القدس مدينة مقدسة، القدس مدينة الشعوب “القدس ليست للبيع”

بقلم الاب ابراهيم فلتس

ليس هناك شكٌّ في أن الصورة الأكثر انتشارا في العالم لمدينةالقدس هي صورة قبة الصخرة في الحرم القدسي الشريف، عمارةإسلامية رائعة الجمال، تقع في إحدى أعلى نقاط البلدة القديمة،على سفح الجبل المهيمن على حائط المبكى،على مسافة عشراتقليلة من الأمتار من كنيسة القيامة.

تمثل كل من قبة الصخرة وحائط المبكى والقبر المقدس ثلاثة من أهمأماكن العبادة في الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى، اليهوديةوالمسيحية والإسلام، الموجودة في مدينة القدس،مما يجعل منالقدس مدينة فريدة بين مدن العالم، وتراثا متميزاً للبشرية.

ولكن صورة القدس هذه، كمدينة مقدسة ومدينة للديانات الثلاثالتي تعيش وتتعايش، معرضة لخطر إحداث تغيير جذري فيطبيعتها على أثر إعلانصفقة القرنالتي لا تهدف إلى تحقيقتسوية سلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد تابعت، مثليمثل الجميع، باهتمام وقلق بالغين الخطاب الذي طال انتظاره،وذاكرتي تأبى إلا ترسم في مخيلتي صورة الرئيس الأمريكيالسابق كلينتون، الذي لعب دور الوسيط بين الرئيسين الراحلينرابين وعرفات في اتفاق أوسلو؛ اتفاق فتح باب الأمل للجميع فيإمكانية تحقيق مستقبل وسلام،فنزل   الشعبان الفلسطينيوالإسرائيلي إلى الشوارع للاحتفال، على أمل تحقيق حياة جديدة.  لكن هذه المرة،الصورة كانت مختلفة،لأن الرئيس الأمريكي ترامبهو الوحيد الذي درس الاتفاق بالتنسيق مع إسرائيل، ومن ثم أعلنتعنه كل من أمريكا وإسرائيل. ولكن بحسب العادة، من أجل التوصلإلى اتفاق مقبول بين متخاصمين، يجب أن يتم إشراك طرفي النزاع،وعليه كان من الأفضل أن نرى أبو مازن ونتانياهو في الواجهة،علىأن تلعب أميركا دور الوسيط في المفاوضات. وعلى هامش هذاكله،يبقى السؤال مطروحا: أين هو المجتمع الدولي؟

لقد انتظر الشعب الفلسطيني هذا الاتفاق بقدر ما انتظره الشعب الإسرائيلي أيضاً، وكلاهما يريد أن يعيش في سلام وطمأنينة.ولكن عندما تم الإعلان عنه، لم ينزل أي من الشعبين إلى الشوارع للاحتفال كما فعلوا بعد اتفاق أوسلو، بل نزل الشعب الفلسطيني وقسم من الشعب الإسرائيلي للاحتجاج،حيث أن بعض الإسرائيليين أيضاً شعروا أن الاتفاق غير عادل، ورفضوا أن يكونوا جزءاً مما اقترحته أمريكا وإسرائيل.

لقد تعرض الشعب الفلسطيني لإهانة كبيرة،لأنه لا يستحق أن يعامل بهذه الطريقة، فهو ليس عبارة عن تماثيل على خريطة جغرافية يمكن تحريكها كما يشاؤون، وكأنهم بيادق في لعبة، بل الأمر يتعلق بمصير حياة الكثير من الناس، مصير شكلته التضحيات والمهانات اليومية، وهناك جيل جديد يأمل في أن يعيش مستقبله على هذه الأرض،وأن يحافظ على تقاليده وثقافته حية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ملايين الفلسطينيين يعيشون الآن في الشتات.

ولكن من جانب أمريكا وإسرائيل، كان هناك أيضا خطأ دبلوماسي خطير، تمثل في عدم احترام أبو مازن، رئيس فلسطين المخضرم، هذا الرجل الذي عمل طوال سنوات رئاسته من أجل إحلال السلام بين الشعبين،وحاول دائما أن يغرس الأمل في نفوس السكان بإمكانية تحقيق العدل، على الرغم من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية العديدة.فهو مهندس اتفاقات أوسلو،والرجل الذي حثّ الجميع دوماً على دفع عملية السلام والحوار، فلا شك أنه يشعر الآن بالخديعة وخيبة الأمل والخيانة حتى من قبل المجتمع الدولي، الحاضر الغائب. ومع ذلك، وبالرغم من الألم، الا أن سيادته يأبى الخروج عما امن ويؤمن به، فها هو، أمام أعلى سلطة في الأرض: مجلس الأمن، يلقي كلمة اختلطت فيها الام السنين، وعبء امانة 13 مليون فلسطيني يعقدون الامال على كل الخيرين في الأرض لمساعدتهم في احقاق حقوقهم، يعلنها مدوية: “إن السلام لا زال ممكنا وسيكون سلاما مميزا يحتذى به”، فقط وفقط اذا بني على العدل واعادة الحقوق الى اصحابها، وترك اصحاب الشأن لوحدهم يقررون مصيرهم بدون تدخلات من أطراف لا تعرف عن الواقع شيئا. فها إن سيادته يعيد تذكير العالم أجمع بالتاريخ المدون على الخرائط التي مسخت أرض فلسطين التاريخية وحولتها الى جزر متفرقة. ويعلن للعام بأنه ما من انسان على وجه الأرض يقبل بمثل هكذا اتفاقيات. وقف سيادته متسلحاً بالعديد من الوثائق الرافضة لتلك الأتفاقية، وقف متسلحا بانجازات دولة فلسطين، ومشاركتهافي العديد من الاتفاقيات الدولية المكافحة للإرهاب والمكافحة للفساد وعضويتها في العديد من المؤسسات والهيئات الدولية وترؤسها لبعضها، وقف عارضا كل ما يجري على الأرض من انتهاكات ومنغصات لحياة الإنسان الفلسطيني الذي لا يطلب سوى ان يعيش مثله مثل باقي شعوب الأرض.

كانت سعادتي كبيرة في خطاب سيادته لسببين: الأول لتعبيره القلبي والصادق امام المجتمع الدولي، والثاني لأنه أعلن الى العالم ما جال ويجول في خاطري  (وبالتأكيد في خاطر الكثيرين) من  تحليل ورؤية وامل كنت قد كتبتها في التاسع من فبراير الجاري. قدمها جميعها وكأنه يعيش في قلوبنا وعقولنا ،بالهدوء الهادر، والنبرة الرصينة، والإيمان العميق، والمحبة الكبيرة. مما استدعى بقناعة تامة تحديث ما كتبته واضافة ما سبق من اقتباسات، للوقوف امام هذه الكلمة التاريخية للسيد الرئيس.

وبعد هذه الوقفة عند خطاب فخامته أعود لأقول بأنني أعتقد أنه من أجل التوصل إلى اتفاق حقيقي بين إسرائيل وفلسطين، يجب أن ندفع المجتمع الدولي إلى المشاركة الفاعلة، وبوسع أمريكا بصفتها أهم قوة في العالم، أن تكون على رأس فصل جديد في معاهدة السلام، يتقاسمه الجميع ويدرسونه معاً.

لكن القضية الأهم تبقى القدس! فقد دوى صوت الرئيس أبو مازن بصوت عال وواضح: “القدس ليست للبيع“! وذلك بعد أن علم أن الاتفاق ينص على إبقاء القدس عاصمة موحدة للشعب اليهودي. إن العالم العربي بأسره قلق، ونحن جميعنا،الذين نعيش في القدس، نشعر بالقلق، لأن مثل هذا القرار يمكن أن يطلق العنان للمتطرفين المتعصبين من داعش، الذين دمروا الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة.

ولا أعتقد أنه من الممكن التفكير في أي اتفاق إذا لم نبدأ من القدس أولا؛ بل يجب أن ننطلق من القدس. يجب أن يفهم الجميع أن القدس لا يمكن أن تكون ملكية خاصة لأي شخصا وشعب، بل هي ملكية البشرية جمعاء، وأن القدس يجب أن تبقى “مدينة مفتوحة،مدينة ذات مكانة دولية خاصة، حتى تتمكن من لعب دورها بصفتها العصب الرئيسي للبشرية، فلا يمكن مقارنتها بأي مدينة أخرى في العالم، بل يجب التعامل معها بصفتها مدينة الله، تماما كما تغنى بها الأنبياء والحاخامات على مدار القرون، وكما بكى عليها يسوع، ومقدسة كما يراها المسلمون.تماماً كما كان يطيب للقديس يوحنا بولس أن يردّد دائماً أنه“إذا كان هناك سلام في القدس،سيكون هناك سلام في العالم”.

توجد في مكتبي لوحة رسمها فنان برازيلي، تصوّر القدسمدينة احتفال، مدينة مفتوحة، حيث يسير المسيحي موال يهودي المسلم معاً، وحيث تعبّر جميع الشعوب عن فرحتها بالتواجد معاً في المدينة المقدسة بالعزف على آلات الطرب وبالرقص: إنه احتفال حقيقي!علينا جميعاً أن نشعر أننا مشاركون في هذا الاحتفال المتواصل من أجل تحقيق ذلك. هذا هو الحلم الذي ينبغي أن نعيشه جميعاً، أن نرى القدس في احتفال! فهل سيبقى مجرّد حلم؟ واكرر ختاما وأضم صوتي الى صوت فخامة الرئيس بأنه يجب الإبقاء على الأمل، فالأخطر هو “فقدان الأمل” وهكذا وهكذا فقط يتحول الحلم الى حقيقة، وهكذا فقط يعيش الجميع بمحبة وسلام.

Print Friendly, PDF & Email