هل المسيحية نحو الزوال في المشرق العربي؟

دراسة الهجرة من الوطن تفهم فقط بتحديد العوامل الدافعة لها سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او سياسية. ومن هذا المنطلق فان الهجرة بطبيعتها لا تنحصر بمجموعة سكانية معينة ولكنها تطال تلك الشرائح السكانية التي تتأثر اكثر ما تتأثر بالعوامل الدافعة المذكورة اعلاه بغض النظر عن دين او خلفية ثقافية. اي ان الهجرة تحدث بفعل تضافر الظروف الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرها سلبا على مجموعات سكانية ذات خصائص معينة مما يؤدي بنسبة ملحوظة منها للهجرة خارج الوطن.

ومن خلال استعراض سريع للعوامل المشجعة للهجرة من فلسطين خلال العقدين الماضيين وجدت ثلاثة عوامل رئيسية:

العامل الاول: يرتبط بظروف الاحتلال السياسية وبخاصة خلال الانتفاضة الثانية والتي ساهمت في تسارع وتيرة الهجرة.

العامل الثاني: له علاقة بالخصائص الاجتماعية والتعليمية للمهاجرين والذين تأثروا بالانعكاسات السلبية للاحتلال الاسرائيلي على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

العامل الثالث: منذ اندلاع الحرب الاهلية في سوريا وسيطرة “داعش” على اراض واسعة من العراق وسوريا ازدياد دور العامل الديني كأساس للتماهي مع الاخرين وبالتالي لاستثناء من هم من اصحاب الديانات الاخرى.

ومن الجدير بالذكر ان الهجرة لم تنحصر بالمسيحيين الفلسطينيين فقط وانما امتدت لبقية السكان ذات الخصائص المتشابهة مثل الوضع الاقتصادي والتحصيل التعليمي والتي تشجع على الهجرة دون اعتبار للخلفية الدينية. ولكن المشكلة مع هجرة المسيحيين تكمن في امرين: الامر الاول ان المسيحيين يغادرون بمعدل يصل الى ضعفي معدل مغادرة غيرهم من المواطنين اي اخوانهم المسلمين. والامر الثاني كون معظم الجماعات المسيحية في بلادنا جماعات صغيرة عدديا تؤثر بها الهجرة تأثيرا كبيرا من حيث شل قدرتها على متابعة الحياة الجماعية بما تتطلبه من نشاطات وتفاعلات. ومن هنا اتخذت الهجرة المسيحية الفلسطينية بعدا مقلقا ليس فقط للمسيحيين انفسهم وانما لفلسطين برمتها والتي يكون المسيحيون فيها جزءا لا يتجزأ من التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الصراع العربي الاسرائيلي والهجرة

ترك الصراع العربي الإسرائيلي أثره على حركة الفلسطينيين القهرية وتهجيرهم خارج الوطن. فمع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في العام 1948 هجر ما يزيد على الثلاثة أرباع المليون فلسطيني الذين أضحوا لاجئين بين عشية وضحاها. ومن بين الذين عانوا تجربة اللجوء ما بين 50.000 إلى 60.000 من المسيحيين العرب والذين كانوا اكثر من ثلث السكان المسيحيين في فلسطين في العام 1948. وفي مدينة القدس تحديدا كان مجمل السكان المسيحيين في العام 1944، 29.350 أصبحوا في العام 1961، 10.982 بينما لا يتجاوزوا اليوم العشرة آلاف بأعلى تقدير. أي أن سكان القدس المسيحيين اليوم هم الثلث مما كان عليه عددهم قبل العام 1948. وقد وجد العديد من مسيحيي القدس أنفسهم في عمّان بعد العام 1948 فاندمج الكثير منهم في حياتها الاقتصادية والإدارية والمهنية والعلمية والسياسية. إلا أن آخرين بفعل الظروف المحيطة بهم اتخذوا من عمّان والأردن محطة عبور انتقلوا بعدها لبلدان جديدة في المهاجر.

سنوات الاحتلال والهجرة

منذ العام 1967 وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي كان معدل هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة اكثر من 13.000 مواطن كل عام (8.000 من الضفة و5.000 من القطاع) اي ان اكثر من 338.000 فلسطيني قد تركوا الوطن ما بين 1967 و1993. ومن بين هؤلاء ما يقارب من الـ10.000 مسيحي فلسطيني اي اكثر من 20 بالمئة من مجموع المسيحيين الفلسطينيين في الضفة والقطاع. وقد كان للعامل السياسي والذي مثله الاحتلال مع ما واكبه من ظروف اقتصادية سيئة ومناخ اجتماعي صعب دوره الاساسي في دفع الناس لترك البلد.

وفي بحث للهجرة دعمه مركز اللقاء اجري العام 1993 وشمل 964 أسرة فلسطينية في منطقة القدس الكبرى تبين ان الاسر التي تسكن في المدن وذات انتماء للطبقة الوسطى اكثر عرضة للهجرة من الاسر في المناطق الريفية او في مخيمات اللاجئين. وحين سأل الذين يريدون الهجرة عن الاسباب التي تدفعهم لهذا الاختيار اشارت الغالبية العظمى الى الوضع الاقتصادي السيء والى الظروف السياسية غير المستقرة. وحين سألت العينة باكملها عن رأيها في الظروف التي يمكن ان تخفف من الهجرة كان الجواب الاول هو تحسين الظروف السياسية (46.7%) تبعه تحسين الاوضاع الاقتصادية وفرص العمل (40.1%). ومن الملفت للانتباه من اجابات الذين ينوون الهجرة ان نصفهم تقريبا (48.5%) لن يهاجروا اذا ما حل السلام في ربوع منطقتنا.

الاوضاع الحالية والهجرة

تؤثر الاوضاع السياسية الحالية في فلسطين في ازدياد وتيرة الهجرة لدى السكان ككل ولدى المسيحيين بشكل خاص. ورغم ان ارادة الصمود والبقاء قوية لدى غالبية الناس الا ان الاستنتاج العلمي في ما يتعلق والهجرة هو انها تزداد في زمن يتميز بانعدام الاستقرار السياسي والذي تصاحبه شتى انواع المواجهات بين جنود الاحتلال وعامة الشعب. وبحسب مكتب المنسق الخاص للامم المتحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة فان سياسة الاغلاقات الاسرائيلية والتي تفرض على حركة السكان هي الاشد والاطول منذ احتلال هذه الاراضي في العام 1967. كما ويشير تقرير البنك الدولي في تقاريره الدورية الى ان الفقر بين الفلسطينيين اخذ في الازدياد بفعل الاجراءات الاسرائيلية والتي تحد من الامكانيات الاقتصادية والتنموية. وقد تأثرت كل الجماعات السكانية بهذه الاجراءات.

ان انعدام الاستقرار السياسي في بلد ما هو دافع هام للهجرة ويؤثر هذا الدافع على الفلسطينيين كما يؤثر على غيرهم. ولا يختلف الحال مع المسيحيين في الضفة والقطاع اذ يجد ما لا يقل عن 200 مواطن مسيحي نفسه على طريق الهجرة سنويا وبخاصة في هذه الاوقات. وقد يستهين المرء بهذا الرقم للمهاجرين الا انه يجب التذكير بان مجمل المسيحيين في الضفة والقطاع اليوم لا يتجاوز عددهم الـ50.000 موزعين جغرافيا على المناطق التالية:

غزة 1.300

الزبابدة (منطقة جنين) 2.251

القدس 10.900

بيرزيت (منطقة رام الله) 2.158

بيت لحم 7.500

الطيبة (منطقة رام الله) 1.100

بيت جالا 7.200

عابود (منطقة رام الله) 1.017

بيت ساحور 8.000

رام الله 7.000

وبالتالي فان نسبة المهاجرين من المسيحيين تصل الى ما يقرب الى 20  بالمائة من النسبة المئوية للنمو السكاني لهم كل عام والتي تقدر بـ2.2  بالمائة من مجموع عدد المسيحيين اي ما يساوي تقريبا 1.100 شخص في كل عام.

واذا ما استمر هذا النزيف كما هو عليه فلا يتوقع والحال هذه ان يزداد عدد المسيحيين لا بل بالعكس اذ سيظل ينخفض هذا العدد مما سيؤثر سلبا على تركيبة الجماعات المسيحية المختلفة وعلى تفاعلاتها في داخل كنائسها ومساهماتها في مجتمعاتها.

ويشير متوسط عمر المسيحيين الى انهم بفعل الهجرة وبفعل قلة الانجاب قد اصبحوا جماعة هرمة اذ يصل العمر الوسيط لديهم الى 33 عاما بينما يصل هذا العمر الوسيط لدى غالبية السكان الى 19 عاما. والعمر الوسيط هو السن الذي يقسم مجموعة من السكان قسمين متساويين عدداً فخمسين بالمائة من السكان هم دون هذا العمر بينما الخمسين الآخرين هم فوقه.

مؤشرات مقلقة حول التطرف الديني والهجرة

يبقى الاحتلال وشره العامل الرئيس الذي يدفع بالناس للهجرة. ولكن بعض الابحاث والدراسات الميدانية التي اجريت في السنوات الاخيرة تبين وللأسف بان هناك تأثيرا متصاعدا للتطرف الديني على التفكير جديا بالهجرة. وقد بينت دراسة اشرفت عليها جمعية الشبان المسيحية في غزة ودعمتها البعثة البابوية لفلسطين بان عدد سكان غزة المسيحيين لا يتجاوز 1300 شخصا في العام 2014، مع العلم بانهم كانوا ضعفي هذا العدد قبل عقد من الزمن. وبحسب بعض المطلعين على الامور فان معظم المسيحيين سيغادرون غزة اذا توفرت الفرص. وهذا الامر ينطبق على اهل غزة عموما ولا علاقة مباشرة له بطبيعة الحكم القائم في غزة اليوم. ولكن الجو العام في غزة والذي يأخذ اكثر واكثر طابعا دينيا في ظل اوضاع الحصار الاسرائيلي على القطاع وما يخلفه هذا الحصار من صعوبات جمة ناهيك عن الحروب المتلاحقة التي تصيب غزة واهلها تساعد جميعها على الدفع بالناس للتفكير جديا بموضوع الهجرة وترك القطاع.

وفي العام 2009 قام مركز اللقاء ببحث ميداني على عينة من الشباب في منطقة الجليل، وكان واضحا من نتائج البحث بأن العلاقات بين الاديان تمر بنوع من الازمة، اذ قال 13 بالمائة من العينة بأن العلاقة مع المسلمين هي اما في ازمة او في وضع متفجر، في مقابل 47 بالمائة قالوا بان العلاقات جيدة. وتدنت نسبة الذين قالوا بان العلاقات طيبة مع الدروز الى 21 بالمائة مقابل 40 بالمائة ممن يعتقدون بأن العلاقة مع الدروز هي في ازمة او متفجرة.

ويفكر 26% من عينة البحث في الجليل بالهجرة وهذه النسبة مشابهة لتفكير عينات بحث مختلفة في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة خلال العقدين الاخيرين. وفي بحث اجري في القدس ورام الله وبيت لحم في العام 2014 قبل زيارة البابا فرنسيس لفلسطين تبين بان 62% من العينة يفكرون جديا بالهجرة.

وقد يقول قائل بان هذه النسب هي افتراضية فقط وبالتالي لا يمكن الاستنتاج منها على العلاقة بين التطرف من ناحية والهجرة الفعلية من ناحية اخرى. المتوقع بأنه مع ازدياد التركيز على الهوية الدينية في المجتمع وتدهور الاوضاع السياسية فإن من يستطيع الهجرة وبخاصة بين الشباب سيقوم بذلك. وبما ان 28% فقط من المسيحيين الفلسطينيين موجودين اليوم في فلسطين التاريخية مقابل 72% في المهاجر فإن لكل عائلة مسيحية فرد او افراد من درجة القرابة الاولى متواجدين في الخارج مما يسهل عملية الهجرة لمن تبقى من المسيحيين في فلسطين.

وبالمقارنة مع العشرة الآف فلسطيني مسيحي والذين هاجروا ما بين 1967 و1993 وبناءً على معطيات ومؤشرات مختلفة، فاننا نستطيع ان نقدر بأن عدد المسيحيين الذين هاجروا من فلسطين (القدس والضفة الغربية وقطاع غزة) منذ العام 1993 الى العام 2014 يصل الى ما يقرب الثمانية الى العشرة الآف مهاجر. اي انه منذ الاحتلال الاسرائيلي في العام 1967 فإن 40% من المسيحيين قد غادروا فلسطين معظمهم الى مهاجر دائمة مثل استراليا وامريكا الشمالية والوسطى والجنوبية.

الآثار السلبية للهجرة

تؤثر الهجرة سلبا على تركيبة المجموعة السكانية التي يأتي منها المهاجرون. فمن ناحية يزداد العمر الوسيط لهذه المجموعة بفعل هجرة فئة الشباب وتصبح المجموعة اكبر سنا من بقية السكان مما يؤثر على نشاطاتها وفعالياتها. وتتأثر كذلك نسبة النوع في هذه المجموعة اذ تصبح لدينا اعداد اكبر من الاناث في مقابل الذكور. ولكن الاثر الاسوأ يكمن في ما يطلق عليه بهجرة الادمغة اي تلك الطاقات والمهارات الضرورية لاستمرارية ليس فقط الجماعة نفسها وانما المجتمع ككل. وفي المضمون العربي الاسلامي لهجرة المسيحيين العرب فان هذه الهجرة تعني بان تاريخا طويلا من العيش المشترك ومن التلاحم في السراء والضراء ومن علاقات الانفتاح الديني المتبادل يهدده خطر الاختفاء. ولا ننسى بان هذه الربوع هي اصل الديانات التوحيدية ومنبع الرسالات السماوية وبالتالي فان هجرة المسيحيين العرب تهدد هذه التعددية وهذه التجربة الحياتية الغنية بعلاقات حسن الجوار والاثراء الثقافي المتبادل على مر العصور.

تحديات البقاء: تحديات مشتركة

من الممكن ان تستقبل اوروبا وغيرها من البلدان الغربية المسيحيين ليس فقط من فلسطين وانما ايضا من سوريا والعراق وغيرها من البلدان العربية. وقد تهنأ اوروبا نفسها على انفتاحها على مسيحيي المشرق العربي وبخاصة لأنهم سيندمجون بسرعة في مجتمعاتها ولن يكون الدين عامل تفرقة وحساسية بالنسبة لهم. ويحملنا مثل هذا الاستقبال الاوروبي الممكن مسؤولية دينية وثقافية وتاريخية وسياسية واجتماعية هنا في عقر بيتنا العربي الاسلامي.

ان المسؤولية الدينية تدعونا لأن نأخذ بالحسبان ما يحدث اليوم باسم الدين من استثناء للآخر ورفضه وتبرير معاملته بفوقية وبتمييز. هذا مع العلم بأن الدين في اساسه يدعو للتسامح ولقبول الآخر رغم الاختلاف معه عقائديا. وكلما ازداد استثناء الآخر ورفضه على اساس ديني فإننا نساهم باضعاف مجتمعاتنا على عكس ما يدعيه المدعون. ذلك اننا على دون دراية منا قد نساهم في تمزق نسيج مجتمعنا عن طريق المساهمة في تشجيع مجموعات هامة في مجتمعاتنا للهجرة او للتفكير الجدي بها. واهمية هذه المجموعات تكمن في خصائصها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والمهنية بغض النظر عن خلفيتها الدينية.

ولا يمكننا تصور مستقبل الوطن واهله دون رؤية شاملة جامعة تأخذ الميراث الغني من تاريخ متأصل ساهم فيه الجميع، دون اعتبار للدين او حتى للقومية، في ايجاد تقاليد مشتركة للعيش معا وللجيرة الحسنة وللمواطنة المسؤولة اسسا لبناء مجتمع يقوم على التلاحم والتواصل دون استثناء بسبب الخلفية الدينية وغيرها من الخلفيات.

علينا ان ننظر لداخلنا ولداخل مجتمعاتنا بنظرة فاحصة لغرض التوفيق بين هوية دينية من جهة وبين الاواصر التاريخية والاجتماعية التي ميزت مجتمعاتنا وجعلتها تعيش بتعددية تقبل بالآخر وتبني العلاقة معه على اساس الاحترام المتبادل. لا شك بأننا اذا نجحنا بهذا فإننا نكون على الطريق الصحيحة نحو التقليل من مخاطر الهجرة والتزق الداخلي وكذلك نكون مهيأين بشكل افضل للعمل على مساعدة شعبنا العربي الفلسطيني على الخلاص من الاحتلال ونيل حقوقنا المشروعة. وربما نجحنا ايضا في المساعدة على استعادة الاستقرار المنشود في كل من سوريا والعراق وتأهيل مجتمعاتها بما يكفل السلم الاهلي. اذا لا يمكن ان عزل هجرة المسيحيين الفلسطينيين عن المحيط العربي الاعم في الزمن الحاضر. والامل كل الامل ان يتمكن شرقنا العزيز من تخطي محناته وازماته للعمل على تأهيل مجتمعاته واستقرارها.

 

Print Friendly, PDF & Email