أين يبدأ التصدي لـ«الداعشية»

محير أمر شعوب الشرق الأوسط.
معظم شعوب العالم تتطلع إلى المستقبل وهي ترتد مئات السنين إلى الوراء لتصفي خلافات مذهبية نصب البعض أنفسهم قيمين عليها.
كيف يعقل أن يتحوّل المناخ السياسي العام لدول المشرق العربي، في فترة وجيزة تمتد من خمسينات وستينات القرن الماضي إلى العقد الثاني من القرن الحالي، من مناخ قومي وحدوي إلى أجواء تشرذم مذهبي تغرق دوله في حروب أهلية تكاد تبزّ حروب القرون الوسطى قساوة ودموية؟
كيف يمكن تفسير تحول «قلب العروبة النابض»، سوريا، إلى ساحة قتال مذهبي لم يسبق أن عرفته في أحلك أيامها؟
وكيف يمكن أن يمحو العراقيون من ذاكرتهم ثلاثة عشر قرنا من التعايش السني – الشيعي ليعيدوا عقارب التاريخ إلى العاشر من محرم 61 (هـ)، تاريخ موقعة كربلاء؟
من السهل تحميل التيارات الدينية المتطرفة مسؤولية ما يجري في العراق وسوريا واليمن ومصر من نزاعات دموية – وفي لبنان من خلافات لا تخلو من خلفيات مذهبية. ولكن قاعدة «الفعل ورد الفعل» تحمل على الاستنتاج أن أنظمة المشرق الأوتوقراطية تعيش اليوم «ردود فعل» حادة على عقود طويلة من كبت الحريات والإطاحة بالقيم الديمقراطية التي تصون حرية المعتقد، وربما قبل هذا وذاك، على إغفالها تنشئة مواطنيها، منذ الصغر، على تقبل التنوع الفكري والمعتقدي ضمن الوحدة الوطنية لمجتمعاتها.
التغييب القسري للآلية الديمقراطية عن الحياة السياسية لدول المشرق الأوتوقراطية حدّ كثيرا من نشاطات الأحزاب السياسية العلمانية (أي غير الطائفية) وقضى على آفاق تطلعاتها لتداول طبيعي للسلطة، فكان من الطبيعي، في مجتمعات تقليدية رعوية، أن يفرز هذا التغييب فراغا سياسيا ملأته تيارات مذهبية تحتية تسيّست لتصبح البديل المتاح للأحزاب الآيديولوجية.
وغير خافٍ أن تلاقي المصالح البريطانية – الفرنسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى على تقسيم الشرق الأوسط على مقاس مصالحها الإمبريالية أحبط قيام كيان عربي قوي على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة – كيان كان يمكن أن يتحول إلى دولة مؤسساتية.
أسوأ ما ورثه المشرق العربي من اتفاق سايكس – بيكو كان تلك الكيانات الجغرافية الهزيلة والمستضعفة التي تسهل السيطرة عليها من قبل أي أقلية منظمة ومسلحة، سواء أكانت مجموعة عسكرية أم ميليشيوية أم مذهبية كما هو الحال اليوم في العراق. وقد تكون الحصيلة العكسية التي جناها الرئيس جورج بوش (الابن) من حملته العسكرية على العراق عام 2003 أفضل دليل على استعداد التيارات الدينية لاستغلال الفراغ الديمقراطي الذي يخلفه انهيار الديكتاتوريات الشرق أوسطية، فرغم أن الإدارة الأميركية اختارت عذرا طوبويا لغزو العراق (نظريا إقامة بيئة ديمقراطية في البلاد)، لم تستفد من الإطاحة بديكتاتورية صدام حسين سوى الأحزاب الدينية المدعومة من إيران، فكانت السباقة إلى ملء الفراغ السياسي الذي خلفه انهيار حزب البعث وغياب الأحزاب السياسية الأخرى.
في ظل واقعيها الجغرافي المصطنع والقومي المبتور، ورغم تغيّر الوجوه وتبدل العهود في عواصمها، ظلّت دول سايكس – بيكو تعاني من «حالة فقدان مناعة» مزمنة في مواجهة تياراتها التحتية المذهبية. وقد تكون هذه المناعة المفقودة السبب الأول في فشل صمود «الربيع العربي» في وجه التيارات الدينية المتطرفة التي صادرته دون كبير عناء.
ربما تشكل مجتمعات الشرق الأوسط المتدينة بيئة حاضنة لترعرع الأحزاب الدينية مع ذلك تصعب تبرئة الحكام الأوتوقراطيين من فشلهم في ترسيخ مفهوم فصل الدين عن السياسة في دولهم، فبقي شعار «الدين لله والوطن للجميع» مجرد أمنية صعبة التحقيق.
من هنا ضرورة تذكير العواصم العربية والغربية القلقة من المد «الداعشي» في العراق أن أي مسعى جدي للقضاء على التنظيمات «الإرهابية» التي سيّست الدين لتتاجر باسمه، تبدأ بالقضاء على مهيئي البيئة الحاضنة لها، أي الأنظمة الأوتوقراطية المتبقية في الشرق الأوسط، سواء تجلببت ديكتاتوريتها ببزة عسكرية أم مدنية.

Print Friendly, PDF & Email