خطوات إسرائيلية أحادية الجانب تلوح في الأفق

انتهت مهلة التسعة شهور التي حددها الراعي الأمريكي للمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبدأت بعدها المخاوف والتكهنات والتساؤلات حول ما ستؤول إليه الأمور بعيد التاسع والعشرين من نيسان .

تساؤلاتٍ كثيرة تجول في خواطر الفلسطينيين وخاصة بعد إتمام المصالحة الفلسطينية التي تلقفها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وأركان حكومته والتي يسوقون لها بأن لا وجود لشريك فلسطيني للسلام ووضعوا شرطًا مسبقًا جديدًا على القيادة الفلسطينية بإلغاء اتفاق المصالحة مع حماس كشرط للعودة للمفاوضات بالإضافة الى فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة الفلسطينية كان أبرزها وقف تحويل أموال الضرائب للفلسطينيين.

وكالمعتاد فقد جاء رد الفعل الامريكي مساويًا الضحية بالجلاد وانتقد اتفاق المصالحة الفلسطينية بحيث حذر مجلس الشيوخ الامريكي (الكونغرس) من أن تشكيل حكومة تشارك فيها حركة حماس سيطيح بالمعونات التي تقدمها الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية.

لقد شكل توقيع المصالحة الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات بارقة أمل للفلسطينيين الذين يتوقون لطي صفحة الانقسام والمُضي قدمًا موحدين، الى تحقيق طموحاتهم في بناء دولتهم المستقلة….ولكننا لا نستطيع أن نشيح بنظرنا إلى المخاطر الحقيقية الاخرى التي نتجت عن انتهاء مُهلة المفاوضات بدون الوصول الى اي نتائج تذكر بل وقامت اسرائيل باستغلال التسعة اشهر لتفرض المزيد من الوقائع على الارض فكان الهدم والمصادرة والتهويد والتوسع الاستيطاني الأمر الذي قضى عمليًا على اي فرصة حقيقية للوصول الى إتفاق سلام على أساس الدولتين حتى إن وجدت نوايا اسرائيلية بهذا لصدد.

هذا وبالتوازي مع ما تقوم به إسرائيل من انتهاكاتٍ على الأرض، وإذا راقبنا ما يحصل في دولة الاحتلال وتحديدًا عن ما يصرح به أركان الحكومة اليمينة المتطرفة فإننا ندرك بأن لهذه الزمرة من المتشددين ما يدور في مُخيلتها من حلولٍ يرونها بناءة وتلبي طموحاتهم الاستيطانية والتوسعية وهي في جوهرها تهدفُ إلى التنصل من أي استحقاقٍ سياسيٍ مع الفلسطينيين بل يمكننا القول بان الهدف يصل إلى حد القضاء على حل الدولتين بالكامل وفي نفس الوقت عدم قبول حل الدولة الواحدة ثنائية القومية ويمكننا فهم ذلك بوضوح من خلال مخطط الوزير المتطرف وزعيم حزب البيت اليهودي المدعو نفتالي بينيت والذي يدعو رئيس وزرائه وزملائه في الحكومة الى فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق المُصنفة “ج” وفق اتفاق أوسلو (والتي تشكل 60% من إجمالي مساحة الضفة الغربية) ومنح سكانها الجنسية الاسرائيلية والإبقاء على ما تبقى من الضفة الغربية دويلة فلسطينية ممزقة ولا تمتلك حتى اي من مقومات البقاء.

العملية السلمية تترنح ……ونتنياهو يتبجح

لقد دأب قادة اليمين المتشدد وحتى قبل انقضاء مُهلة المفاوضات على التمهيد لفشلها مع الفلسطينيين وبعد انتهاء المهلة بدأت اوركسترا اليمين بقيادة المايسترو نتنياهو بالعزف على مقطوعتهم المفضلة فوزير يرى بأنه يجب ضم الضفة الغربية لإسرائيل ووزير يقترح حل السلطة الفلسطينية وأخر ينعى اتفاق اوسلو ونتنياهو سعيد بما يرى ويسمع، بل ويتبجح بزعمه عدم وجود شريك فلسطيني للسلام وفي تصريح جديد له في التاسع والعشرين من نيسان ” اخر يوم في مفاوضات التسعة اشهر.. لن نقبل بان يبقى الفلسطينيون منفردين بفرض الحقائق واتخاذ زمام المباردة ، لذا فإنه سوف نقرر قريبا حدود دولة اسرائيل وسنشرع بخطوات فك ارتباط من جانب واحد” والكلام لنتنياهو……. وكل ذلك والراعي الأمريكي يرى فشل جهوده على انها فرصة جيدة لالتقاط الانفاس !!

نعم التقاط الأنفاس ….يجب على الفلسطينيين وعلى القيادة الفلسطينية أن تلتقط الأنفاس وتعيد النظر في كل ما مضى من تجارب مع الإسرائيليين وأن تبدأ بترسيم الحدود كأساس إنطلاق لأي مفاوضات مُستقبلية لكي لا تتحول الحدود المؤقتة التي تسعى اسرائيل الى ترسيمها الى حدودٍ دائمة تستمر لعقود ويصعب تغييرها وأن تقطع الطريق لما يروج له قادة دولة الاحتلال من طروحاتٍ ومخططاتٍ خبيثة نخشى أن يكون الوقت المناسب لإسرائيل قد أزف لتنفيذها وهي تعتمد على ركنين أساسيين، السلام الاقتصادي من جهة، والحلول الأحادية الجانب من جهة أخرى وهما في الحقيقية متلازمين لا ينفصمان.

إن لنا أن نتذكر بأنه وقبل أشهرٍ قليلة من انطلاق جولة المفاوضات الأخيرة في الحادي والثلاثين من تموز من العام الماضي قد حاول وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وبالتنسيق مع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق وممثل الرباعية الدولية على بلورة خطةٍ على شكل محفزاتٍ كانت في ظاهرها محاولة لتنشيط ودعم الاقتصاد الفلسطيني ولكن في جوهرها محاولة لجس نبض الجانب الفلسطيني للمضي قدمًا في خطة شاملة تندرج تحت ما يسمى بالسلام الاقتصادي تحقيقًا لرغبات الحكومة الاسرائيلية، فرفض الفلسطينيون الطرح لتكون الخطة الاقتصادية رديفًا لأخرى سياسية تنتهي بالوصول الى حل سياسي قائم على مبدأ الدولتين.

في الواقع إن أخطر ما في مهلة التقاط الأنفاس التي دعى اليها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما بأن تكون فرصة للإدارة الامريكية التي فشلت في الضغط على اسرائيل في المضي قدما بدعم خياراتٍ أخرى كالسلام الاقتصادي أو دعم غير مباشر لخطوات اسرائيلية أحادية الجانب قد تقدم عليها حكومة نتنياهو لمنع تفككها وانهيارها ، لذلك على الفلسطينيين أن يعوا بأن التاريخ كثيرا ما يعيد نفسه فعندما فشلت مفاوضات شرم الشيخ إبان فترة حكم رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ارئيل شارون هربت حكومته آنذاك الى الامام ،ومضت باتجاه انسحابٍ أحادي الجانب من مستوطنات قطاع غزة والذي إكتمل في الثاني عشر من شهر أيلول من العام 2005.

على الأرض لقد بدأت بوادر التلويح بالخطوات الأحادية الجانب بالتكشف، ليس فقط بتصريحات قادة اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو بل وعلى الارض ايضا، حيث قامت اسرائيل بخطوة عقابية بتعليق تنفيذ المخططات الهيكلية للتجمعات الفلسطينية في المناطق “ج” مع العلم بأنها لا تلبي في الأساس الحد الادنى من احتياجات المواطنين الفلسطينيين للتوسع ونموهم السكاني الطبيعي، ومع ذلك فقد جمدت اسرائيل عملية المصادقة عليها بالإضافة الى قرار اسرائيلي وشيك بتجميد مشاريع إعادة تأهيل اراض زراعية فلسطينية تبلغ مساحتها 15000 دونم في مناطق “ج” كان قد تم الاتفاق عليها بتمويل من جهات مانحة دولية وعلى رأسها الوكالة الأمريكية للتنمية.

إن على الفلسطينيين قيادة وشعبا ونخبًا ومستثمرين ،بما في ذلك القطاع الخاص، أن يدركوا جيدا وفي هذه الظروف الحساسة بأن إسرائيل تسعى الى المضي في مخطط للسلام الاقتصادي بدعوى تحسين حياة الفلسطينيين ودعم الاقتصاد الفلسطيني، ولكن الهدف الابرز في عقول قادة الاحتلال يبقى دائما الهروب من اي استحقاق للسلام إيمانا منهم بعدم أحقية الفلسطينيين بأرضهم ووطنهم فالسلام الاقتصادي لا يعدو كونه تمهيدًا لمرحلة لاحقة وهي مرحلة الانسحابات الاحادية الجانب وتحديدا من مناطق “ج” رغبة منها في عدم الاعتراف باي حدود معينة للفلسطينيين والابقاء الوضع عائما لتستطيع في النهاية حسم الامور بشكل كامل على الارض.

فليس من قبيل الصدفة بأن بدأت اسرائيل وبرعاية امريكية إعادة طرح فكرة السلام الاقتصادي الذي صرح به نتنياهو فور انتخابه بانه يؤمن به وأنه اقصى ما يمكن ان يقدمه للفلسطينيين ، حيث عقد في الثامن من شهر اذار من العام الحالي في العاصمة التشيكية براغ مؤتمرًا اقتصاديًا يناقش ما يسمى بمبادرة اقتصادية تهدف الى “تغيير جذري وتنمية جوهرية في الاقتصاد الفلسطيني” حيث ترأس هذا المؤتمر وزيرة الخارجية الامريكية السابقة مادلين اولبرايت ورئيس الوزراء البريطاني السابق وممثل الرباعية الدولية طوني بلير وبمشاركة عدد من ممثلي القطاع الخاص الفلسطيني. وهنا لنا أن نسأل كيف وافقت حكومة الاحتلال بعد أن فرضت عقوبات على السلطة الفلسطينية وقطعت الاتصالات معها، بأن تسمح لوفد اقتصادي فلسطيني رسمي للتوجه في منتصف شهر نيسان الى واشنطن للتباحث مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبعض ممثلي الجهات المانحة لبحث المساعدات الاقتصادية ولم تعترض على الزيارة؟

إن تعزيز ودعم الاقتصاد الفلسطيني يشكل جزءًا مهمًا وحجر أساس لبناء الدولة الفلسطينية المستقبلية ولكن ليس بديلا عنها كما يريد نتنياهو وقادة اليمين المتطرف في اسرائيل، فلا اقتصاد ينمو بلا دولة ولا سيادة ولا تواصل جغرافي، ولا تنمية مستدامة بدون دولة تحظى بمؤسسات قوية ومستقلة، ولا استثمار حقيقي في دويلة مقطعة الأوصال وجزر لا تُطلُ حتى على مياه فالاقتصاد القوي والحقيقي لا يتحقق الا بقيام دولة مستقلة تسيطر على مقدراتها ومواردها واراضيها ومياهها وبحارها وهوائها ….دولة غير منقوصة السيادة متواصلة الأركان تحكمها سواعد أبنائها لا زمرة من جنود الاحتلال تتمترس على كل مدخل مدينة وقرية فلسطينية…فالحذر كل الحذر من السلام الاقتصادي الذي سيليه خطوات أحادية الجانب تعيدنا أعواما طويلة للوراء.

بلا شك فإنه يتحتم علينا كفلسطينيين أن نكون مستعدين لكل السيناريوهات التي يحيكها قادة الاحتلال والتي تبدأ بسلام اقتصادي وتنتهي بانسحابات محدودة ومدروسة لن تخدم إلا الاحتلال ودولته ونكون حينها، وفي حالة عدم وجود خطة للتصدي لهذه السيناريوهات، مُضطرين لقبول أهون هذين الشرين.

Print Friendly, PDF & Email