بطرس والذي اعتبره المسيح صخرة كنيسته، وراعي خرافه، وهو الذي أقسم أن لا ينكر المسيح حتى لو كلفه ذلك حياته، أنكر المسيح ثلاث مراتٍ حينما أشار إليه بعض الحاضرين في الخارج اثناء المحاكمة كواحد من أتباع المسيح.
ثم يساق السيّد المسيح بعدها الى الوالي الرومانيّ بيلاطس البنطيّ، وهذا يرسله إلى حاكم آخر يُدعى هيرودس، وهيرودس يعيده الى بيلاطس، إلى أن حكم عليه الأخير، بيلاطس البنطيّ، بالموت صلبًا مع أنه صرّح بأنه لا يجد اي ذنبٍ بيسوع. ويذكر أحد الأناجيل ان بيلاطس بعد أن حكم على يسوع بالصلب غسل يديه قائلا “إني بريء من دم هذا البار” (انجيل متى:24:27)، ولكنه مع ذلك حكم على يسوع بهذا العقاب الرهيب إرضاءً للشعب الذي هتف “اصلبْه اصلبْه”! وصُلب السيّد المسيح الى جانب لصّين ومات وقُبر وقام في اليوم الثالث.
وإزاء مشاهد هذه المحاكمة كما تقصّها الأناجيل الأربعة، أتساءل بعد ألفيّ عام،كم من مستقيمٍ وبارٍّ حوكم وأُعدم بلا ذنب بمحكمة صوريّة أُعِدّت منذ البداية لإخفاء الحق وقتله وما أكثر هذه المحاكم في هذا العالم؟! وكم من بارٍ سلّمه أصحابه لأعدائه مقابل المال أو المطامع الأخرى كيهوذا الاسخريوطي؟! وما أكثرك يا يهوذا في هذا العالم. وكم من بارٍ على هذه الأرض فقد حقّه في محكمة تعتمد شهّاد الزور في قضائها، وتفتقر الى العدل والنزاهة في إجراءاتها؟ وكم من بارٍ سيق من حاكم لحاكم، مثلما سيق السيد المسيح من بيلاطس الى هيرودس ومن هيرودس الى بيلاطس، وما من أحد من الحكّام يجرؤ على النطق بالحقيقة مع أنه يدركها كبيلاطس البنطيّ، وما أكثر بيلاطس من الحكّام في هذا العالم؟ وكم من بارٍ حاكمه حاكمٌ لا يخشى الله في قضائه، فيصدر أحكامه الظالمة تلبية لرغبة الجماهير وخوفا منهم لا حسب ناموس الله وضميره الحيّ، مثلما فعل بيلاطس البنطيّ عندما عاقب المسيح بالصلب وهو عالم انه غير مذنبٍ؟! بل إنّ من أولئك الحكام من يغسل يديه من دم الأبرياء الذين يرسلهم للموت كما فعل بيلاطس البنطيّ ومنهم من لا يغسل!
ولكن محاكمة السيد المسيح نفسها على قدر ما فيها من ألمٍ وظلمٍ تعلمّنا أنّ صاحب الحقّ وإن كان وحيدًا أقوى من الحاكم الظالم مهما كان جبّارًا! بل إنّ الحاكم الظالم يخاف صاحب الحق وترتعد يداه خوفًا منه حين يحاكمه، لأن الحق ّيزلزل عروش ال ملوك ويقوّض أركان الممالك! تعلمنا هذه المحاكمة التي انتهت بقيامة المسيح من بين الاموات، أن الحق يشرق دائمًا حتى لو دفنته محاكم الأرض تحت التراب كميتٍ، وأنّ الحقيقة كالشمس قد تغيب عن الأنظار إلى حينٍ لكنّها لا يمكن دفنها ولا تموت! بل إنّ من العبر المهمة أيضًا في هذه المحاكمة أنّ السيد المسيح نفسه يدرك من قبل أن ما سيمر به من محاكمات أمام شيوخ اليهود وبيلاطس البنطيّ هو أمرٌ مقضيّ من الله ليفتدي بموته خطايا العالم، فسلّم مصيره لله قائلًا في صلاته قبل اعتقاله “يا ابتاه، ان شئت أن تجيز عني هذه الكأس ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك”(انجيل لوقا- 44:22)، وهو ما يعلّمني أنّ كثيرا من المحاكمات الظالمة التي يمر بها الأبرار والأبرياء في هذا العالم، تكون على قدر بشاعتها ومرّها، مرتبّة من الله ليمجدّهم ويغبطهم. وفي الحقيقة، كثيرة هي المحاكم على مدى التاريخ التي عذّبت وقتلت أبرارا وأحرارا جاهدوا وناضلوا للحق والحرية، ولكنّا ندرك اليومَ ان محاكماتهم الظالمة هذه أذاعت صيتهم ومجّدتهم ولولاها لم تنشر رسائلهم للعالم ولم ينتصر فكرهم وطريقهم. ويبقى أعظم ما في ذلك قول السيد المسيح على الصليب طالبًا المغفرة لمن صلبوه “يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”( لوقا 34:23). فلنتمعن إذن بهذه المحاكمة ونعتبر بمعانيها وليكن سراج العدالة والحق والضمير الحيّ دليل طريقنا ومسالكنا دائما!
أهدي مقالي لكل المحتفلين بالفصح المجيد وأحرار وشرفاء العالم كلهم راجيا ان يكون هذا الفصح بشير خيرٍ للعالم أجمع.

Print Friendly, PDF & Email