حجارة فلسطين الحيّة

باسم القدس التي تحفر في قلوبنا غصة الحرمان، باسم الكرامة الإنسانية التي تجذرت في روح كل فلسطيني، وباسم غضب المقهورين، يطوي الوطن صفحة شهر صُبِغ بالدَم والتضحيات ويخط سطور شهرٍ ثانٍ من ذات منبع الألم. وبينما تمشي الأمهات على درب آلام الفراق ونستنكر جميعاً خذلان الأقربين والبعيدين، تبقى القدس عنوان الغضب والحب والتضحيات وتبقى قلوب المؤمنين الصادقين معلقة بمنارتي القدس اللتين تلخصا رسالتها للإنسانية: القيامة والأقصى؛ مقدسات تنتهك من محتل أرعن يومياً لتستفز في الفلسطيني أهم مربع كرامة في روحه. 

ومع بروز المسجد الأقصى وما يتعرض له من تهديدات حقيقية عنواناً للهبة الشعبية المستمرة، يسهب السياسيون وغيرهم في الحديث عن حماية الأقصى والمقدسات كسبيل لمنع الوضع الميداني الملتهب من الوصول لنقطة اللا-عودة. في المقابل، ينتهز الأشقاء هذه الفرصة للحديث عن المقدسات وأهميتهم وكأن ذلك يعفيهم من عار الحياد والتحييد الذي ينتج عن بياناتهم المفرغة من أي خطوة عملية ومواقفهم البكائية المائعة. 

لكن التركيز على المسجد الأقصى المبارك، على أهميته وقدسيته، قد حجب الأنظار عما هو أهم من الحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة. فلولا المقدسيين خاصة وباقي إخوانهم الفلسطينيين لتحول الحرم الشريف وكنيسة القيامة إلى حجارة صماء؛ أماكن أثرية لا وجود للحياة فيها إلا في ذاكرة التاريخ.

قبل أعوام، كنت أعد تقريراً عن الكنائس المنسية والمهملة في فلسطين نتيجة الاحتلال وسياساته التي شوّهت الطريقة والمسار الذي يأخذه مئات الآلاف من الحجاج المسيحيين كلّ عام في فلسطين. ولأجل غايات التقرير، قصدت الأب رائد أبو ساحلية، وكان في بلدة الطيبة آنذاك، لأتحدث معه عن هذا الموضوع. بعد أن رحب القس الوقور بي وسأل عن صحتي أنا وفريق العمل، عاتبني عتابا حفر في قلبي درساً لن أنساه ما حييت. فما أن بدأنا نسجل المقابلة معه حتى انتفض وقال: لا تسألوني عن الحجارة الميتة في الأرض المقدسة، اسألوني عن الحجارة الحية، عن أهل فلسطين الذي يدفعهم الاحتلال لليأس والرحيل. وأسهب حينها الأب رائد في شرح أثر السياسات الإسرائيلية التي تفرّغ الأرض المقدسة من الفلسطينيين المسيحيين وركز على خطورة ذلك على النسيج الوطني الفلسطيني وقضيتنا الوطنية. 

في القدس حجارة حية تستوجب منا الدعم الفعلي وممّن يدّعون حبَّ القدس ومقدساتها أن يترجموا هذا الحب إلى دعم فعلي، بالزيارة والدعم المالي والتنموي. فالقدس والمقدسيون ليسوا بحاجة لرفع المعنويات أو الدعم الخطابي فهم يوزعون على الوطن معنويات وعنفوان وكرامة. هم بحاجة إلى دعم يثبت وجودهم على الأرض ويعزز صمودهم الأسطوري؛ دعم كالذي تكرر الوعد به من الدول الإسلامية والعربية دون وفاء. فعلى سبيل المثال لا الحصر، الدول الإسلامية سبق وتعهدت قبل أربع سنوات بدعم صمود المقدسيين عن طريق تمويل عشرات المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجالات متعددة بما يعادل نصف مليار دولار. لكن هذا التعهد لم يترجم إلى أفعال ولم يرى المقدسيون من دعم الدول الإسلامية سوى بيانات قممهم العادية والاستثنائية. 

القدس لا تحتاج لبيانات استنكار بعد كل عملية هدم لمنازل أهلها الصابرين بل إلى دعم يضمن البناء حيث يهدم الاحتلال والصمود والبقاء حيث يقرر الاحتلال الاقتلاع والتشريد. المسجد الأقصى ليس بحاجة إلى فتاوى تحرّم الزيارة تحت ذريعة التطبيع وتكتفي بالدعاء وتقديم الوجبات الساخنة أيام رمضان، بل إلى مدارس لأبناء وبنات القدس اللذين يزرعون أنفسهم منارات تضيء باحات الأقصى رغم أنف المحتل لينالوا حقهم في العلم فتفتح أمامهم أبواب مستقبل مزدهر يليق بهم وبمكانة كرامتهم. في القدس درب للآلام يحمل ذاكرة شعب تعذب ولا يزال. فلا حاجة للقدس لحناجر تتقرح وهي تمجد العذابات والتضحيات. ولا حاجة للقدس لدجالين يحرموا انخراط المرأة في الذود عن القدس والمقدسات بحجة الحفاظ عن “العرض” فهؤلاء يجهلون أن الكرامة عنوانها القدس والمقدسيون الذين أناروا دروب هذه المدينة بعروبتهم وحسهم الوطني كل عقود الاحتلال وظلمه الحالك.  

لا حاجة للشعارات والبكائيات. الدفاع عن القدس والمقدسات يجب أن يكون عنوانه الدفاع عن المقدسيين ووجودهم وصمودهم لأنه لولاهم، لتحولت البيوت ودور العبادة إلى حجارة صماء. المقدسيون هم قلب القدس النابض والعصي على الهزيمة. لا تركزوا على الحجارة الصماء… تذكروا الحجارة الحية… في فلسطين كلها، الحاجة الملحة هي لحماية حجارة فلسطين الحيّة وضمان بقاءها فهي قلب هذه البلد وروحها ولولاهم لما كانت الكنائس والمساجد عامرة وحيّة تنبض بتاريخ هذا الوطن وهويته العصية على الاندثار.

Print Friendly, PDF & Email