تجنيد العرب المسيحيين الهدف: تذويب الهوية الوطنية والقومية

ضمن سياسة فرق تسد التي دأب عليها الإحتلال تجاه شعبنا العربي الفلسطيني، من اجل إحكام السيطرة عليه،وفي إطار التعاطي والتعامل معه على أساس انه مجموعات سكانية، وليس أقلية قومية لها حقوقها الوطنية والثقافية، سعى منذ البداية لهذا الهدف، حيث فرضت الخدمة العسكرية القسرية على العرب الدروز والشركس في عام 1958، ومن ثم بعد احداث عام 2000، بدأت الدوائر الصهيونية، تعمل بشكل جدي وعملي من اجل تذويب الهوية الوطنية والقومية لشعبنا، من خلال العمل على دمج العرب الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي، وفق ما سمي بقانون المساواة مقابل تحمل الأعباء والولاء بدل “الترانسفير”، وهذا يعني قيام العرب في الخدمة في مؤسسات الدولة،وبما يتعارض مع هويتهم وانتمائهم، وقد طلب شارون في مؤتمر”ميزان للمناعة والأمن القومي” في كانون اول عام 2003، من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية دراسة كيفية دمج العرب في مؤسسات الدولة، وما عرف بوثيقة “عبري”، ولكن رفض الجماهير العربية واحزابها وقواها لمثل هذه المخطط، أعاق تنفيذه، ولكن الإحتلال نحن نعرف عقليته جيداً، يتراجع في اللحظة التي يشعر فيها بأن هناك مواجهة جدية وحقيقية لمشاريعه، ولكن عندما يشعر بأن هناك تراخي او تراجع، او وجود من يتساوق مع أفكاره وتصوراته وخططه ومشاريعه،يتجه نحو الهجوم، فما ان أعلن أحد الكهنة الماجورين، الأب جبرائيل نداف عن دعوته للعرب المسيحيين الى التجند في جيش الدفاع الإسرائيلي،حتى بادر نتنياهو شخصيا الى تلقف ذلك وتشكيل منتدى مشترك بين الحكومة الإسرائيلية والطائفة المسيحية وتحديدا مع طائفة الروم الأرثودكس، بهدف البحث في انخراط أبناء الطائفة المسيحية في الجيش الإسرائيلي والخدمة المدنية ودمجهم في الحياة العامة.

وبالفعل صدرت دعوات لتجنيد العرب المسيحيين في الجيش الإسرائيلي، على ان تكون في اول عامين طوعية،ومن ثم ستكون إجبارية، الأمر الذي فجر الأوضاع على نحو واسع في الداخل الفلسطيني، فقد اعلنت الجماهير العربية هناك وقواها التمثيلية رفضها المطلق لهذا المخطط ومن ضمن ما جاء في بيان أصدرته بهذا الخصوص “نرفض نحن أصحاب الأرض الأصليين التعامل معنا على أساس إثبات الولاء للدولة وخدمتها للحصول على الشرعية، وسنواصل التصدي لمخططات المؤسسة الإسرائيلية التي نبعث لها رسالة واضحة برفض التجنيد بمختلف أشكاله ولو بالعصيان المدني”.

 ولمواجهة مخاطر هذا المشروع،قام المجمع المقدس والمحكمة الكنسية الأرثودكسية بتجريد الأب جبرائيل نداف من صلاحياته، وقالوا بان دعوته العرب المسيحيين للتجند في الجيش الإسرائيلي، تسيء للعرب المسيحيين قولاً وفعلاً، وتتعارض مع موقعه الديني، وكذلك صدرت دعوات بفرض المقاطعة الإجتماعيه والحرمان الديني عليه وعلى كل من هم على شاكلته ممن يتساوقون وينظرون للمشروع والمخطط الصهيوني.

وكذلك صدر موقف جماعي يندد بمثل هذه الخطوة،ويشدد على رفضها وعدم التعاطي معها،من قبل بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس،حيث أشاروا في بيانهم الموحد الذي صدر امس الثلاثاء الى”متابعتهم نشاطات عدد من السياسيين الإسرائيليين، مثل عضو الكنيست ياريف لافين، لتقديم مقترحات تشريعية تمييزية تستهدف الجسم العربي الفلسطيني الواحد داخل إسرائيل ، وأنهم يرون في ذلك جهدا خاطئا وغير مناسب يهدف إلى التمييز بين المسيحيين وباقي أبناء شعبهم على أسس دينية”.

وأوضح البطاركة أن “المسيحية هي هوية دينية وليست هوية عرقية أو وطنية”،محذرين من أن “مثل هذه التشريعات ستفتح المجال لخطوات لاحقة مثل التجنيد الاجباري في الجيش الإسرائيلى الذي أعلن بدء توزيع دعوات لتجنيد طوعي للشباب المسيحى بهدف تشجيعهم للانخراط في صفوفه”.

واضح بأن مخطط تجنيد العرب المسيحيين في الداخل الفلسطيني – 48 – في الجيش الإسرائيلي، لها الكثير من التداعيات والمخاطر السلبية على وحدة شعبنا هناك، فهو اول ما يستهدف تذويب الهوية الوطنية والقومية لشعبنا الفلسطيني، والتعامل معه على اساس طوائف ومذاهب ومجموعات سكانية، وليس شعب له حقوق، وكذلك فهذا المخطط من شأنه تمزيق اللحمة والنسيج الإجتماعي بين أبناء شعبنا، وكذلك يحتل وعي شبابنا ويسيطر على ذاكرتهم الجمعية، ويضرب ثقتهم بمشروعهم الوطني وعدالة قضيتهم، ويزعزع قناعاتهم وإنتمائهم بحقهم في الوطن، ويفرض رواية صهيونية مزيفة على مسار التاريخ.

طبعاً الإحتلال يسن ويصدر عشرات القوانين العنصرية، من اجل التخلص من شعبنا هناك بالطرق الشرعية وغير الشرعية، فهم ينظرون له على انه بمثابة السرطان الذي يجب التخلص منه، ولذلك نرى بان مخططات التهويد والتطهير العرقي، تطال الجليل والمثلث والنقب، من اجل تهويدها وتهجير سكانها العرب الفلسطينيين، ومن لم يستطيعوا طرده وتهجيره،سيعملون على إحتوائه ودمجه في المجتمع الصهيوني، لكي يمنعوا تبلور أي أقلية قومية عربية، تخلق ثنائية قومية مستقبلاً.

على القوى والأحزاب التمثيلية العربية ومؤسسات المجتمع المدني، أن تخلق اطر ومؤسسات ولجان من اجل مواجهة مخططات الإجتلال، في فرض مشاريع الخدمة المدنية والعسكرية عليها، فلا يجب فقط ان نكتفي بالرفض، بل يجب العمل في اوساط الشباب بالتوعية وتوسيع دائرة العمل الطوعي وإستيعاب الشباب في المؤسسات العربية، وخلق برامج تمكن من توفير فرص عمل لهم،تشكل لهم بديلا عن مؤسسات الإحتلال.

مرة أخرى أرى بان بيان المطارنه ورؤوساء الكنائس، خطوة نوعية على صعيد مواجهة مخطط التجنيد في جيش الإحتلال، ليس للعرب المسيحيين،بل لكل فئات ومركبات شعبنا في الداخل، وكذلك فإن خطوة المجمع المقدس والمحكمة الكنسية الأرثودكسية، بتجريد ما يسمى بالأب جبرائيل نداف، من صلاحياته وفرض الحرمان الكنسي عليه، بإعتباره رأس الحربة في هذا المشروع والمخطط، من شأنه أن يشكل لاجماً ورادعاً، لكل من تسول له نفسه السير في مثل هذه المخططات المشبوهة.

Print Friendly, PDF & Email