فلسطينيو الـ48 وقضية التجنيد

في الوقت الذي تقدم إسرائيل ذاتها بأنها حامية أو راعية لمصالح المسيحيين لا بد من تذكير أنفسنا بأن أعداد المسيحيين الذين هجرتهم إسرائيل من القدس بلغت 37 بالمئة مقابل 16 بالمئة من المسلمين. لنذكر بعضنا أن المدن الفلسطينية والتي سكنها الجزء الأكبر من المسيحيين كان دمارها وتشريد أهلها من أوائل عمليات الإجرام الصهيوني الممنهج. لنذكر أنفسنا بان بين القرى التي حصلت فيها مجازر جماعية كانت عيلبون بغالبيتها المسيحية. لنذكر أنفسنا بأن قانون الغائب-الحاضر والذي سنته الدولة مباشرة بعد نكبة الـ48 قد طال كل القرى الفلسطينية المسيحية منها والإسلامية.

أثارت الحملة الإسرائيلية الحديثة-القديمة لتجنيد فلسطينيي الداخل، وبالذات المسيحيين منهم، ضجة كبيرة وغضبا عارما لدى الأوساط الشعبية والشبابية والقيادية العربية في الـ48. فبالرغم من وجود أفراد قلة ربما يعدون على أصابع اليد الواحدة ممن خرجوا لتأييد هذه الحملة علنا إلا أن الغالبية الساحقة كانت وما زالت تعارض بشدة وتناهض هذه الحملة. لن نتوقف كثيرا على هذه القلة وبالذات رجلي الدين (جبريل نداف ومسعود أبو حاطوم) إذ قد نال هؤلاء نصيبهم من النقد والشجب الجماهيري وبالذات في الخطابات الجماهيرية والصفحات العنكبوتية. يكفي هنا التذكير بمنع الشباب الناصري (والمسيحي منه) هذا الكاهن من دخول كنيسة البشارة. أنا شخصيا لا أرى شيئا غريبا ولا أستهجن وجود ظاهرة كهذه في ربوعنا الفلسطينية، ولا في ومجتمعنا العربي، ولا حتى بشكل عام. فوجود المنتفعين أو المغرر بهم أو فاقدي الرشد الوطني من رجالات دين من كل الطوائف مسلمون كانوا، مسيحيون، أو دروز ليس بجديد. ففي كل حالة استعمار وتحت كل أشكال الكولونياليات كانت تظهر طبقة معينة أو بعض أفرادها ممن يجد في الإستعمار أداة لتنفيذ مآربه أوتحقيق مطامعه.

لذلك، فما يهمنا هنا ليست هذه القلة بل السياق التاريخي العام لحملة التجنيد الصهيونية والمقاومة الخلاقة والشرسة لهذا النوع من القهر العنصري.

*السياق التاريخي لسياسة التجنيد الصهيونية*

جميعنا يعلم أنه بعد قيام الدولة الصهيونية على أنقاض الشعب الفلسطيني كان الهم الأساسي لهذا الكيان أن يثبت هويتة الغريبة على هذه الأرض، وأن يفرضها بالقوة ليس فقط على محيطها العربي بل وكذلك على نحو 20 بالمئة من الشعب الفلسطيني الباقي على أرضه. فكانت سياسات العزل الجغرافي والشرذمة والتفريق أحد أساليب الهيمنة وتبعتها وما زالت تتبعها سياسات مصادرة الأراضي المتبقية لدى الفلسطينيين، وهدم القرى والمنازل وتغيير معالم المدن والقرى الفلسطينية إما من خلال التحريش أو بناء المستعمرات اليهودية. ففي سنة 1956 وبعد اللقاء الشهير بين رجالات الحكومة الإسرائيلية ومشايخ من الطائفة الدرزية والذي أفضى إلى إتفاق أجبر فيه العرب الدروز على الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي تعهدت الدولة (كما يتعهد أي نظام كولونيالي) بمعاملة “مميزة” للطائفة الدرزية، من تحسين وضعهم الاقتصادي والتعليمي، وإعمار البنية التحتية وما الى ذلك من سياسات تميزهم عن بقية شعبهم. ولكن كانت وبقيت هذه التعهدات كما في أي نظام كولونيالي رهينة اللحظة… هذه اللحظة هي حين ينتهي النظام من انشغالاته في قضايا مهمة أخرى ليرجع ويعتني بهذه القضية.

فبالرغم من الوعود الإسرائيلية برفع مستوى التعليم بين الدروز إلا أن المرأة الدرزية بقيت في أدنى السلم من الناحية التعليمية. لقد أظهرت في مكان آخر (عبدو 2011) أنه ومنذ نشأة الحركة الصهيونية وتجلياتها في قيام الدولة كانت نظرتها للرجل العربي والمرأة العربية نظرة استشراقية عنصرية ودونية، حيث انها وضعت وما زالت تضع السبب في تدني مستوى المرأة العربية ليس على سياساتها القمعية والمهمشة (بكسر الميم) بل على الثقافة العربية، والدين والعائلة. ومن هذا المنطلق الإستشراقي العنصري كانت الحكومات الإسرائيلية تصوغ سياساتها. فمن إحدى ظواهر “الميزات” التي قدمتها الحكومة الإسرائيلية في المجال الاقتصادي للنساء الدرزيات في الجليل (حيث تقطن الغالبية الدرزية) إقامة معامل نسيج وتشغيل آلاف النساء أو بالأحرى استغلال آلاف الأيدي العاملة الرخيصة وذلك في سبعينيات القرن الماضي. ولكن في أوائل تسعينيات القرن الماضي وبالذات بعد إتفاقية أوسلو 1994 رأت الدولة الكولونيالية أن مصالحها الرأسمالية التوسعية يمكن أن تستفيد من سياسة الباب المفتوح على الأردن باستعمال أيدي أكثر رخصا وأقل كلفة، حيث لا يتمتع العمال بأية حقوق، فقامت بإغلاق كل معامل النسيج وتحويلها الى المناطق الحدودية في الأردن. هذا مثال واحد على سياسة إسرائيل التمييزية والمرتهنة كما ذكرنا لشروط وديناميكية الاستعمار الكولونيالي. بكلمات أخرى لم تكن الوعود الإسرائيلية للدروز الفلسطينيين إلا فتاتا قليلا وأوهاما كبيرة. وكما جاء في رسالة “رفض المثول للتجنيد الإجباري” التي بعث فيها الشاب عمر سعد إبن قرية المغار الجليلية لرئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو ردا على تسلمه أمر المثول للخدمة الإجبارية:

“لقد خَدَم العديد من شبابنا ضمن قانون التجنيد الإجباري فعلى ماذا حصلنا؟ تمييز في جميع المجالات، قرانا أفقر القرى، صودرت أراضينا، لا يوجد خرائط هيكلية، لا يوجد مناطق صناعية. نسبة خرِّيجي الجامعات من قرانا من أدنى النسب في المنطقة، نسبة البطالة في قرانا من أعلى النسب. لقد أَبْعَدَنا هذا القانون عن امتدادنا العربي…”

بهذه الكلمات المقتضبة لخص المناضل الفلسطيني الشاب سياسة إسرائيل العنصرية، وفند إدعاءاتها في “تمييز” الأقلية الدرزية والهادفة إلى سلخهم عن بقية شعبهم الفلسطيني.

*برافر لن يمر من هنا*

هذا هو الشعار الذي وضعه المناضل عمر على صدره وهذا هو الشعار الذي رفعه وما زال يرفعه الفلسطيني البدوي والمسلم والمسيحي رفضا لسياسة نهب الأراضي في النقب. فالبدو الفلسطينيون لم يكن حالهم بأفضل من الدروز. فمنذ عام 1958 قامت إسرائيل بحملة مشابهه لتجنيد البدو ولكن ومنذ ذلك الوقت وحتى وقتنا هذا ما فتأت الدولة تستمر باضطهادها البدو وقمعهم وتهميشهم. فمنذ قيام الدولة وحتى سنة 1966 عُزل البدو عن بقية شعبهم العربي وقطعتهم الدولة عن امتدادهم العربي الفلسطيني جغرافيا، واجتماعيا، وثقافيا. والأنكى من هذا أنها مارست وما زالت تمارس التمييز العنصري ضدهم. أكثر من أربعة وأربعين قرية بدوية صنفت “بغير المعترف بها” وبقيت وما زالت هذه القرى والتي يقطنها أكثر من 40 ألف فلسطيني محرومة من أبسط الحقوق الإنسانية (بدون ماء أو كهرباء أو مدارس أو عيادات طبية أو أي نوع من الخدمات)… وما زالت هذه القرى عرضة للهدم وأهلها للاقتلاع. ولم تكتف بذلك، ففي السنوات الأخيرة وضعت الحكومة الإسرائيلية مشروع برافر والذي يقضي بمصادرة ما يزيد عن 800 ألف دونم من أراضي البدو في النقب وترحيل 40 ألف مواطن. السياسات الإسرائيلية المجحفة بحق البدو الفلسطينيين جعلتهم أكثر تهميشا وأكثر فقرا وجعلت المرأة البدوية أقل حظا بالتعليم والعمل، وهمشت التركيبة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية لهذا القطاع من فلسطينيي الـ48. ولكن وكما أستهلينا هذا النقاش بعبارة “برافر لن يمر من هنا”، فلقد شهدنا وما زلنا نشاهد الحملات الشعبية وبمشاركة النساء والرجال في مناهضة سياسات القمع والعنصرية الإسرائيلية تجاه البدو الفلسطينيين.

 

*”يا عدرا يا ام المسيح فكي عنا التصاريح”*

ما زلت وليومنا هذا أذكر هذا الشعار الذي كان يرفعه أهل الناصرة في المهرجانات الشعبية وكذلك في الأعياد. ففي السنوات الأولى للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين (بين 1948- 1966) حين أخضعت الدولة الصهيونية الفلسطينيين الأصلانيين لنظام الحكم العسكري، وكان ممنوع علينا مغادرة بلداتنا وقرانا ومدننا بدون إذن من الحاكم العسكري (أو بدون تصريح) تضرع الناس إلى السيدة مريم طالبين منها الشفعة لهم عند الله. ولم يكن هذا الشعار حكرا على المسيحيين، بل كان يردد من قبل الجميع. فطوابير العائلات وبالذات الرجال الذين كانوا يتجمعون يوميا قرب أحد مقرات الحاكم العسكري في الناصرة لإصدار تصاريح لمغادرة الناصرة أو القرى الجليلية للذهاب إلى العمل خارج منطقة سكناهم ما زال حيا في مخيلتي. ففي طفولتي كان أبي يصطحبني معه ونقف في هذه الطوابير لاستصدار تصريح لكي نذهب إلى حيفا لزيارة أهل أمي، أو للذهاب إلى طبريا في صيف الناصرة الحار. فالتصاريح أو أذونات التحرك المفروضة على الفلسطيني ليست بجديدة ولم تظهر بعد الإحتلال الإسرائيلي لبقية فلسطين (بعد الـ1967)، بل مورست على السكان الأصلانيين منذ نشأة الدولة. وفي الحقيقة لولا عدم قدرة إسرائيل على إبقائنا، كقوّة عمل، تحت حكمها العسكري لحاجتها للجيش والعسكر في حرب الـ1967 لبقينا نحن وبقية شعبنا تحت حكم العسكر.

هنا وقبل أن أتطرق لعلاقة دولة الإستعمار الصهيوني مع الفلسطينيين المسيحيين من شعبنا الأصلاني أود أن أنوه لحقيقة مرة مفادها أن الفلسطيني بشكل عام والأصلاني بشكل خاص والذي كان دوما وما يزال يفاخر بهويتة الوطنية (كفلسطيني) وهويته القومية (كعربي وعروبي) يضطر الآن وبسبب سياسات طمس الهوية العربية عبر تشتيت وتمزيق نسيجنا الإجتماعي، يضطر أحيانا إلى إستعمال المصطلحات الدينية في تعريف هويتنا الوطنية. ويعزز هذا التمزيق وهذا التشتيت صعوبة البحث العلمي وشح الأساليب البحثية عند التطرق لأوضاع فلسطينيي الداخل. فمثلا عندما أجريت بحثي عن النساء وقضية العنصرية والمواطنة في إسرائيل لم أستطع الحصول على أي إحصائيات دقيقة عن الفلسطينيين كقومية واحدة وموحدة. فالإحصائيات الرسمية الإسرائيلية وكما سياساتها العامة لا تعترف بقوميتنا الفلسطينية ولا حتى العربية منها مع أنها تطلق علينا “عرب إسرائيل” أو “الإسرائيليين العرب”. في الإحصائيات الإسرائيلية الرسمية يجري تعريفنا حسب الديانة: فنحن مسلمون أو مسيحيون أو دروز أو بدو ولسنا عربا أو فلسطينيين. ومن بيننا جميعا وكما حاججت في كتابي تحاول السلطات إبراز المسيحيين كمجموعة أكثر ليبرالية وتقدما وتعليما من بقية الفلسطينيين وكأن هذا واحد من إنجازات الدولة. ولكن ما تغفله الدولة أو تتغافل عنه هو أن نسبة التعليم الأعلى لدى هذه الطائفة وبالذات الإناث منهم مقارنة ببقية شعبنا لم يكن أبدا منة من الإسرائيلي بل نتاجا لتعاقب الكولونياليات ومدارس التبشير المسيحية. إذ لم تكن إسرائيل من أقام المدارس الأهلية في الناصرة أو في القدس مثلا بل أن هذه المدارس والخدمات الأخرى اسست من قبل الإرساليات الدينية الإستعمارية الأخرى. فليس بالغريب أن تحظى المدارس الأهلية بغالبية مسيحية. فعدا مدرسة ثانوية حكومية واحدة في الناصرة هنالك مجموعة مدارس أهلية (مدرسة راهبات الطليان مدرسة الفرير، مدرسة الروم، مدرسة الفرنسيسكان، راهبات مار يوسف، مدرسة الأميركان … إلخ). وعلى نفس النسق وحتى هذه اللحظة لم تقم الدولة ولا مشفى واحدا في الناصرة والتي هي أكبر مدينة عربية في البلاد. بل بالعكس فمستشفيات الناصرة (المستشفى الإنجليزي والنمساوي والفرنسي) قد اقيمت قبل الدولة من قبل المستعمرين التبشيريين.

أما الدور الأساسي التي قامت به الدولة فهو تهميش القرى والمدن ومحو أكثر من 500 قرية وإلغاء معالمها الفلسطينية. في الوقت الذي تتباهى فيه إسرائيل وتقدم ذاتها بأنها حامية أو راعية لمصالح المسيحيين لا بد من تذكير أنفسنا بأن أعداد المسيحيين الذين هجرتهم إسرائيل من القدس بلغت 37 بالمئة مقابل 16 بالمئة من المسلمين. لنذكر بعضنا أن المدن الفلسطينية والتي سكنها الجزء الأكبر من المسيحيين كان دمارها وتشريد أهلها من أوائل عمليات الإجرام الصهيوني الممنهج. لنذكر أنفسنا بان بعض القرى التي حصلت فيها مجازر جماعية كانت عيلبون بغالبيتها المسيحية. لنذكر أنفسنا بأن قانون الغائب-الحاضر والذي سنته الدولة مباشرة بعد نكبة الـ48 قد طال كل القرى الفلسطينية المسيحية منها والإسلامية على السواء. فمثال قريتي إقرث وكفر برعم والبالغ عددهم في سنة 2010 حوالي 3000 نسمة والذين ما زالوا ينتظرون العودة ما زال حيا في وجداننا. ففي غمار الحرب الكولونيالية الإستعمارية أجبرت الأخيرة أهالي هاتين القريتين على مغادرتها، وكان “الوعد” الإسرائيلي أن يغادروا هذه القرى لمدة أسبوعين فقط على أن يعودوا اليها بعد الحرب.

فحسب بعض الوثائق كان الأمر العسكري يطالبهم بالرحيل إلى لبنان ولكن شعور الأهالي بالمؤامرة جعلهم يمكثون في القرى المجاورة، حيث سكن الجزء الأكبر منهم في قرية الجش الجليلية المجاورة. وحسب هذه الوثائق بعد أكثر من أسبوع من التهجير قام الحاكم العسكري للجليل بزيارة قرية الجش و”أوضح الإلتباس” قائلا أن السلطات كانت تتخوف من هجوم من لبنان، وأنها أرادت حمايتهم وإبعادهم من المنطقة ووعدهم بالعودة لقراهم بعد اسبوعين. في سنة 1951 وبعد الوعود المتتابعة بالعودة وعدم الإيفاء بها قدم عشرة من أبناء كفر برعم، بالنيابة عن بقية الأهالي، دعوة لمحكمة العدل العليا حيث أقرت الأخيرة بحقهم في العودة إلى قراهم. إلا أن السلطات الإسرائيلية رفضت السماح لهم بالعودة وقامت في سنة 1953 بمصادرة أراضي القريتين، بإدعاء أنه هذه الأراضي لم تكن بحوزة واستعمال أصحابها أو مالكيها. ولكن وبعد إصرار الأهالي على استرداد قراهم والعودة إلى بيوتهم وبهدف قتل الأمل بالعودة، قامت الحكومة وبإسم الأمن بهدم بيوت قرية كفر برعم. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا يبقى أهالي القريتين يطالبون بالعودة إلى قراهم وتبقى القرى مغلقة “لأسباب أمنية” حسب قانون الطوارئ البريطاني لعام 1948.

هذا السرد المقتضب جاء ليعبر عن فكرة واحدة وهي أن العربي الفلسطيني ومهما كان انتماؤه الديني فهو في نظر الإسرائيلي عدوا لها ويشكل خطراعلى أمنها. أن تكون إقرث وكفر برعم قريتين مسيحيتين لم يغير ولن يغير من سياسات الدولة الكولونيالية والإستعمارية. فإذا كان هذا هو ماضي إسرائيل، وهذا هو حاضرها فكيف يتسنى لأي منا مسيحيا كان أم درزيا أم مسلما أم بدويا أن يفكر ولو لوهلة أن يحظى بعطف هذه الدولة، وكيف لنا أن نظن بأن دولة الكولونيالية الإستعمارية يمكن لها أن تغير سياساتها النفييّة والإلغائية تجاه سكانها الأصلانيين؟ ومن هنا نعود لقضية هذه المقالة الأساسية وهو الخطاب الفلسطيني الحالي في مناهضة التجنيد.

*”نحن نحرس أراضينا ولسنا حراس حدود”*

خرج الخطاب الفلسطيني المناهض لقضية التجنيد بأشكال متنوعة ولكن المضمون بقي واحدا. فالخطاب الرسمي الفلسطيني والصادر عن القيادات العربية: الشعبية والجماهيرية ومن ضمنها قيادات دينية محترمة (وليست منتفعة كما ذكرنا سابقا) وكذلك قيادات حزبية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني أقر بالمبادئ الأساسية لرفض الجماهيرهذة الحملة الإسرائيلية المسعورة. فقد ركز هذا الخطاب على القضايا التالية:

1. ربط هذه الحملة بمحاولات المؤسسة الصهيونية لطمس الهوية العربية للفلسطينيين عبر تشتيت وتمزيق النسيج الاجتماعي.

2. القول بأن تجنيد المسيحيين هو جزء من سياسات إسرائيل لتجزئة الشعب الواحد.

3. ربط حملة التجنيد مع محاولة إسرائيل لكسب الإعتراف بيهودية الدولة.

قضايا جد مهمة للخطاب المناهض للتجنيد، ولكن يبقى هذا الخطاب مبتورا ما لم يتم التذكير بأن هذه الحملة ونواياها لم تأت بأي جديد بالنسبة لسياسات الدولة الصهيونية، ولم تكن إلا استمرارا طبيعيا لنهج وسياسة الحركة الصهيونية الكولونيالية الاستعمارية والتي تجلت بقيام دولة إسرائيل. وهنا لا بد أيضا من التشديد على قضية العلاقة بين هذه الحملة ويهودية الدولة ليس من المنظور المحلي فقط بل وكذلك في علاقته مع محيطه الإقليمي والدولي. إذ لم يكن من الصدفة أن تصدر هذه الحملة وبتأييد شخصي من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والذي شجع على قيام “منتدى تجنيد الشباب المسيحي” والذي يعمل فيه المنتفع “الأب” نداف، في سنة 2012 وأخذ يثير ضجة أكبر عام 2013. في هذه الفترة إشتعل المحيط العربي في حريق ما يسمى بالربيع العربي وظهور الإسلامويين السياسيين من الإخوان المسلمين على سدة الحكم وبالذات في مصر وتونس وتظهير كنه هذه التنظيمات في حقيقتها المعادية للحرية والديمقراطية، وقمعها لشعبها ومعاداتها للغير، وافتعالها لمشاكل وتخريب وقتل للغير من شعوب المنطقة (كالهجوم على الأقباط والكنائس القبطية في مصر). وأكثر ايلاما في هذه المنطقة وهذه الفترة كان الهجوم التكفيري والممول والمدرب ليس فقط من الغرب الإستعماري بل وكذلك من دول خليجية إسلامية (وأقلها يمكن القول انها غير معادية لإسرائيل) … الهجوم على سورية، ومحاولة تمزيقها، وتفتيتها وإلغاء دورها المناطقي المقاوم. لا يخفى على أحد الدور المهم المباشر وغير المباشر لإسرائيل في تمزيق الأمة العربية وتفتيت نسيجها الإجتماعي ومؤازرتها لهذه العمليات الهمجية، فإسرائيل لم يهتز لها ضمير (إذا كان أصلا موجودا) لخراب أهم وأقدم الكنائس في العالم ولا لاختطاف مطارنة وقديسين وراهبات وغيرهم. بل وبالعكس فقد أستغلت هذه الظواهر بشكل رخيص في دعايتها “للحفاظ على المسيحيين من العرب المسلمين” وهذا حسب الرؤية الإسرائيلية يأتي في تأييدهم للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ،في إلغاء عروبتهم وصهرهم في الدولة اليهودية.

ففي الآونة الأخيرة خرج علينا أكثر من عضو برلمان أو سياسي ليقول لنا ان “المسيحيين ليسوا عربا وهم أقرب لنا (اليهود) من المسلمين”. ومن هنا وللتذكير فقط أود القول أن هذه التصريحات وكما تاريخ سياسات إسرائيل ليست حديثة العهد. ففي لحظات تاريخية عديدة ولربما بعضها جرى في مجالات خاصة أكثر منها في مجالات عامة، كان الخطاب الإسرائيلي الرسمي يشدد على نزع الفلسطينيين المسيحيين من هويتهم وبيئتهم وثقافتهم العربية والإسلامية. سأذكر مثالا واحدا هنا. في دراستي الأخيرة عن المرأة الفلسطينية والمقاومة في سجون الإحتلال الإسرائيلي ظهرت هذه القضية بوضوح. توثيق هذه الدراسة بني على أرشيفات تاريخية ومقابلات معمقة مع حوالي عشرين إمرأة مناضلة ممن شاركن في الكفاح المسلح بين أواخر ستينيات القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات (تحت النشر). من بعض القضايا المطروقة أظهرت بعض النساء المعتقلات أنه خلال التحقيق معهن كان المحقق اليهودي يصر على أنهن مسيحيات ولسن عربيات ويتساءل لماذا ينخرطن مع المسلمات في “الأعمال الإرهابية”. وبالرغم من المعاملة الشرسة للمحققين مع هؤلاء النساء والتي لم تكن لتفرق بينهن وبين بقية أخواتهن في المعتقل إلا أن خطاب المحققين معهن كان يركز على أنهن مميزات بكونهن لسن عربا.

لا يستطيع أحد ولا حتى السلطات الإسرائيلية تجاهل الدور وبل الأدوار القيادية التي كان يتبوأها و مسيحيو فلسطين وما زالوا في قيادة النضال الفلسطيني. ولا يستطيع أحد التغاضي عن دور رواد القومية العربية من مسيحيي الشرق ودورهم الأساسي في نشر الثقافة الوطنية والفكرية، والتي ساهمت في رفع شأن الأمة العربية وشعوب المنطقة. ومن هنا وبكلمة واحدة لا يسعنا إلا القول بأن حملة التجنيد هذه ما هي إلا بهدف التحريض العنصري على العرب والمسلمين.

أما فيما يتعلق بحملة التجنيد والهوية اليهودية للدولة على المستوى العالمي أو الدولي فلا بد من التذكير هنا بأن توقيت هذه الحملة تزامن مع المباحثات الإسرائيلية-الفلسطينية الهزيلة وإصرار البيت الأبيض، من خلال الزيارات المكوكية لوزير الخارجية كيري للمنطقة والتي من أحد ركائزها كان إرغام الفلسطينيين بالإعتراف بيهودية الدولة. فسلخ مسيحيي فلسطين عن شعبهم الفلسطيني وبنود “الإتفاقية” التي تفضي بتبادل الأراضي و”الترانسفير” لقرى المثلث المأهولة بالسكان، والتهجير الممنهج لسكان القدس، واقتلاع أراضي النقب، وبناء المزيد من المستعمرات اليهودية يقلل ممن تعتبره الدولة “الخطر الديمغرافي” وتؤمن مساحة أكبر من أراضي فلسطين التاريخية للدولة الكولونيالية، وتسرع في مشروعها لتثبيت الدولة اليهودية.

ولكن وكما قال شاعر المقاومة توفيق زياد: هنا باقون:

كأنا عشرون مستحيل … في اللد والرملة والجليل!!

هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار

وفي حلوقكم كقطعة الزجاج، كالصبار

وفي عيونكم زوبعة من نار.

…..

نجوع نعرى، نتحدى، ننشد الأشعار.

ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات،

ونملأ السجون كبرياء

ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا..

وراء جيل

…..

فلتشربوا البحرا!!

بالرغم من فقداننا لشاعرنا العظيم إلا أن كلماته ورسالتة لم ولن تموت. فالمراقب للاحتجاجات والمظاهرات الشعبية وبالذات في الناصرة وبقية مدن وقرى الجليل لا يسعه إلا أن يلاحظ الإبداع والتجديد في الأساليب المستعملة من قبل الشبيبة من الذكور والإناث في حملاتهم النضالية ضد التجنيد. فهذا الجيل الجديد هو من بشر به شاعرنا توفيق زياد، حيث يستعمل ليس فقط الساحات العامة والاجتماعات الجماهيرية بل ويكرس كذلك نشاطه ومعرفته بأساليب الإتصالات الحديثة ومنها الشبكات العنكبوتية في توضيح موقفهم الرافض ونشر رسالتهم على المستوى العالمي. فالشعار الذي بدأت به الموضوع الأخير من هذه المقالة (نحن نحرس أراضينا ولسنا حراس حدود) كان مرفوعا من قبل ثلاث شابات فلسطينيات في أحد النشاطات السياسية المناهضة للتجنيد. الجدير ذكره هنا أن الرسالة التي بعثها عمر سعد إبن الـ17 سنة لرئيس الحكومةالإسرائيلي وظهرت على الفيس بوك كانت قد ترجمت إلى عدة لغات ووصلت إلى شباب في أمريكا وروسيا وبلدان غربية أخرى. وبالرغم من كون هذه الرسالة إنسانية وشخصية وتؤكد على الحقوق الإنسانية للفرد إلا انها كانت كذلك سياسية وقومية بتميز. لن أعيد الرسالة هنا ولكن سأنقل بعض المقتطفات للتدليل على ذكاء وقوة هذه الرسالة وأسباب إنتشارها ونجاحها في نشر القضية على المستوى العالمي.

يستهل الشاب عمر رسالته بالقول: “أرفض المثول لإجراء الفحوصات لمعارضتي لقانون التجنيد المفروض على طائفتي الدرزية. أرفض لأني رجل سلام وأكره العنف وكل أشكاله، وأعتقد بأن المؤسسة العسكرية هي قمة العنف الجسدي والنفسي، ومنذ استلامي لطلب المثول لإجراء الفحوصات تغيَّرتْ حياتي، ازدادت عصبيتي وتَشتُّت تفكيري، تذكّرتُ آلاف الصور القاسية، ولم أتخيَّل نفسي مرتديا الملابس العسكرية ومشاركا في قمع شعبي الفلسطيني ومحاربة اخواني العرب.أعارض التجنيد للجيش الإسرائيلي ولأي جيش آخر لأسباب ضميرية وقومية…” وتابع عمر: “أكره الظلم وأعارض الإحتلال، أكره التعصب وتقييد الحريات.أكره مَن يعتقل الأطفال والشيوخ والنساء.أنا موسيقي أعزف على آلة “الفيولا”، عزفت في عدة أماكن، لديّ أصدقاء موسيقيون من رام الله، أريحا، القدس، الخليل، نابلس، جنين، شفاعمرو، عيلبون، روما، أثينا، عمان، بيروت، دمشق، أوسلو، وجميعنا نعزف للحرية، للإنسانية وللسلام… أنا من طائفة ظُلمت بقانون ظالم، فكيف يمكن أن نحارب أقرباءنا في فلسطين، سوريا، الأردن ولبنان؟… كيف أكون سجَّانا لأبناء شعبي وانا أعرف أنّ غالبية المسجونين هم أسرى وطلاب حق وحرية؟ أنا أعزف للفرح، للحرية، للسلام العادل القائم على وقف الإستيطان وخروج المحتل من فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وإطلاق سراح جميع الأسرى في السجون وعودة اللاجئين المهجّرين الى ديارهم”.

متتبع نضال عمر يستنتج أن الشاب ينتمي لعائلة فنية مقاومة. ففي إجتماع جماهيري في بلدة كفر ياسيف الجليلية ألقت نهى سعد أم عمر كلمة استهلتها بصوت أسمهاني رائع وهي تردد أغنية أسمهان: يا ديرتي مالك علينا لوم/ لا تعتبي/ لومك على من خان/ حنا روينا سيوفنا من القوم/ مثل العدو ما نرخصك باثمان/ يا ياب/ يا مصبرني على بلواي”. حيث كان لوقع صوت نهى وكلمات الأغنية تأثير كبير على الجماهير. وذكرت نهى بالصدى العالمي لرسالة ابنها عمر وبرسائل الدعم والتأييد التي وصلتها من أقطار العالم. فإذا كان لنضال عمر وأم عمر معنى ووقع فإن هذا الوقع هو ما يجسده الشباب والشابات العرب الفلسطينيين في حراكهم المقاوم والمتناقل من جيل إلى آخر. وهنا أختم هذه المقالة بترديد ذات الشعار المقاوم: نحن عرب فلسطينيون شاء من شاء وأبى من أبى ولن يكون إنتماؤنا إلا لشعبنا وقضايانا.

Print Friendly, PDF & Email